الجزيرة.نت - 4/9/2026 3:26:11 AM - GMT (+3 )
"مئات الأشخاص لقوا حتفهم، وفتيات صغيرات قتلن، وعدة أمريكيين ماتوا، وملايين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط يعيشون حالة رعب، إنها ليست لعبة فيديو، ليست ميما، بل حرب لعينة"
بواسطة جون فافرو - كاتب خطابات باراك أوباما
في مقطع فيديو مدته دقيقة واحدة، يحاكي لعبة القتال الشهيرة "كول أوف ديوتي" (Call of Duty)، عُرِضَت مشاهد متداخلة تجمع بين جهاز إطلاق القنابل في اللعبة وقصف حي لبعض المواقع والأهداف الإيرانية في عمليات حقيقية راح ضحيتها أكثر من ألف إيرانيٍ، كل هذا جاء مصحوبا بلقطات واقعية لعملية رصد الهدف على جهاز الحاسوب قبل استهدافه، وبعد كل إصابة يظهر عدادا للجثث والضحايا يشبه ذلك الذي في الألعاب يعد الغنائم، مع صوت عميق يعلن: "نحن نفوز في هذه المعركة".
ثم يبدأ مقطع آخر مصور في 42 ثانية بعنوان "العدالة على الطريقة الأمريكية"، مع مجموعة مشاهد مُقتَطعة من أفلام هوليود المعروفة، مثل فيلم "القلب الشجاع" (Brave Heart)، وفيلم "توب غان" (Top Gun) بطولة الممثل الأمريكي توم كروز، وما أن ينطلق كروز بطائرته الحربية في المشهد، حتى تتداخل معه صور طائرات حقيقية تقلع من قواعدها، بحيث نرى وجوه ممثلي هوليود وصرخاتهم الحماسية قبل الخروج لمواجهة "الأخطار" في القصص السينمائية، مع طائرات حقيقية تنطلق لقصف مواقع حية في طهران والمدن الإيرانية الكبرى.
- list 1 of 2تكرار مجزرة ميناب.. تحقيق للجزيرة يكشف استهداف أمريكا مطعما غرب إيران
- list 2 of 2"85 ثانية على نهاية العالم".. الكارثة النووية الوشيكة في الشرق الأوسط
لم يصنع هذه المقاطع شباب هواة في العالم الافتراضي، بل فعلتها الصفحتان الرسميتان للبيت الأبيض ووزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، كجزء من حملة العلاقات العامة الترويجية للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وانتقدها كاتب خطابات الرئيس الأسبق باراك أوباما جون فافرو قائلا إنهم يحاولون التقليل من شأن الحرب، بجعلها تبدو كإحدى جولات ألعاب الفيديو، مع استهتار كامل بحياة الضحايا، ناهيك عن تحويل ثقل الضربات العسكرية المميتة إلى "محتوى ترفيهي" لحشد الدعم الشعبي.
إعلان
تدرك الإدارة الأمريكية جيدا أثر استخدام الأدوات البصرية الشائعة مثل "الميمز الساخرة" والفيديوهات الدعائية والمنصات الرقمية كإحدى استراتيجيات "حرب المعلومات" الحديثة. وبحسب خبراء، فإنها عمدت إلى توظيفها في حملتها الدعائية الأخيرة بغرض صياغة "سردية الحرب" والوعي العام للجمهور بما يتوافق مع مصالحها السياسية.
بروباغندا على طريقة هوليوديقول الكاتب الصحفي والمراسل الإخباري روب أوكون في مقال نشر في 9 مارس/آذار، إنه في هذه الحرب المُتخيَّلة ليس هناك وجود لمدنيين يفرون من القنابل المتساقطة، ولا عائلات ثكلى، ولا جنود يعودون من ساحة المعركة يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة، إذ يغيب وجه الحرب المفزع والقاتم، وتحضر بدلا منه رموز الأساطير الهوليودية للأبطال الخارقين، التي دمجت مع صور قاذفات القنابل الأمريكية من طراز "بي-2 سبيريت" (B-2 Spirit)، في مقاطع قصيرة لا تزيد مدتها عن دقيقة واحدة، لتتناسب مع الوتيرة السريعة للعصر الرقمي، وتخاطب فئة الشباب الأصغر سنا بما يتناسب مع ذائقتهم للمحتوى سريع الاستهلاك.
