الجزيرة.نت - 4/5/2026 2:38:53 AM - GMT (+3 )
حظ سيئ.. هذا هو ملخص ما يمكن أن يقوله اليوم المسؤولون عن الاقتصاد المصري في الحكومة المصرية.
فعقب التصريحات العديدة والمتتالية والمتفائلة لهؤلاء عامة، ولرئيس الحكومة المصري خاصة، حول اجتياز فترة التعثر، وتجاوز المحن، بعد طول انتظار من سنوات الاستدانة والجدولة، وانتهاء القيود الخارجية، وآخرها العدوان على غزة، وقعت الواقعة عقب الهجوم الصهيو-أمريكي على إيران، ما جعل المنتظرين لتحقيق الوعود الكثيرة التي باتت المجموعة الاقتصادية تغدقها على مستمعيها- وينتظرها هؤلاء، خاصة من أرباب الطبقتين؛ المتوسطة، والدنيا، بشأن تحسن الأوضاع الاقتصادية- تتبخر، ولم يعُد لها أثر، أمام تصاعد وتيرة التصعيد في المنطقة.
بوادر ركود تضخمي تلوح رؤاه
منذ اليوم الأول للحرب في 28 فبراير/شباط 2026، وما تلا ذلك من قرار طهران إغلاق مضيق هرمز، وبدء الأزمة المتعلقة بارتفاع أسعار النفط، قامت الحكومة المصرية في 9 مارس/آذار 2026، برفع أسعار البنزين، والسولار، والغاز، والمواد البترولية الأخرى، وذلك بعد أن تأكد أن الحرب على إيران ستطول رحاها، حتى وإن توقفت بضعة أشهر أو أسابيع، وأن الارتفاع في الأسعار متصاعد باستمرارها؛ بسبب تشدُد أطراف الصراع الثلاثة.
من هنا ونتيجة تداعيات ارتفاع أسعار النفط على باقي أسعار السلع والخدمات بما في ذلك المواصلات المتأثر المباشر والأول بقرار ارتفاع أسعار الطاقة، بدأت كافة المؤشرات الاقتصادية المتعلقة بالركود والتضخم معا تتضح في أركان المنظومة الاقتصادية المصرية.
صحيح أن هناك عديدا من البلدان ظهرت بها تلك المؤشرات، لكن ما اتسمت به مصر أنها كانت قبل بدء الحرب تعاني من أزمات اقتصادية، كما أنها لم يكن اقتصادها بذات قوة الاقتصادات الأخرى التي تأثرت بارتفاع أسعار الخام، وتحملت وما زالت تتحمل الصدمة.
اعتماد على الخارج بشكل كبير
إعلان
ولأن الاقتصاد المصري مرتبط بعديد المدخلات المهمة التي لا غنى عنها أبدا، وعلى رأس ذلك تحويلات العمالة المصرية في الخارج، والسياحة، وقناة السويس، والصادرات، فإن المشكلة التي برزت، هي أن معظم تلك المدخلات ترتبط ارتباطا كبيرا بما يجري في الخارج.
فالسياحة المقصود بها هنا السياحة الخارجية، والصادرات تعتمد على التسويق الخارجي، وتحويلات العمالة تعتمد على أحوال البلدان المضيفة، وكذلك علاقتها بمصر، وقناة السويس يرتبط وضعها بالتجارة الدولية، وأزمات الإقليم التي لا تنتهي.
لا شك أن كافة اقتصادات الدول- ونتيجة الاعتماد المتبادل- ترتبط بقدر أو بآخر بالبيئات الإقليمية المحيطة بها خاصة، وبالدولية عامة، كما اتضح في أزمة "كوفيد-19″، والحرب الروسية الأوكرانية والعدوان على غزة.
لكن في حالة مصر يبدو الأمر بين الداخل والخارج ذا ارتباط وثيق بشكل أكبر، لكون مصر بلدا ذا كثافة سكانية كبيرة، في منطقة مضطربة من العالم، كما أن الاعتماد على النمو ومصادر الدخل يرتبط بأمور معظمها- إن لم يكن جميعها- متصل بالخارج.
كل ذلك يجعل صانع القرار الاقتصادي المصري مقيدا ومكبلا بشكل كبير. ولا نبالغ إن قلنا إن سياسة مصر الخارجية بأسرها، تصبح مقيدة بتلك الأمور جميعها، ما جعلها تتجه إلى الاستدانة لعدم كفاية الموارد، والحاجة إلى الإنفاق على السلع والخدمات، وكذلك توجه الحكومة -خلال العقد الأخير- في تنمية قطاعات بعينها، إنشائية وعقارية، أسفرت عن زيادة الاستدانة من الخارج، وخاصة من قبل صندوق النقد الدولي، الذي كانت روشتته قاسية، ولم تحمل أي شيء إيجابي.
