عصر الخوارزميات القاتلة.. لماذا تضعنا المسيرات في مأزق أخلاقي؟
الجزيرة.نت -

يقول باحث الفلسفة الفرنسي غريغوار شامايو في كتابه "نظرية للمسيرات" إن النقاش العام حول المسيرات وتأثيرها يتركز غالبا على الشق التقني متغاضيا عن الأسئلة الأخلاقية المتعلقة باستخدامها. يكشف الواقع يوما بعد يوم أن شامايو محق فيما قال، فبينما ينشغل الكثير من الباحثين بمناقشة فعالية المسيرات كسلاح في الحروب، وكأداة للحكومات لضبط الأمن، ينصرف القليل من التركيز إلى الأسئلة القانونية والأخلاقية المتعلقة باستخدام المسيرات.

ينبع هذا التركيز غير المتناسب من اعتقاد خاطئ بأن الأسئلة القانونية والأخلاقية حكر على باحثي الفلسفة والقانون، وأن مختصي العلوم السياسية والعسكرية غير معنيين بالأمر. لذلك فإن من الضروري طرح نقاش حول المسيرات يركز على المساحات ذات الطابع الأخلاقي والسياسي التي لا تحظى بقدر كاف من النقاش.

"يرى الأكاديمي الإيطالي أنطونيو كالكارا الحديث عن المسيرات كأداة حاسمة في الحروب مبالغ فيه، لأن المسيرات قد تساهم في تعديل ميزان القوى، ولكنها لا تقوم بذلك بمفردها"

تبلور خلال الأعوام الأخيرة توجهان رئيسيان لدراسة فعالية المسيرات في الصراعات المسلحة. يرى الاتجاه الأول الذي يمثله باحثون مثل الأكاديمي الإيطالي أنطونيو كالكارا، أن الحديث عن المسيرات كأداة حاسمة في الحروب مبالغ فيه، لأسباب مختلفة أولها أن المسيرات قد تساهم في تعديل ميزان القوى في الحروب، ولكنها لا تستطيع أن تقوم بذلك بمفردها، فالصراعات التي شهدت تحولات جوهرية بعد استخدام المسيرات المقاتلة، شهدت أيضا بالتوازي حصول الطرف المدعوم بالمسيرات على أشكال أخرى للدعم هدفت لتعديل ميزان القوى لصالح هذا الطرف.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

يدعم هذا الطرح عدد من الأمثلة، من بينها تطورات الحرب الليبية (2019–2020)، ومعارك إدلب في سوريا عام 2020. ففي الحالة الليبية، جاء تقدم قوات حكومة الوفاق الوطني بدعم عسكري تركي شمل مستشارين عسكريين، وأنظمة دفاع جوي، وتنسيقا عملياتيا، إلى جانب استخدام المسيرات. أما في إدلب، فقد أطلقت تركيا عملية "درع الربيع" التي تضمنت استخداما مكثفا للمسيرات بالتوازي مع المدفعية والقوات البرية.

إعلان

ومع التسليم بالدور المهم للمسيرات في إضعاف قدرات الخصم في كلتا الحالتين، فإنه يصعب اعتبارها العامل الحاسم بمفردها، نظرا لتزامن استخدامها مع أشكال أخرى من الدعم العسكري التي أسهمت مجتمعة في تعديل ميزان القوى.

أما السبب الثاني، فيتعلق بحقيقة أن الترويج الشائع للمسيرات بوصفها أسلحة منخفضة التكلفة مطلقا يعد تبسيطا غير دقيق؛ فعلى الرغم من انخفاض سعرها كوحدة قتالية، فإن فعاليتها تعتمد على تشغيلها ضمن منظومة عسكرية متكاملة تشمل مراكز القيادة والتحكم، وشبكات الاتصال، وقدرات الاستخبارات والحرب الإلكترونية، وهي عناصر مرتفعة التكلفة. وبالتالي، لا تعود فعالية المسيرات إلى انخفاض تكلفتها في حد ذاته، بل إلى تكاملها الفعال مع هذه المنظومة.