بحسب تقرير وكالة رويترز الإخبارية المنشور في 7 مارس/آذار، تمثل حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الدعائية للحرب على إيران تغيرا جذريا في إستراتيجيات العلاقات العامة ودعاية الحروب. فالإدارة الأمريكية لم تهتم بشرح الأسباب الكامنة وراء إشعال حرب واسعة في الشرق الأوسط، رغم تعهُّد ترمب مرارا أثناء حملته الانتخابية عام 2024 بإخماد نار الحروب الدائرة، لدرجة أنه طمع في نيل جائزة نوبل للسلام عام 2025.
"اعترض المخرج والممثل الأمريكي بن ستيلر على استغلال لقطات من أحد أفلامه في دعاية الحرب، مطالبا البيت الأبيض بحذفها"
صممت الولايات المتحدة "بروباغندا" الحرب بشكل يستعرض القوة العسكرية الضاربة والقدرة على البطش من خلال مشاهد لطائرات شبحية تخترق السحب، وأهداف تنفجر بالتصوير البطيء، وكرات لهب تملأ الشاشات على أنغام الموسيقى الحماسية، وهو ما اعتبره الصحفي روب أوكون دليلا على الانحدار الأخلاقي، حيث قدم العنف باعتباره مرادفا للقوة، وجسدت الشجاعة وكأنها تقاس بمقدار شدة الانفجارات، في إطار يرسم صورة استعراضية للحرب لا تعكس فداحة مأساتها، في حين غُيبت عمدا قيم أصيلة مثل الرحمة والتعاطف مع ضحايا الحروب، وكأنهم يجسدون مظهرا من مظاهر الضعف غير المرغوب؟
كان البيت الأبيض قد تعرض لسيل من الانتقادات الشديدة في أعقاب نشر هذه المقاطع الدعائية، بعد أن اعترض المخرج والممثل الأمريكي بن ستيلر على استغلال لقطات من فيلمه السينمائي "تروبيك ثاندر" (Tropic Thunder) في دعاية الحرب، مطالبا البيت الأبيض بحذفها، في منشور على منصة إكس، كتب فيه أن الحرب ليست فيلما سينمائيا، وأنه لا يرغب في أن يكون جزءا من آلة الحرب الدعائية. في حين وصف الكاتب والصحفي الاستقصائي نيك براينت بروباغندا الحرب الأمريكية بـ"المراهقة"، متسائلا: "أليس هناك في البيت الأبيض شخص ناضج؟"
عندما انخرطت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، انتشر أحد ملصقات التجنيد الأمريكية بعد طبعه 4 ملايين مرة بين عامي 1917 و1918، وهو الملصق المعروف باسم "العم سام"، الذي ابتكره الرسام الأمريكي جيمس مونتغمري فلاغ بتكليف من وكالة المعلومات الأمريكية المختصة بالدعاية. وكان المنشور عبارة عن صورة مرسومة لرجل بلحية وشعر أبيض يرتدي زيا يحاكي في تصميمه العلم الأمريكي، ويشير بإصبعه إلى المتفرج، وكتبت عليه عبارة: "أريدك في الجيش الأمريكي".
إعلان
بعد أكثر من قرن كامل، تحولت هذه الملصقات الدعائية إلى "ميمز"، وتقول عن ذلك المحاضرة في جامعة نوتينغهام البريطانية وخبيرة الحرب الرقمية الدكتورة تاين مونك، إن الميمز ملائمة أكثر للعصر الرقمي من الأساليب التقليدية في الدعاية الحربية، فهي إحدى أدوات "حرب المعلومات" رخيصة الثمن وواسعة الانتشار، والتي تعمل على تسخير الصور الفكاهية ومقاطع الفيديو الدعائية والنصوص القصيرة بغرض التلاعب بالرأي العام وحشد المؤيدين والسخرية من المعارضين.
