الجزيرة.نت - 4/10/2026 12:48:18 AM - GMT (+3 )
بعد ليلة حبس فيها العالم أنفاسه، تمكنت إسلام آباد أخيرا من نزع فتيل الأزمة، حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط بأكملها حالة من التوتر الشديد، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عسكرية منسقة على إيران 28 فبراير/شباط 2026، مما أشعل صراعا كبيرا لا يزال مستمرا، واحتمالات تطوره مرجحة إن لم يتغلب صوت العقل.
استهدفت هذه العملية- التي أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم "الغضب الملحمي"- الأصول العسكرية الإيرانية، والمنشآت النووية والصاروخية، وتم اغتيال عدد من القادة؛ بهدف تغيير النظام، واستمر القصف المكثف حتى أوائل أبريل/نيسان 2026، وقد حققت الحملة نجاحا جزئيا حتى الآن.
بيد أن إيران نجحت في إبداء قدر من الصمود والثبات، حيث استهدفت أهدافا عسكرية أمريكية، ثم امتدت لتشمل هجمات على منشآت مدنية، ثم صناعات ومجمعات للبتروكيماويات والغاز في المنطقة.
وحيال هذه الاعتداءات حاولت دول الخليج أن تمارس إستراتيجية تزاوِج بين ضبط النفس والصبر، رافضة الانخراط في الصراع، أو تحويل دفته نحو حافة الهاوية.
غير أن آثار الصراع تجاوزت الجانب العسكري ليطال ليهبها الجانب الاقتصادي، بسبب الضربات الانتقامية الإيرانية، مع تراجع نسبي للردع الأمريكي.
هذه المعادلة المخيفة بين أطراف الصراع كانت تتسارع بلا توقف، إلى أن بلغت ذروتها في غلق مضيق هرمز الذي تسبب في قفزة حادة بأسعار النفط العالمية، مما أدى إلى انهيارات خطيرة في أسواق الأسهم الدولية، وضرْب النظام الاقتصادي العالمي، حيث خرج التضخم عن نطاق السيطرة، فضلا عن زيادة في أسعار المواد الغذائية؛ نتيجة تضاؤل نفاذ عبور الأسمدة العضوية عبر المضيق، مما قد يتسبب في فجوة عالمية في الغذاء.
وعلاوة على ذلك، أدت الضربات الإيرانية ضد أهداف في قطر، والبحرين، والإمارات، والكويت، وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية، إلى تعميق الهوة بين طهران والعالم العربي.
إعلان
والحقيقة ستحتاج هذه الهوة إلى جهود كبيرة أخرى من أجل رتقها، والوصول إلى تفاهمات إقليمية خليجية تضمن أمن الجميع، وتمنع اندلاع أي عمليات عسكرية تصعيدية في المستقبل، لا سيما إذا تفهمت الأطراف كافة أن الجغرافيا ستفرض منطقها على أي حسابات أخرى، وقد يكون لبعض الدول الإسلامية أدوار مستقبلية في تقريب وجهات النظر.
في ظل هذا المناخ التدميري الذي ساد المنطقة، برزت باكستان كقوة دبلوماسية فاعلة بقيادة رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير خارجيته، وقائد الجيش، حيث قادت جهودا حثيثة لتهدئة الأوضاع.
وقد استهلت باكستان تحركاتها بخلق أجواء إيجابية تسمح للوساطة أن تعمل، حيث بدأت أولا بين بعض الدول الإسلامية، قبل أن تمتد لتشمل الوساطة بين طهران والولايات المتحدة.
ولضمان نجاح هذه المساعي، عملت إسلام آباد على تشكيل تحالف إقليمي داعم بالتنسيق مع تركيا، ومصر، والسعودية، وبمساندة قوية من الصين، لتبني خطوات عقلانية تهدف إلى وقف التصعيد العسكري، من خلال لعب دور الوسيط الموثوق بين واشنطن وطهران.
استطاعت الدبلوماسية الباكستانية تحقيق اختراق ملموس أثمر عن الاتفاق على وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، مما أعطى بصيص أمل لوقف انجراف الوضع في الشرق الأوسط إلى أزمة حادة قد تدفع بالعالم إلى حافة حرب عالمية أخرى، مع احتمال خروجها عن السيطرة، مذكرة بهجوم بيرل هاربر الياباني، والقصف الإستراتيجي اللاحق لطوكيو، ثم إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي عام 1945.
غير أنه في ظهيرة يوم 7 أبريل/نيسان 2026، تلقت جهود باكستان الرامية إلى السلام ضربة قوية، بعد هجوم إيران على مجمع صناعة البتروكيماويات في السعودية.
في هذا الواقع الشائك، جاءت المكالمة الهاتفية اللاحقة بين القيادة السعودية ورئيس الوزراء الباكستاني، ثم مؤتمر قادة الفيالق الخاص، متبوعا ببيان صحفي من الحكومة الباكستانية يدين الهجوم الإيراني ويؤكد تضامنها مع المملكة العربية السعودية؛ ثم تهديدات الرئيس الأمريكي ترمب المتكررة بتدمير الحضارة بضربات عسكرية غير مسبوقة ليلة الثلاثاء (7 أبريل/ نيسان)، لتزيد الطين بلة.