"على الرغم من انخفاض سعر المسيرات كوحدات قتالية، فإن فعاليتها تعتمد على تشغيلها ضمن منظومة عسكرية متكاملة تشمل مراكز القيادة والتحكم، وشبكات الاتصال وقدرات الاستخبارات"

يعضد هذا الاتجاه تقرير أصدره مركز الأمن الأميركي الجديد عام 2022 حول دور المسيرات في الحرب الروسية الأوكرانية؛ إذ وُصفت فيه المسيرات بأنها "تطور لا ثورة"، وركّز التقرير على جملة من التحولات "التكتيكية" في استخدامها، مثل تحسين جمع المعلومات الاستخباراتية حول تموضع القوات خلف الخطوط الأمامية، وإتاحة نقل المعركة إلى عمق أراضي الخصم عبر استهداف أصوله الإستراتيجية.

هل المسيرات فعّالة حقا؟

على الجانب الآخر، يرى اتجاه يتزعمه باحثون مثل عالم السياسة الأمريكي مايكل بويل أن المسيرات لها أثر إستراتيجي حاسم، منتقدين استبعاد الاتجاه الأول للعنصر البشري من المعادلة. حيث يرى هذا الاتجاه أن التأثير الأهم للمسيرات ليس في قدرتها على النفاذ الميداني أو التدمير، ولكن في تأثيرها على وعي القادة السياسيين والعسكريين أثناء الصراعات ومن ثم قراراتهم الإستراتيجية.

"يرى مايكل بويل أن التأثير الأهم للمسيرات ليس في قدرتها على النفاذ الميداني أو التدمير، ولكن في تأثيرها على وعي القادة السياسيين والعسكريين أثناء الصراعات ومن ثم قراراتهم الإستراتيجية"

يدلل باحثا السياسة والعسكرية الأمريكيين جيمس ويسلي هوتو وجيمس باتون روجرز على ذلك بمثال حرب التيغراي في إثيوبيا. فبعد أن نفذت قوات التيغراي هجوما مضادا ضد القوات الحكومية الفيدرالية في يونيو/حزيران 2021، وتبع ذلك تقدم لقوات الإقليم خارجه باتجاه العاصمة، توقف الهجوم فجأة، وأرسل زعيم التيغراي بخطاب إلى سكرتير عام الأمم المتحدة في 20 ديسمبر/كانون الأول 2021، يعلن فيه وقف إطلاق نار ويطلب الانخراط الفوري في المفاوضات معلنا سحب قواته إلى حدود الإقليم، ومعددا أسباب الانسحاب وعلى رأسها استخدام الحكومة المركزية للمسيرات ضد الأسلحة الثقيلة لقوات التيغراي، مما استلزم انسحابا تكتيكيا إلى حدود الإقليم الذي يتميز بطبيعة جبلية حصينة.

يذهب بويل أبعد من ذلك، إذ يرى أن المسيرات تسهم في خلق بيئة أمنية جديدة على الصعيد الإستراتيجي تسمح لدول على عداء شديد باختبار جاهزية ورد فعل بعضهم البعض، كما في حالة الصين واليابان. ففي عام 2017، اخترقت طائرة استطلاع مسيرة صينية المجال الجوي لليابان، وتسببت في توتر بين الطرفين، وقامت اليابان بالاحتجاج دبلوماسيا ضد الصين، واضطرت الأخيرة إلى محاولة احتواء الموقف بالإشارة إلى أنه حادث غير مقصود.

إعلان

يرد أصحاب الاتجاه الأول على ذلك بأن تأثير المسيرات على قرارات القادة مرهون بفاعليتها التي لا تتحقق في غياب شروط معينة، مثل الجغرافيا الحصينة، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة التي تستطيع التعامل مع تهديد المسيرات. وهذا ما حدث مثلا في الحالة الإثيوبية التي لم يمتلك متمردو التيغراي فيها دفاعا جويا، أي أن القدرة التقنية هي المتغير الأهم في المعادلة.

ولكن الأمر أعقد مما يبدو عليه. فعلى الرغم من تفعيل روسيا لأنظمة دفاع جوي متطورة ضد أوكرانيا، وكذلك فعلت الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، إلا أن اللجوء لتكتيكات مثل الإغراق باستخدام عدد كبير من المسيرات يستطيع التغلب على هذه الأنظمة. كما أن المسيرات تستطيع خداع الرادارات بسبب قدرتها على المناورة وسرعتها البطيئة، فتبدو مثل الطيور على أجهزة الرصد الأرضي. في النهاية فإن عبور مسيرة واحدة من أصل مئات المسيرات كفيل بإحداث الأثر المطلوب، وضرب أصل إستراتيجي داخل تل أبيب أو موسكو. لذلك، سيظل هذا النقاش قائما ومتجددا طالما زادت إمكانيات المسيرات، وتكرر اللجوء إليها، خاصة في المواجهات التي تشهد تفاوتا في ميزان القوى.