"تستخدم كلمة (ميم) لوصف أي فكرة أو سلوك أو عنصر لديه القدرة على الانتشار والتأثير الثقافي"
كان أول من استخدم كلمة "ميم" هو عالم الأحياء التطورية ريتشارد دوكينز في كتابه "الجين الأناني" (The Selfish Gene) الصادر عام 1976، وهي كلمة مشتقة من اللغة اليونانية القديمة بمعنى "الشيء المُقلَّد"، وتستخدم لوصف أي فكرة أو سلوك أو عنصر لديه القدرة على الانتشار والتأثير الثقافي. وقد استعار هذا المصطلح الأستاذ الفخري بجامعة كونستانس الألمانية المتخصص في العلوم الطبيعية خوان ديليوس، وذلك في ورقة بحثية نشرت عام 1989، وفيها استخدم مصطلح "الميمز" باعتبارها وحدات ثقافية قابلة للانتقال من شخص إلى آخر، كما تمرر الجينات عبر الأجيال المختلفة في علم الأحياء.
ورغم أن مصطلح "الميمز" الثقافية الذي قصده ديليوس يختلف ظاهريا عن فكرة "الميم" التي تستخدم حاليا كأداة في حرب المعلومات الحديثة، غير أنهما يتشابهان في الجوهر. فـ"الميم" الدعائي ما هو إلا فكرة ثقافية انبثقت وجرى تمريرها من شخص إلى آخر في محيطه، وسهلت تقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة نطاق وصولها، فيما يشبه إلى حد كبير الانتشار الفيروسي للأمراض المعدية، حتى أن بعض الدراسات والأبحاث قد وصفت "ميمز الحرب" بأنها أحد "فيروسات العقول" القادرة على التأثير في مجتمعات بأكملها.
في دراسته تناول خوان ديليوس كيف يمكن لتلك "الميمز" الثقافية أن تؤثر في الأنماط السلوكية لأفراد المجتمع، فتلك الوحدات الثقافية التي تمرر عبر وسائل المعرفة المكتسبة مثل التواصل الاجتماعي، تجعل الأفراد أكثر ميلا لتبني نمط سلوكي محدد وتفضيله على الأنماط الأخرى، لا سيما إذا كانت جاذبة للانتباه وسهلة التذكر والتقليد. ولطالما اعتمد البشر منذ العصور الأولى على التقليد والمحاكاة كوسيلة للتعلم، ويستشهد ديليوس على ذلك بقوله إن رؤية شخص يشعل نارا في مخيم، تعد مفيدة إذا اضطر المرء لإشعال النار بنفسه في المرة المقبلة، حيث يحتفظ العقل بملاحظاته في الذاكرة، ويستدعيها لاحقا في صورة سلوك متبع، وبهذه الطريقة تنتقل الأفكار والأنماط السلوكية بين أفراد المجتمع، وحتى من جيل إلى جيل.
"تجعل (الميمز) الأفراد أكثر ميلا لتبني نمط سلوكي محدد وتفضيله على الأنماط الأخرى، لا سيما إذا كانت جاذبة للانتباه وسهلة التذكر والتقليد"
في الحقيقة، لا تختلف العوامل التي تنتقل بها "الميمز" الثقافية كثيرا عن تلك التي حفزت انتشار ميمز الدعاية المضللة والفكاهة الخبيثة في الحروب. وبحسب موقع سايكولوجي توداي المتخصص في الصحة النفسية، يكمن سر قوة "الميم" في المشاعر التي يثيرها، أي بالأثر والانطباع الذي يتركه في نفوس جمهور المتابعين، وما قد ينتج عنه من ردود فعل عاطفية، وبإمكانك أن تَعُد "الميمز" وسيلة تواصل "حية" في حد ذاتها، تنقل المشاعر والعواطف بين أفراد المجتمع الواحد عبر لغة مشتركة يفهمها الجميع، تستغل الفكاهة الدارجة أو المشاعر السلبية مثل الغضب والإحباط للوصول إلى وعي الجمهور المستهدف، والتأثير فيه بطريقة عميقة.
ومن خلال إدخال عناصر ثقافية معينة ذات صلة بقضية وطنية أو معركة عسكرية، يمكن تمرير رسائل سياسية وحتى أيديولوجيات متطرفة وأجندات اجتماعية مُقنَّعة بالفكاهة، واستغلال ذلك في تشكيل الرأي العام والوعي الجماعي للجمهور، وهو ما يجعلها إحدى أخطر وسائل الحرب النفسية وأكثرها ضراوة.