نتيجة لما سلف تخطى الدين الخارجي حدود الأمان وهو 40-45% من الناتج المحلي الإجمالي وقدره وفق بيانات صندوق النقد الدولي ما يقارب 349.3 مليار دولار عام 2026، لكونه أصبح نحو 46.1%.
المهم من ذلك كله أن الريوع المصرية الخارجية أو المتصلة بالشأن الخارجي بلغت قدرا كبيرا للغاية من الإيرادات العامة، وأن فوائد الديون باتت تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق العام، وأن خدمة الدين الحكومي (الأقساط والفوائد) إلى الإيرادات بلغت 140.5% في موازنة 2025/2026 وفقا لبيانات البنك المركزي المصري، وأن الحكومة مطالبة في النصف الأول من العام 2026 بسداد أقساط وفوائد دين خارجي تبلغ 11.46 مليار دولار ومثلها في النصف الثاني من هذا العام.
مؤشرات الركود التضخمي في الاقتصاد المصري
والركود في أبسط معانيه ومؤشراته هو انخفاض الدخل، وهذا الانخفاض لا يعني بالضرورة انخفاضا من الناحية العددية، بل لربما يكون الأخطر هو الانخفاض من الناحية النوعية، ممثلا في قيمة العملة المحلية، ومن ثم تقليص القوة الشرائية، وهو ما حدث بالفعل في مصر.
كما أن الركود هو انخفاض العمالة والقدرة على التشغيل، وهو أيضا ما حدث وزادت وطأته مؤخرا بقرار من الحكومة المصرية بتخفيض ساعات العمل الليلي، مع توقعات بتأثير ذلك على سوق العمل.
صحيح أن القرار الحكومي الأخير لم يقصد ذلك، لأنه ابتغى خفض استهلاك الكهرباء للحد من فاتورة استيراد الغاز مصدر الإنتاج الرئيس لها، لكن ما حدث هو أنه نتيجة ارتباط كافة الأمور ببعضها البعض، ثمة تأثيرات سلبية قد تحدث.
إعلان
الأمر الآخر المتعلق بالركود هو انخفاض القدرة على التصنيع وانخفاض الإنتاج المحلي، وهذان الأمران يعاني منهما الاقتصاد المصري أشد المعاناة؛ بسبب ارتفاع أسعار مواد الإنتاج والإجراءات البيروقراطية، وانخفاض القدرة على التسويق الخارجي؛ لأسباب كثيرة لا يبدو أن المجال يتسع هنا لذكرها.
كل تلك الأمور لم تكن لتشير إلى ركود لو لم تُختتم بالنتيجة المفزعة، وهي الانخفاض الكبير في مبيعات التجزئة، ما جعل المعروض من السلع قائما دون قدرة موازية على تصريف هذا المعروض.
لا شك أن الحكومة المصرية منذ نحو شهرين وفي سبيلها إلى زيادة الاستثمارات، وضخ الكثير من الأعمال في الأسواق، قامت بخفض العائد أو الفائدة على الودائع وكافة المدخرات في البنوك، وقد أغضب ذلك القرار الكثيرين ممن هم غير قادرين على الاستثمار، خاصة من الطبقتين؛ المتوسطة، والدنيا.
لكن وكما يقول المثل، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، شُنت الحرب على إيران، وارتفعت الأسعار، ومن ثم انخفض الشراء، وجاء الركود في النشاط التجاري والإنتاجي، فأصيب الجميع من كافة الطبقات في آن واحد.
ما زاد من المشكلة هو أن كل ما سبق أسفر عن ارتفاع أسعار السلع والخدمات، لا سيما مع قرار الحكومة المصرية رفع أسعار الطاقة، ما أفضى لعودة التضخم مرة أخرى الذي وصلت أقصى معدلاته في بعض أشهر 2024/2025 إلى 40%، نتيجة ارتفاع التكاليف وليس بالضرورة زيادة الطلب.
ما العمل؟
كل ما سبق يجعل الحكومة أمام حتمية إجراء حزمة تقشف ضخمة، تبدأ بما يلي:
- وقف فوري للاقتراض لغير الأغراض الإنتاجية، والتي يتحتم أن يتم دراستها، بحيث تغطي تكاليف الدين وتفيض، ويكون الغرض منه سريع العائد، والحد من الاستيراد، والالتزام بالحدين الأقصى والأعلى للأجور.
- وضع هيكل لضرائب تصاعدية تصب في مصلحة الطبقتين؛ المتوسطة والدنيا، وهما الطبقتان اللتان يتحتم تجنب تحميلهما أعباء سياسة التقشف، ومن ثم حتمية عدم المساس بالدعم السلعي لهما في المدى القصير.
- اتباع سياسة جادة للحد من الإنفاق الحكومي، وعدم تحميل محدودي الدخل وحدهم تبعات سياسة التقشف.
إحدى أهم خطوات تلك السياسة يخص كلا من مراجعة بند التوظيف لما فوق سن التقاعد، وبند الخبراء والمستشارين، والبحث عن بدائل لموارد الطاقة تكون أكثر استقرارا وأمنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


