الجزيرة.نت - 4/6/2026 2:16:46 AM - GMT (+3 )
في لحظة كانت فيها إسرائيل تمارس أقصى درجات البطش، متنقلة بين حرب وأخرى، بعد حرب إبادة في غزة أودت بحياة أكثر من 72 ألف فلسطيني، ومع استمرار عدوانها في الضفة الغربية في ظل غياب مساءلة دولية حقيقية، صادق الكنيست بأغلبية واضحة على قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين بالشنق.
هذا القانون لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجا لمسار طويل من التمييز والاستعلاء العنصري بحق الشعب الفلسطيني. غير أن الأخطر فيه أنه نقل قتل الأسرى من الممارسة الخفية؛ بسبب الإجراءات العقابية والتنكيلية إلى التشريع المعلن، ومن الجريمة المستترة إلى الإجراء المقنن، كاشفا أن القانون الإسرائيلي لا يسخّر لخدمة العدالة، بل لتغطية العنف وإرضاء اليمين المتطرف.
قبل الخوض في التفاصيل، لا بد من استعراض بعض الأرقام التي تعكس حجم المأساة التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، فوفق المعطيات المتاحة، بلغ عددهم نحو 9 آلاف و500 أسير حتى مارس/آذار 2026، وهو من أعلى المستويات المسجلة في السنوات الأخيرة.
ولعل الأخطر في هذه الأرقام أن ما لا يقل عن 3442 فلسطينيا كانوا رهن الاعتقال الإداري حتى 11 مارس/آذار 2026، من أصل نحو 9500 أسير، أي ما يقارب 36% من مجموع الأسرى.
وإذا أضيف إليهم المحتجزون من غزة في أطر احتجاز دون محاكمة فعلية، ترتفع النسبة إلى ما يقارب نصف مجموع المحتجزين الفلسطينيين، وفق تقديرات حقوقية أخرى.
ولا تتوقف المأساة عند أرقام الاعتقال فحسب، بل تمتد إلى ظروف الاحتجاز القاسية التي أفضت إلى استشهاد ما لا يقل عن 94 أسيرا فلسطينيا خلال العامين الماضيين، وفق ما وثقته جهات حقوقية.
ومما يزيد الأمر سوءا أن هذه الوفيات لم تقابل بإجراء تحقيقات جدية وشفافة تضمن المساءلة، بل ظهرت في العديد من الحالات مؤشرات مقلقة على جثامين بعض الأسرى، بما في ذلك آثار قيود وعلامات تعذيب، ما يثير شبهات جدية حول تعرضهم لمعاملة قاسية أو لا إنسانية.
إعلان
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن إقرار عقوبة الإعدام أكثر خطورة، إذ يُخشى أن يطبق في إطار قانوني لا يعترف أصلا بكامل الضمانات الإجرائية، بل في بيئة قد تنتهك فيها أبسط معايير العدالة منذ لحظة الاحتجاز.
فما كان يتم بهدوء في زنازين التحقيق وفي غياهب السجون، من تعذيب وإهمال طبي متعمد وقتل بطيء، أصبح اليوم حكما قضائيا رسميا. بعبارة أبسط، لم يعد الإعدام في هذا القانون مجرد خيار نادر تلجأ إليه المحكمة في حالات استثنائية، بل أصبح أقرب إلى العقوبة الأساسية التي ينطلق منها القاضي عند النظر في بعض القضايا، ما يعني أن الاتجاه العام يميل تنفيذ حكم الإعدام، في حين أصبحت العقوبات الأخرى استثناء أو بديلا ثانويا.
وهذا التحول بحد ذاته خطير؛ لأنه ينقل الإعدام من كونه إجراء محدودا ومحاطا بقيود صارمة، إلى أداة عقابية يمكن اللجوء إليها بسهولة أكبر، خصوصا في بيئة قضائية يحيط بها كثير من الشك بشأن عدالة الإجراءات وضماناتها.