إعلان
هنا يتحول "الميم" إلى سلاح في معركة فكرية، تدور رحاها في الفضاء الرقمي، وتعمل على تسخير رموز الثقافة الشعبية للتأثير على المستوى الإدراكي للأفراد وملامسة مشاعرهم، وهو بالضبط ما لجأت إليه إدارة ترامب في حملتها الدعائية الأخيرة ضد إيران، لا لتسويق الحرب، بل لتبييض وجه أمريكا وكسب الدعم الشعبي من جمهور الإنترنت، برؤية بلدهم في صورة بطولية تسعى لتحقيق العدالة على طريقتها، وذلك في الوقت الذي استهدف فيه صاروخ أمريكي مدرسة طالبات في مدينة ميناب الإيرانية، موقعا 165 ضحية معظمهم من الأطفال (الفتيات) في عداد القتلى.
سردية الحرب.. من المأساة إلى برنامج ترفيه"عصر الهواتف الذكية يحول الحرب على إيران إلى ما يشبه برنامج مسابقات تلفزيوني"
بواسطة (صحيفة الإندبندنت البريطانية)
في تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية في وقت سابق من مارس/ أذار الماضي، جرى رصد تأثير الهواتف الذكية على طبيعة الحروب المعاصرة والتي حولتها إلى ما يشبه البرامج الترفيهية، وتناولت الصحيفة تحليل عدة ظواهر اجتماعية صاحبت الحرب الأمريكية الحالية على إيران وساهمت في جعل الرأي العام أقل حساسية للحرب.
أبرز هذه الظواهر، كان الطريقة التي استغلت بها مواقع المضاربة الرقمية الأحداث السياسية والعسكرية بغرض تحقيق أرباح طائلة، وعلى رأسها منصة "بوليماركت" (Polymarket) الشهيرة، التي تتيح للمستخدمين المراهنة بالعملات الرقمية، إذ شهدت المنصة في الآونة الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في المضاربات المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط ونتائج الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وذلك عبر مراهنات بلغت قيمتها ملايين الدولاراتِ، عمدت إلى تسليع المعاناة الإنسانية، في تحول لافت تغيرت معه سمات الحرب وطبيعتها، وأصبحت أشبه ببرامج المسابقات التلفزيونية.
أما الظاهرة الثانية، فقد تجلت في الفيديوهات الدعائية القصيرة، و"الميمز" الفكاهية الساخرة، التي ساهمت في إقصاء المعاناة الإنسانية عن مشهد الحرب، وباختفاء البعد الإنساني المحوري من المعادلة، تجردت الحرب من جوهرها الأخلاقي الأساسي، لتصبح مجرد مادة رقمية قابلة للاستهلاك البصري.
في حين تمثلت الظاهرة الثالثة في الانتشار الكاسح للمعلومات المضللة، والذي أسهم في فصل أفراد المجتمع عن أرض الواقع عبر سيل من الأخبار الزائفة والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، ما زاد من ضبابية المشهد الإعلامي الرقمي، وجعل التمييز بين الحقائق والدعاية الحربية والتضليل أمرا صعب المنال.
"مع كل هذه الجهود المبذولة لإخفاء الحقائق في عالمنا المعاصر، تآكل الخط الفاصل بين المعلومات الحقيقية والمضللة"
ولفهم فداحة الدور الذي تلعبه المعلومات المضللة في صياغة "سرديات" الحروب، وتشكيل الرؤية السياسية للنزاعات المعاصرة، أصدر معهد جنيف للدراسات العليا ورقة بحثية أعدها مسؤول تقييم الأبحاث بالمعهد الدكتور مارك غالفين، والمدير التنفيذي للبحوث دومينيك إيغل، وأستاذ الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع غريغوار مالارد.