"هناك قضايا مركزية طرحها الاستخدام المتكرر للمسيرات في شتى مسارح الحروب"

لكن يظل السؤال هو هل هذا النقاش هو ما يجب التركيز عليه عند الحديث عن المسيرات؟ لا ينبغي أن يكون الرد بالإيجاب مطلقا، فهناك قضايا مركزية طرحها الاستخدام المتكرر للمسيرات في شتى مسارح الحروب، وعلى رأسها التكلفة البشرية، ثم العلاقة بين مثلث الحرب (الحكومة/ الشعب/المؤسسة العسكرية)، وأثر ذلك على العلاقة بين السلطة والشعب خاصة في الدول الديمقراطية، وأخيرا، أثر اقتران عمل المسيرات بالذكاء الاصطناعي.

دخان بعد غارة جوية روسية بطائرات مسيرة في كييف (رويترز)
من الاستهداف "الجراحي" إلى القتل الجماعي

شكلت حرب فيتنام (1955–1975) عاملا رئيسيا دفع الولايات المتحدة لتطوير أسلحة أوتوماتيكية تقلل تعرض الجنود للخطر. وعلى الرغم من تطور العديد من هذه الأسلحة بعد الحرب، فإن المسيرات في شكلها القتالي المتقدم لم تظهر في مسرح العمليات إلا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، خلال ما عُرف بالحرب الأمريكية على "الإرهاب".

كان توسع وزارة الحرب الأمريكية في استخدام المسيرات بأفغانستان ثم العراق إيذانا ببدء العصر الأول للمسيرات، حيث صنفها الدارسون بحسب استخدامها وتوظيفها لعصور مختلفة، فتميز العصر الأول بحصر استخدام المسيرات المتقدمة على الدول الغربية ضد "الجماعات الإرهابية" بغرض الاستفادة من قدرة المسيرات على الطيران لساعات طويلة ونصب كمائن مستدامة لأهدافها، حيث تتمكن المسيرات من مراقبة أهدافها لمدة تصل إلى أكثر من 30 ساعة (بخلاف الطائرات المقاتلة التقليدية) واستهدافها بمجرد ظهورها باستخدام ذخيرة دقيقة.

تبنت وزارة الحرب الأمريكية استخدام المسيرات ودافعت عنه علنا تحت إدارتي بوش الابن الجمهورية، وأوباما الديمقراطية، متذرعة بحماية الأبرياء من المدنيين، في ضوء أن المسيرات تقلل من الأضرار الجانبية، أي مقتل المدنيين الذين يختبئ بينهم "الإرهابيون"، بالإضافة لحماية الجنود الأمريكيين.

"تبنت وزارة الحرب الأمريكية استخدام المسيرات ودافعت عنه علنا تحت إدارتي بوش الابن الجمهورية، وأوباما الديمقراطية"

شككت دراسات لاحقة في هذه الفرضية مستندة إلى الأدلة الميدانية، خاصة البيانات القادمة من أفغانستان التي كشفت أن توسع إدارة أوباما في استخدام المسيرات قاد إلى سقوط المزيد من المدنيين، وأن الإدارة الأمريكية قامت بالتوسع في تعريف المقاتل ليشمل كل الذكور في عمر التجنيد، أي ما بين 16 و60 عاما، مما ألقى عبء إثبات الصفة المدنية على الذكور الأفغان في هذه الأعمار، وأطلق يد الجنود الأمريكيين في استهدافهم، أي أن التطبيق العملي لاستخدام المسيرات كشف أن هناك تحولا تدريجيا في استخدام المسيرات من مجرد أداة اغتيال جراحية إلى أداة تدمير وقتل واسع النطاق وضعيف التمييز.