ونتيجة لذلك، أعلنت طهران المنتشية- والتي ربما تستشعر النصر- رفضها مواصلة المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، مما أثار الشكوك حول نجاح مساعي السلام التي تقودها باكستان.
ومن أخطر عواقب ذلك الإخفاق أن تشنّ الولايات المتحدة هجمات واسعة النطاق على المواقع النووية والجسور والصناعات النفطية الإيرانية، ومن غير المرجح أن تقتصر تداعيات ذلك على إيران وحدها، بل قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها، كما هدد بذلك وزير الخارجية الإيراني.
وفي ظل هذه البيئة الموسومة بالعداء المتبادل، استمرت الجهود الدبلوماسية الباكستانية، للتوسط بين واشنطن وطهران، وبدأ أن ثمة ضوءا يلوح في نهاية النفق، من أجل التوصل إلى وقف تدريجي للأعمال العدائية الدائرة.
توجت المساعي الدبلوماسية الباكستانية الحثيثة بالتوصل إلى ما عُرف بـ "خطة سلام إسلام آباد"، وهي اتفاقية شاملة وافقت عليها الأطراف المتنازعة، وتتكون من عشر نقاط أو أكثر.
إعلان
وقد حققت هذه الخطة نتائج جوهرية، أبرزها النجاح في وقف العدائيات ودخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في وقت متأخر من مساء يوم 7 أبريل/نيسان 2026.
كما لعبت هذه الوساطة دورا حاسما في تجنيب المنطقة كارثة محققة عبر منع هجوم أمريكي واسع النطاق على المواقع النووية والمنشآت النفطية الإيرانية، وهو ما كان سيخلف دمارا بيئيا واضطرابا أمنيا لا يمكن تداركه.
هذا الدور المحوري للقيادة السياسية والعسكرية في صياغة هذا الاتفاق التاريخي، عزز مكانة باكستان الدولية كدولة نووية مسؤولة أثبتت قدرة فائقة على الموازنة في علاقاتها المعقدة مع جميع أطراف الصراع، وسط آمال عالمية بأن تؤدي هذه العقلانية إلى إنهاء حالة "الجنون العسكري" بشكل دائم.
في اجتماع إسلام آباد المرتقب ستتحول الخطة إلى قمة رفيعة المستوى، حيث وافق نائب رئيس الأمريكي جيه دي فانس، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، على الاجتماع في إسلام آباد يومي الجمعة والسبت (9 و10 أبريل/نيسان 2026) لبحث تفاصيل السلام الدائم.
وفي تقديري، ورغم البدء بمواقف متشددة (سقف مطالب مرتفع)، سيتفق الطرفان على القضايا الأساسية؛ ومع ذلك، سيتعين على الولايات المتحدة كبح جماح إسرائيل، حيث ستستمر الأخيرة في لعب دور المعرقل، وقد ظهر ذلك جليا في الهجوم الإسرائيلي المستمر في لبنان، وغزة والذي يمكن في حال استمراره أن يتحول إلى عقبة ونقاط اشتعال محتملة مع إيران، مما قد يؤدي إلى تقويض خطة السلام المتفق عليها.
وفي هذا السياق يتعين على الأمم المتحدة، ومنظمة التعاون الإسلامي والجهات الفاعلة العالمية الكبرى، ولا سيما الصين، أن تضطلع بدور محوري، سواء بشكل فردي أو من خلال البريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، لوقف الحرب الدائرة في المنطقة والتي تنطوي على احتمالية التحول إلى حرب عالمية أخرى.
تجدر الإشارة إلى أن الصين قد أظهرت ضبطا إستراتيجيا للنفس؛ ومع ذلك، فقد ضمنت من خلال باكستان ودول المنطقة، بقاء مصالحها الإستراتيجية بعيدة عن الضرر، بل وعملت على تعزيزها، حيث ظل مضيق هرمز مفتوحا أمامها، مع تحول اليوان الصيني إلى عملة تجارية مقبولة في المنطقة.
لكن ستظل الصين ملتزمة بالسلام في المنطقة من خلال أسلوب "القيادة من الخلف". ولاحقا، قد ترغب الصين في أن تكون في "مقعد القيادة" كضامن للسلام؛ وهو المركز الذي تشغله في الوقت الحالي باكستان إلى جانب الصين، وتركيا، ومصر، والمملكة العربية السعودية.
توقفت الحرب إثر الهدنة المؤقتة، إلا أنه ستتخللها خروقات تحاول إرباك المفاوضات الجارية، لكنه لن يفسد على المستفيدين من بقاء الحرب مشتعلة سوى سعي القادة لإبرام اتفاق شامل، يحفظ للمنطقة استقرارها الأمني والاقتصادي ويرفع عن العالم ظلال ركود قد لا تتحمله بلدان فقيرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