إن صيغة هذا القانون، تمكّن إسرائيل من تطبيق عقوبة الإعدام على أي مواطن فلسطيني يقتل مواطنا إسرائيليا، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها على إسرائيلي يقتل فلسطينيا.
وفي ظل هذه المرونة التفسيرية، يخشى أن يُمنح القضاء، ولا سيما العسكري، هامشا واسعا لإعادة توصيف الأفعال والنوايا، بما قد يفضي إلى توسيع نطاق تطبيق العقوبة ليشمل حالات لا تندرج بالضرورة ضمن أشد الجرائم خطورة بالمعنى الضيق الذي يتطلبه القانون الدولي.
وهذا ما يثير مخاوف جدية من أن يتحول النص إلى أداة لتجريم أنماط مختلفة من الفعل السياسي أو المقاوم، في بيئة قانونية أصلا تفتقر إلى الضمانات الكافية للمحاكمة العادلة.
كما أن أكثر ما يبعث على القلق من القانون، أنه لا يكتفي بإقرار الإعدام، بل ينص على تنفيذه شنقا خلال 90 يوما، ويحرم المحكومين من إمكان العفو، ويقلص الضمانات الإجرائية التي كانت تجعل إصدار هذه العقوبة أمرا بالغ الصعوبة في السابق.
يمثل القانون الإسرائيلي حالة استثنائية في السياق القانوني المعاصر، إذ يثير إشكالية غير مسبوقة تتعلق بتطبيق عقوبة الإعدام في سياق نزاع واحتلال، وبصورة ذات طابع انتقائي وانتقامي، ما قد يؤدي عمليا إلى استهداف الفلسطينيين، دون غيرهم، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع مبدأ عدم التمييز والمعايير الدولية للعدالة الجنائية.
ردود الفعل الدولية
أثار إقرار الكنيست القانون في 30 مارس/آذار 2026 موجة واسعة من الاعتراض الخارجي، لكن أهميتها لا تكمن في كثرتها فقط، بل في تركيزها على طابعه التمييزي وسياقه المرتبط بالاحتلال والمحاكم العسكرية. وقد أُقر بنتيجة 62 صوتا مقابل 48، بدعم من بنيامين نتنياهو، ما جعله يبدو خيارا سياسيا مقصودا لا مجرد اجتهاد تشريعي عابر.
كان رد الفعل الجلي على المستوى الأممي، هو موقف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الذي دعا إسرائيل إلى إلغاء القانون سريعا، واعتبره شديد التمييز، وحذر من أن تطبيقه على سكان الأرض الفلسطينية المحتلة قد يرقى إلى جريمة حرب.
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه يربط بين القانون الجديد وبين قواعد القانون الدولي الإنساني، فهو لا ينظر إليه كشأن جنائي داخلي، بل كإجراء تمارسه قوة قائمة بالاحتلال ضد سكان واقعين تحت سيطرتها. وهذا الربط يفتح الباب أمام مساءلة أوسع تتجاوز الإطار التقليدي للحق في الحياة.
إعلان
أما على المستوى الأوروبي، فقد جاء الموقف لافتا من زاويتين:
- الأولى أن الاتحاد الأوروبي لم يكتفِ بالتذكير بموقفه المبدئي الرافض عقوبة الإعدام في جميع الحالات، بل وصف إقرار القانون بأنه تراجع خطير عن التزامات إسرائيل السابقة، وأبدى قلقا بالغا من الطابع التمييزي الفعلي للتشريع.
- والثانية أن العديد من الدول الأوروبية الكبرى كان قد عبرت عن قلقها العميق من هذا المسار، محذرة من أثره على التزامات إسرائيل الديمقراطية.
وبذلك، فإن الاعتراض الأوروبي لا يقتصر على الجانب الأخلاقي، بل يمتد إلى التشكيك في انسجام هذا القانون مع هوية النظام القانوني الإسرائيلي ذاته.