وخلصت الدراسة إلى أن الفاعلين السياسيين قد تخلوا عن وسائل الدعاية الإعلامية التقليدية التي سادت لقرون، وباتوا يستخدمون استراتيجيات بديلة تعتمد على المنصات الرقمية والتقنيات المعززة بالذكاء الاصطناعي، مما أسفر عن خلق "آلة معلومات ضخمة" تنتج سيلا لا ينتهي من الأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة يوميا. وقد أصبح المستخدمون العاديون جزءا لا يتجزأ منها، حيث يشاركون في نشر السرديات المضللة دون أن يدركوا ذلك، وهو ما عمد الفاعلون السياسيون لاستغلاله بغرض تشكيل الرأي العام العالمي حول القضايا الهامة والمصيرية، ومع كل هذه الجهود المبذولة لإخفاء الحقائق في عالمنا المعاصر، تآكل الخط الفاصل بين المعلومات الحقيقية والمضللة.
هذا الأمر كان قد تناوله جيمس برايدل في كتابه "عصر مظلم جديد" (New Dark Age)، واصفا ظلام عالمنا الرقمي بأنه ليس انسدادا معرفيا أو نقصا أو غيابا في المعلومات، بقدر ما هو ظلام ناجم عن وفرة المعلومات، حتى أصبحنا عاجزين عن رؤية ما هو ماثل أمام عيوننا.
تولد وفرة المعلومات المتزايدة والمتلاحقة حالة من عدم اليقين، تجعل من التشتت سمة عامة بين جمهور المتابعين لمنصات التواصل الاجتماعي، وفيها لا تسعى حملات التضليل إلى إقناع الجمهور بحقيقة معينة، بقدر ما تهدف إلى إغراقه في سيل من المعلومات المضللة والروايات المتناقضة، حتى يفقد على إثرها القدرة على التمييز بين الحقائق ودعاية الحرب.
"أصبحت الحرب الحديثة تدار على جبهتين، ساحة العمليات العسكرية على أرض الواقع، وساحة العمليات الافتراضية التي تهدف لكسب العقول"
في وقت كهذا، يصبح العالم الافتراضي للمعلومات ساحة صراع إستراتيجي، تتنافس فيها الدول على صياغة السرديات المناسبة التي تخدم مصالحها. ونتيجة لهذه الحرب المستعرة على صناعة "السردية"، تحل الميمز والمحتوى البصري الزائف والمبالغات السياسية محل الحقيقة. وبهذا أصبحت الحرب الحديثة تدار على جبهتين، ساحة العمليات العسكرية على أرض الواقع، وساحة العمليات الافتراضية التي تهدف لكسب العقول.
إعلان
في غرفة صغيرة داخل منشأة تابعة للبحرية الأمريكية بولاية تينيسي، يجلس أفراد يرتدون الزي العسكري، ويحدقون في شاشات الحواسيب أمامهم. إذا رأيتهم من بعيد لظننت أنهم يتابعون سير عملية عسكرية وينسقون المهام والأدوار فيما بينهم، لكن ما أن تقترب حتى تكتشف أن هذه الفرق لا تشارك في قتال حقيقي على أرض الواقع، بل في مباراة افتراضية على منصات الألعاب الإلكترونية الأكثر شعبية بين الأطفال والمراهقين، وذلك في مهمة للبحث عن جيل جديد من المحاربين.
تشير صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن البحرية الأمريكية خصَّصت نسبة 3-5% من ميزانية التسويق السنوية الخاصة بها للرياضات الإلكترونية، بما يعادل 4.3 مليون دولار خلال عام واحد (2022-2023)، حيث يشارك جنود من الجيش والبحرية في مباريات مع لاعبين عبر الإنترنت، يتحدثون خلالها مع الشباب والمراهقين لساعات طويلة أثناء البث المباشر، ويجيبون عن تساؤلاتهم بخصوص الانضمام إلى الجيش، وهو ما يمكنهم -بحسب الصحيفة- من التلاعب بعقول المراهقين وإقناعهم بفكرة التجنيد ما أن يبلغوا السن القانوني.
"البحرية الأمريكية خصَّصت نسبة 3-5% من ميزانية التسويق السنوية الخاصة بها للرياضات الإلكترونية بهدف التجنيد"
جاء استخدام الألعاب الرقمية كأداة للتجنيد، نتيجة مباشرة لأسوأ أزمة واجهها الجيش الأمريكي بعد أن تسببت حرب فيتنام في جعل الانضمام إلى الجيش تطوعيا بالكامل. وفي عام 2018 لجأت المؤسسة العسكرية لاتباع أساليب غير تقليدية لاستقطاب الشباب والمراهقين وجذبهم لأداء الخدمة العسكرية.
