جيل "ألفا" يعيد العائلات إلى السينما
الجزيرة.نت -

بعد سنوات من تكريس فكرة ابتعاد الأطفال والعائلات عن دور السينما لصالح المشاهدة المنزلية عبر المنصات الرقمية، تكشف بيانات السوق وسلوك الجمهور مسارا مختلفا. فقد عادت هذه الفئات إلى القاعات، استجابة لتجربة لا توفرها الشاشات الصغيرة، وأصبحت الأفلام الموجهة للعائلة نقطة جذب رئيسية، وتحولت زيارة دور العرض إلى نشاط جماعي يجمع الأصدقاء والأقارب، ويمنح المشاهدة بعدا اجتماعيا واضحا.

هذا التحول لا ينعكس فقط في نسب الإقبال، بل في شكل الطلب نفسه؛ فالأطفال لا يشاهدون الفيلم بمفردهم، بل يصطحبون عائلاتهم، مما يضاعف عدد التذاكر ويمنح هذه الفئة وزنا يتجاوز حجمها العددي.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

كما أن ارتباط هذه التجربة بعناصر مثل الضحك الجماعي، والتفاعل داخل القاعة، والفعاليات المرتبطة بالعروض، يجعل الذهاب إلى السينما حدثا بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة لمتابعة فيلم.

في المقابل لم تختفِ المنصات، لكنها لم تعد الخيار الوحيد أو البديل الكامل؛ إذ تحولت المشاهدة المنزلية إلى امتداد للتجربة، بينما بقيت القاعات المساحة التي تمنح الفيلم حضوره الأكبر.

ويأتي هذا التحول في لحظة تواجه فيها صناعة السينما ضغوطا اقتصادية وتراجعا في أداء بعض الإنتاجات الضخمة، مما جعل عودة الأطفال والعائلات عنصرا حاسما في استقرار السوق.

لا تتعلق المسألة بعودة جمهور قديم، بل بظهور نمط مشاهدة يعيد ترتيب الأولويات داخل الصناعة، ويمنح الأفلام العائلية موقعا متقدما في حسابات الإنتاج والتوزيع.

الأرقام تتحدث

تعكس أرقام شباك التذاكر هذا التحول بوضوح، إذ تشير البيانات إلى تفوق أفلام "بي جي" (PG)، وهي تلك التي يسمح للأطفال بمشاهدتها وحدهم، للعام الثاني على التوالي على أفلام "بي جي-13" (PG-13)، وهي تلك التي ينصح الوالدان بشدة بالإشراف على مشاهدة الأطفال دون سن الـ13 لها، في السوق الأمريكية، حيث حققت نحو 2.87 مليار دولارِ، مقابل 2.77 مليار دولار للأخيرة.

إعلان

وبرز فيلم "ماينكرافت" (A Minecraft Movie) كأكبر نجاح، بعدما افتتح بإيرادات بلغت 313.7 مليون دولار عالميا، قبل أن يصل إجمالي إيراداته إلى نحو 958 مليون دولار، منها 423 مليون دولار داخل الولايات المتحدة، ليصبح الأعلى تحقيقا للإيرادات محليا خلال العام.

الملصق الترويجي لفيلم "ليلو وستيتش" (الجزيرة)

كما حققت أفلام أخرى نتائج لافتة، منها "ليلو وستيتش" (Lilo & Stitch) الذي تجاوز مليار دولار عالميا، و"كيف تروض تنينك" (How To Train Your Dragon) بإيرادات بلغت 636 مليون دولار، و"ويكيد: فور غود" (Wicked: For Good) الذي جمع 503 ملايين دولار، و"زوتوبيا 2″ (Zootopia 2) الذي تخطى 1.4 مليار دولار عالميا.

في المقابل، كانت أفلام "بي جي-13" (PG-13)، لسنوات طويلة الأكثر رواجا، عبر سلاسل مثل "حرب النجوم" (Star Wars) و"المنتقمون" (Avengers) و"هاري بوتر" (Harry Potter) و"أفاتار" (Avatar) و"المتحولون" (Transformers)، إلا أن تراجع أدائها بات واضحا، خصوصا في أفلام الأبطال الخارقين.

فقد سجلت أعمال مثل "كابتن أمريكا: عالم جديد شجاع" (Captain America: Brave New World) و"الصواعق" (Thunderbolts) نتائج أقل من المتوقع، كما تراجعت سلاسل كبرى مثل "مهمة مستحيلة: الحساب النهائي" (Mission: Impossible – The Final Reckoning)، الذي حقق 172 مليون دولار محليا، وهو أقل من عدة أجزاء سابقة في السلسلة.