إعلان

مثّل إنتاج مسيرات أرخص في التكلفة في العقد الثاني من القرن الحالي، من قبل عدد من الدول وعلى رأسها الصين وإسرائيل وإيران وتركيا، وبدء استخدامها من قبل الفاعلين من دون الدول، إيذانا بدخول المسيرات عصرها الثاني، الذي يختلف عن عصرها الأول على عدة مستويات، أولها أنها لم تعد محتكرة من قبل الدول الغربية المتقدمة، فدول غير غربية استطاعت إنتاجها، بل إن منظمات غير حكومية استطاعت تعديل مسيرات تجارية لاستخدامها لأغراض الاستطلاع ثم التدمير. وثانيها هو التكلفة التي انخفضت بشدة من مئات آلاف الدولارات إلى آلاف وأحيانا مئات الدولارات فقط.

"منذ بداية من العقد الثاني من القرن الحالي، لم تعد المسيرات حكرا على الدول الغربية حيث استطاعت قوى عديدة إنتاجها وتعديلها وتوظيفها عسكريا بما في ذلك بعض الجهات المسلحة غير الحكومية"

ثالث المستويات هو إعادة توظيف المسيرات في العمليات العسكرية لأغراض العمليات "الانتحارية" عبر المسيرات الانقضاضية، واستهداف المناطق الإستراتيجية مثل آبار النفط والمطارات المدنية، وأخيرا توظيفها كبديل للطيران المقاتل التقليدي في تقديم الدعم القريب للقوات البرية، مثلما حدث في إدلب في فبراير/شباط ومارس/آذار 2020 خلال ما عرف بـ"غارات بليون الجوية" التي نفذها جيش النظام السوري السابق بمساعدة روسيا.

أكّد العصر الثاني للمسيرات حقيقة أن التقنية التي تم اختراعها للتقليل من الخسائر بين المدنيين والحفاظ على أرواح العسكريين المستخدمين لها، تحولت لماكينة قتل. تكشف بيانات مشروع بيانات وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED) عن أن المسيرات كانت مسؤولة عن 29% من قتلى الحرب الأهلية الليبية الثالثة (2019-2020)، و13% من قتلى العمليات العسكرية للسيطرة على مدينة الحديدة اليمنية والمدن المؤدية إليها عام 2018. أي أن المسيرات أصبحت أداة قتل رئيسية في هذه الصراعات مقارنة بعهد استخدامها كأداة اغتيال لقيادة هنا أو شخص بعينه هناك.

إعادة تركيب ثلاثية الحرب

تعد الحرب أحد العمليات المركزية في أي دولة ومجتمع، بسبب تكاليفها المرتفعة على المستويين المادي والإنساني، ولذلك فإن قرار الانخراط في الحرب له خصوصية فريدة لاعتبارات مختلفة في النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية على السواء.

في النظم غير الديمقراطية، تتمتع الحكومة بقدر عال من الحرية في اتخاذ القرار، وتواجه درجة أقل من الرقابة والمحاسبة، ولكن يظل إقناع الشعب من قبل الحكومة بضرورة الحرب مسألة جوهرية. على سبيل المثال، رفع صدام حسين شعارات تاريخية حول العداء بين الفرس والعرب لإقناع الشعب العراقي بالحرب على إيران، و"تأمين البوابة الشرقية للأمة العربية".

وفي النظم الديمقراطية، حاولت الدساتير الغربية أن توازن بين إعطاء القدرة للسلطة التنفيذية للاستجابة لتحديات الأمن القومي، وفي ذات الوقت ضمان محاسبتها وعدم التوسع في استخدام القوة العسكرية دون مبرر. الدستور الأمريكي منح سلطة إعلان الحرب للكونغرس، بينما منح الرئيس سلطة استخدام القوة العسكرية للتعامل مع تهديدات الأمن القومي لمدة ستين يوما.

"يرصد أندرياس كريج وجان مارك ريكلي سعي الحكومات للتحرر من القيود الشعبية في خوض الحروب من خلال استخدام أدوات مختلفة منها المسيرات"

لكن الممارسة في الولايات المتحدة شهدت تفعيل آلية غير رسمية يحاول من خلالها الرئيس ضمان تأييد الكونغرس له في استخدام القوة العسكرية من خلال إطلاع "عصابة الثمانية" على أسباب لجوئه للقوة العسكرية. وعصابة الثمانية هو مصطلح يصف مجموعة من قيادات الكونجرس تضم رئيسي الغرفتين التشريعيتين، وقيادات اللجان التشريعية المعنية بالأمن القومي. كل ذلك يوضح اهتمام الحكومات في النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية بتأمين التأييد الشعبي للحروب.