بيد أنه سعت الحكومة الإسرائيلية إلى احتواء الانتقادات الدولية، حيث أكد وزير الخارجية جدعون ساعر أن القانون يترك سلطة تقديرية للقضاة، ويضمن حق الاستئناف، مع بقاء صلاحية العفو بيد رئيس الدولة، في محاولة لتقديمه كتشريع منضبط لا يتعارض مع المعايير الإجرائية. لكن هذا الخطاب الدفاعي لم يبدد المخاوف، بل عكس إدراكا رسميا لحجم القلق الدولي من الطابع التمييزي والآثار الخطيرة المحتملة للقانون.
وفي هذا السياق، برز الموقف الإسباني بوصفه الأكثر صراحة، حيث اعتبر رئيس الوزراء أن القانون يشكل خطوة إضافية نحو الفصل العنصري، مشددا على أنه إجراء غير متوازن؛ لأنه لا يطبق على الإسرائيليين الذين يرتكبون أفعالا مماثلة. وتتبدى أهمية هذا التصريح في أنه يعيد توصيف القانون ضمن بنية أوسع من التمييز، لا كحالة معزولة.
أما على المستوى العربي والإسلامي، فقد صدرت إدانات واسعة، حيث حذرت بيانات رسمية من أن القانون يسمح بفرض عقوبة الإعدام في الأراضي المحتلة ويطبق عمليا على الفلسطينيين، وهو ما يعيد التأكيد على الطابع غير المتكافئ للتشريع، ويضعه في سياق الاحتلال لا في إطار السيادة الداخلية.
وفي المقابل، كشفت ردود الفعل عن مفارقة سياسية واضحة، تتمثل في وجود شبه إجماع حقوقي على الإدانة، مقابل غياب إرادة سياسية موحدة لترجمة هذا الرفض إلى إجراءات عملية.
فالاتحاد الأوروبي عبر بوضوح عن رفضه وقلقه، لكنه لم ينتقل بعد إلى مستوى الضغط الفعلي، رغم امتلاكه أدوات سياسية واقتصادية مؤثرة. وهذا ما يفسر القلق الإسرائيلي من احتمال تحول المواقف الأوروبية إلى إجراءات أكثر صرامة في المستقبل.
وفيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة من التشريع، فقد جاءت ردودها أقل حدة، ما يمنح إسرائيل هامشا سياسيا أوسع للمضي في هذا المسار. وهذه النقطة تكشف مجددا عن التباين بين الخطاب الحقوقي الدولي وبين حسابات السياسة الدولية، حيث لا يكفي توصيف القانون بأنه تمييزي أو مخالف، ما لم يترجم ذلك إلى كلفة سياسية حقيقية.
وفي المحصلة، فإن ردود الفعل الدولية، رغم اتساعها، تمثل بداية مسار وليست نهايته. الجديد فيها أنها منحت القانون توصيفا أخطر من مجرد تشدد عقابي، إذ بات ينظر إليه كقانون ذي طابع تمييزي فعلي، بل وكمؤشر على اتجاه نحو نظام قانوني غير متكافئ.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الإدانة إلى الفعل، ومن التعبير إلى الضغط، بحيث تتحول هذه المواقف إلى أدوات قادرة على إحداث أثر ملموس في مسار هذا القانون ومستقبله.
إن أخطر ما في الأمر أن القانون كشف عن الطبيعة العنصرية للنظام القضائي الإسرائيلي، الذي يعتبر حياة الفلسطيني أقل قيمة من حياة الإسرائيلي.
وإن كانت ردود الفعل الدولية قد عبرت عن إدانة واسعة لهذا القانون العنصري، فإن غياب آليات رادعة وفعالة لمساءلة إسرائيل قد يشجعها على المضي قدما في تنفيذ هذا القانون، وتحويله من تشريع نظري إلى سياسة فعلية.
ويبقى السؤال المطروح بقوة: هل سيبقى العالم متفرجا على هذه الجريمة، أم ستتحرك المؤسسات الدولية لوقف هذا الانزلاق الخطير؟
إعلان
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