ولا يقتصر صعود أفلام العائلة على حجم الإيرادات، بل يمتد إلى شكل الإقبال داخل القاعات. فهذه الأعمال لا تعتمد على المشاهد الفردي، بل على حضور جماعي يرفع متوسط عدد التذاكر لكل عملية شراء. كما تستفيد من تعدد مرات المشاهدة، إذ تميل العائلات إلى العودة لمشاهدة الفيلم أكثر من مرة، خاصة في المواسم والعطلات.

هذا النمط يختلف عن أفلام الأكشن التي تحقق ذروة سريعة ثم تتراجع، بينما تحافظ أفلام "بي جي" (PG) على حضور أطول في شباك التذاكر. ويمنح ذلك الاستوديوهات نموذجا أكثر استقرارا في الإيرادات، قائما على الاستمرارية بدل الانطلاقة المؤقتة.

أسرة تتسوق منتجات فيلم "زوتوبيا 2" في بكين (أسوشيتد برس)
جيل "ألفا" ينقذ عالم السينما

تكشف دراسة حديثة أجرتها مجموعة الأبحاث الوطنية (National Research Group – إن آر جي) أن جيل "ألفا" (المولودين منذ عام 2013) أصبح قوة دافعة رئيسية في دعم دور العرض في السنوات الأخيرة، في وقت كانت فيه التوقعات تشير إلى ابتعاد هذا الجيل عن السينما.

وتظهر البيانات أن نحو 59% من هذا الجيل يفضلون مشاهدة الأفلام في السينما مقارنة بالمشاهدة المنزلية، وهي نسبة تفوق الأجيال الأخرى، ما يعكس ارتباطهم بتجربة العرض الجماعي.

كما تشير النتائج إلى أن الذهاب إلى السينما بالنسبة لهم يمثل نشاطا اجتماعيا بالأساس، يقوم على مشاركة التجربة مع الأصدقاء والعائلة، وليس مجرد متابعة الفيلم. ويميل عدد كبير منهم إلى مشاهدة الأفلام ضمن مجموعات، في سلوك يعزز الطابع الجماعي للتجربة مقارنة بالأجيال الأكبر.

ويرتبط هذا التوجه أيضا بانجذابهم إلى الأعمال التي تتيح تفاعلا أوسع، خاصة تلك المرتبطة بعوالم الألعاب مثل "ماينكرافت"، حيث تتحول المشاهدة إلى جزء من ثقافة جماهيرية تشمل التفاعل داخل القاعة وخارجها.

إعلان

كما تتحدى هذه النتائج الفكرة الشائعة حول قصر مدى الانتباه لدى الأطفال، إذ تظهر البيانات أنهم قادرون على متابعة الأعمال الطويلة متى كانت جذابة، مع تفضيل واضح للتجارب الغامرة مثل تقنيات العرض ثلاثي الأبعاد والمؤثرات الحسية.

مشهد من فيلم تهديد الشبح في سلسلة حرب النجوم (آي ام دي بي)
من الجائحة إلى الانتعاش

أدت جائحة كورونا إلى إغلاق دور السينما فترة طويلة، وانتقال جزء كبير من الإنتاجات إلى منصات البث مثل نتفليكس (Netflix) وديزني بلس (Disney+)، مما عزز الاعتقاد بأن المشاهدة المنزلية أصبحت البديل الدائم.

لكن مع إعادة فتح القاعات، عادت العائلات والأطفال تدريجيا، لتظهر فئة جديدة من الجمهور تعيد التوازن إلى السوق. ويقول محلل شباك التذاكر بول ديرغارابيديان لمجلة "فارايتي" (Variety) "إن أفلام العائلة عادت بقوة بعد أن تعرضت لضربة كبيرة خلال الجائحة، مشيرا إلى أنها باتت تجذب جمهورا واسعا من مختلف الأعمار".

ويضيف أن هذه الأفلام توفر تجربة مريحة وآمنة للجمهور، مما يجعلها خيارا مفضلا في ظل حالة عدم اليقين التي تحيط بالصناعة.

ورغم المخاوف من أن يؤدي صعود أفلام العائلة إلى تراجع الأفلام الموجهة للبالغين، فإن المؤشرات الحالية لا تشير إلى اختفائها، بل إلى إعادة توزيع الأدوار داخل السوق، ويتمثل الرهان الأساسي في أن جمهور الأطفال اليوم سيصبح جمهور أفلام البالغين في المستقبل، مما يمنح دور السينما فرصة لإعادة بناء علاقتها مع الأجيال الجديدة.



إقرأ المزيد