في كتابهما "الحرب بالوكالة: تحول الحرب في القرن الحادي والعشرين"، يرصد أندرياس كريج وجان مارك ريكلي سعي الحكومات للتحرر من القيود الشعبية في خوض الحروب من خلال استخدام أدوات مختلفة، مثل خلق تنظيمات خارجية موالية تخوض الحروب نيابة عنها (حروب الوكالة)، ومثل المسيرات أيضا. تضمن الأخيرة حماية أرواح الجنود، وبالتالي تقل تكلفة الحروب من الجانب البشري وتنحصر في الجانب المادي، مما يقلل من قيود الشعوب على حركة الحكومات في اتخاذ قرار الحرب.

"التوسع في استخدام المسيرات هو في أحد أبعاده إخراج للشعوب من ثلاثية الحرب (الحكومة – الشعب – الجيش) لصالح التقنية"

بعبارة أخرى، فإن التوسع في استخدام المسيرات هو في أحد أبعاده إخراج للشعوب من ثلاثية الحرب (الحكومة – الشعب – الجيش) لصالح التقنية. ينطبق هذا الأمر على العمليات العسكرية المحدودة مثل تنفيذ اغتيال أو ضرب هدف إستراتيجي، أو تدخل خارجي سريع، ولكنها لا تستطيع الاستبعاد الكامل للشعوب من هذه الثلاثية في الحروب الممتدة. يفسر هذا توسع الحكومات مثل الإدارات الأمريكية المتعاقبة في استخدام المسيرات في عمليات مكافحة الإرهاب، والتعهد بتقليل التدخل البري في الصراعات المستقبلية.

إعلان

الأمر قد يصبح أكثر تعقيدا إذا ما تم التوسع في إشراك الأسلحة الآلية التي لا تحتاج للبشر في الحروب، الأمر الذي سيزيد من قدرة النخب حول العالم على خوض حروبها الخاصة سواء استطاعت تعريفها ضمن المصلحة الوطنية أو لم تستطع، مما ينذر أننا بصدد التوسع في نشوب الحروب وزيادة قابليتها للاستمرار بفعل التوسع في استخدام التقنية، وتقليل القيود على الحكومات.

التوسع في استخدام المسيرات هو إخراج للشعوب من ثلاثية الحرب لصالح التقنية (الجزيرة)
المسيرات ومسؤولية القتل

تم تصميم المنظومة القانونية للتعامل مع الحروب في القرنين التاسع عشر والعشرين على فرضية المسؤولية البشرية عن فعل القتل، وبالتالي بدأت تلك المنظومة تتعامل مع هذه المسألة بقدر كبير من الحزم لمحاسبة العنصر البشري حال تخطيه القوانين المتعلقة بالحروب، خاصة تلك المتعلقة بحماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

لكن تلك المنظومة تتغير الآن بسرعة. يشهد العالم اليوم عملية إدماج للذكاء الاصطناعي في المنظومات العسكرية على مستويين، الأول مستوى دعم واتخاذ القرار، والثاني هو الأسلحة القتالية ذاتها، وعلى رأسها المسيرات التي تلعب دورا هاما على المستويين، حيث تسهم في عمليات الاستطلاع وجمع الصور والبيانات، وكذلك تشارك في العمليات القتالية.

ولكن من المهم الإشارة إلى أن دور المسيرات لا يتوقف عند التقاط الصور وجمع المعلومات ومشاركتها مع أنظمة الذكاء الاصطناعي. وقد شهد اليوم الأول من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الراهنة على إيران مثالا عمليا على خطورة تفعيل نظم الذكاء الاصطناعي في اختيار وتحديد بنك الأهداف. حيث تم استهداف مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية للبنات في إيران باعتبار أن مبانيها كانت جزءا من قاعدة عسكرية مجاورة حتى عام 2013، ثم تحولت لاحقا لمدرسة ابتدائية.