ووفقا لتقرير نشرته مجلة ذا نيشن الأمريكية عام 2020، استخدم الجيش الأمريكي منصة ألعاب الفيديو الشهيرة "تويتش" (Twitch) في تجنيد الأطفال والمراهقين الذين لا تتجاوز أعمارهم 13 عاما، وقد استغلوا حداثة سنهم لزرع أفكار تتعلق بما يريدون تحقيقه في المستقبل، وذلك بهدف تجهيزهم لفكرة القتال من أجل بلادهم من سن صغيرة، ولهذا توصف هذه الطريقة في التجنيد من بعض النشطاء بأنها "غير أخلاقية".
وما إن يبلغ اللاعبون سن السابعة عشر، حتى تبدأ إعلانات الانضمام إلى الجيش تلاحقهم على منصات الألعاب، وتعرض عليهم مشاهد تقارن بين مهارات الألعاب الإلكترونية ومعارك الحرب الواقعية التي يخوضها الجنود، بغرض إقناعهم باستغلال "مهاراتهم" المكتسبة في الألعاب الإلكترونية داخل منظومات عسكرية تشبه تلك التي اعتادوا عليها في بيئة الألعاب، مثل سلاح المُسيَّرات وأسلحة القتل عن بعد.
وفي هذا النطاق تبذل المؤسسة العسكرية الأمريكية قصارى جهدها لمد مطوري الألعاب بالموارد التي يحتاجون إليها لتطوير الألعاب، مقابل تضمين سرديات مؤيدة للجيش الأمريكي. ونتيجة لذلك، لم تعد ألعاب الفيديو التي يقضي الأطفال والمراهقون أغلب وقتهم معها مجرد منصات للعب وتمضية الوقت، بل أصبحت ساحات لتشكيل وعيهم بالعالم وأداة لاستقطابهم للقتال.
هكذا صارت العلاقة بين القيادة العسكرية الأمريكية وصناعة الألعاب الرقمية شبه تكاملية، ففي الوقت الذي كانت فيه ألعاب القتال الشهيرة مثل "كول أوف ديوتي" تسعى لمحاكاة عالم العمليات العسكرية الواقعي، وتقديمه في صورة افتراضية عبر أجهزة "بلاي ستيشن"، كانت المؤسسة العسكرية هي الأخرى تتابع عن كثب العالم الافتراضي للألعاب وتحلل تكتيكات القتال، في محاولة لدمج تكنولوجيا الألعاب في أسلحة الحروب الحديثة.
هذا ما أشار إليه تقرير مجلة ذي ويك الأمريكية عام 2015، والذي تناول سعي القيادة العسكرية الأمريكية الحثيث للاستفادة من التكنولوجيا التي طورتها صناعة الألعاب. ففي عام 2009، اشترت وزارة الحرب الأمريكية آلاف الأجهزة من "بلاي ستيشن 3″، بهدف استخدام معالجتها في بناء أنظمة حوسبة عملاقة متقدمة، بتكلفة أقل عشر مرات، في حين استخدمت أجهزة التحكم المستوحاة من الألعاب في تشغيل المُسيَّرات. بل وقاموا ببناء غرف تحكم شبيهة ببيئة الألعاب الإلكترونية، ما جعل قائدي المُسيَّرات يشعرون وكأنهم لاعبون محترفين في إحدى ألعاب المحاكاة، وليسوا مقاتلين تقليديين.
لم يعُد إذن المجال الافتراضي وألعاب الفيديو مساحة للتأثير في حروب المعلومات والدعاية وحشد الرأي العام والتضليل فحسب، بل يبدو أنه بات يُستخدم لاستقطاب وتجنيد الشباب للمشاركة في تلك الحروب مباشرة، ليس بجذبهم لسرديات الجيوش وحروبها، وإنما بتدريبهم فعليا عبر ألعاب الفيديو على أجواء الحروب، تمهيدا للإلقاء بهم في أتونها.
إقرأ المزيد