"التساؤل الأخلاقي المركزي هو: من سيكون مسؤولا عن قرار القتل الذي يتخذه الذكاء الاصطناعي؟"

قتل الهجوم حوالي 165 مدنيا منهم أكثر من 100 طفلة إيرانية. يخلق ذلك الموقف معضلة حقيقية حول المسؤولية البشرية في هذه الجريمة. وإذا كان قرار استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته جريمة، فهل هو مساو لجريمة القتل؟ بعبارة أخرى، هل يصح محاسبة المسؤول عن تفعيل الذكاء الاصطناعي كمجرم حرب بسبب هذه الجريمة، أو حتى إدانته بالقتل الخطأ؟

مسيرة أمريكية من طراز "MQ-9" (غيتي إيمدجز)

التوسع في إنتاج المسيرات الحديثة يشهد إدماج الذكاء الاصطناعي في عمل المسيرة المقاتلة. الصورة النمطية عن عمل المسيرات هي وجود مقاتل في غرفة ما عن بعد، ربما في بلد أخرى، يتحكم فيها ويقودها ويتخذ قرارات الاستهداف. وقد أتاحت هذه الصيغة للقيادة على أعلى مستوى أن تكون حاضرة لعمليات الاغتيال المهمة، أو العمليات العسكرية الكبرى. لكن بعد دمج الذكاء الاصطناعي في المسيرات، سيتم نقل قرار إطلاق الذخيرة للخوارزميات التي ستحل محل قائد المسيرة في تجميع المعلومات، والقيام بمناورات لتفادي الدفاعات الجوية، وأخيرا، رصد الهدف واتخاذ قرار الإطلاق.

تكمن الأزمة في بقاء الخطأ كاحتمال قائم في كل الأحوال، ووجود احتمالات لخروج الخوارزميات عن السيطرة. هنا يصبح التساؤل المركزي من سيكون مسؤولا عن القتل إذا ما تحول إلى جريمة؟ وبالتالي تظل مسألة ترخيص الأفعال القتالية من جانب عنصر بشري مسألة جوهرية. ولكن هل هذه المخاوف مبالغ فيها؟

"المسيرات التي تم اختراعها لتقليل الخسائر البشرية أصبحت أداة قتل وتدمير أصيلة، تتوسع الحكومات في استخدامها بعيدا عن الرقابة الشعبية، ساعية لتحرير قرار القتل من أي عنصر إنساني"

الإجابة تأتي من كايتلين كالينوفسكي، رئيسة قسم الروبوتا في شركة أوبن إيه آي (Open AI) التي تشغل نموذج جي بي تي (GPT)، وقد تقدمت باستقالتها في 7 مارس/آذار 2026 بسبب ما أسمته خطوطا حمراء تم تخطيها أثناء عملية دمج نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة ضمن شبكات وزارة الحرب الأمريكية، وهي القيام بأفعال قتالية دون الحاجة لترخيص بشري، وكذلك مراقبة المواطنين الأمريكيين دون إذن قضائي.

تظل المسيرات تقنية فريدة تتميز عن الصواريخ بقدرتها على المناورة وإعادة الاستخدام وقدرات الاستطلاع، وتختلف عن الطيران التقليدي بالبقاء في الجو لساعات طويلة مما يجعلها بمثابة كمين مستدام. ولكن هذا التفرد في الخصائص لا يجعل المسيرات كتقنية استثناء مما سبقها من تقنيات في عالم الحروب، فهي مورد هام ورصيد حيوي لتحقيق الانتصارات في الحروب، وتأثيرها في الحروب مرهون بنجاح الإستراتيجية التي توظَّف في إطارها.

ومع أهمية هذا النقاش حول تأثير المسيرات على الصراعات المسلحة، فإن ذلك لا يجب أن يلهي عن التطور الذي يطرأ على التقنية بفعل طريقة توظيفها، فالمسيرات التي تم اختراعها لتقليل الخسائر البشرية أصبحت أداة قتل وتدمير أصيلة، تتوسع الحكومات في استخدامها بعيدا عن الرقابة الشعبية، وتسعى لتحرير قرار القتل من أي عنصر إنساني. الأمر الذي يعد انتكاسة كبرى لجهود البشرية للحد من ظاهرة الحرب لأنها تقلل من القيود المفروضة على الحكومات لخوض الحروب.



إقرأ المزيد