إنهاء حرب إسرائيل على السلام
الجزيرة.نت -

أدى وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين إلى تجميد جزئي للحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران؛ وهي حرب لم تحقق شيئا لم يكن بإمكان دبلوماسي بارع إنجازه في جلسة واحدة وقت الظهيرة. لقد كان مضيق هرمز مفتوحا قبل الحرب، وهو مفتوح الآن مجددا، ولكن تحت سيطرة إيرانية أكبر.

وفي الوقت نفسه، تستمر الفوضى. إسرائيل مصممة على تفجير وقف إطلاق النار، لأن هذه كانت حرب إسرائيل منذ البداية.

لقد زيّنت تل أبيب لترمب أن تنفيذ فكرة قطع الرأس في يوم واحد سيضمن له التحكم في نفط إيران. بيد أن إسرائيل، كانت تسعى وراء فريسة أكبر: إسقاط النظام الإيراني، وبالتالي تصبح لها الهيمنة الإقليمية في غرب آسيا.

أساس وقف إطلاق النار هو خطة إيران المكونة من عشر نقاط، والتي وصفها ترمب (ربما دون قصد) بأنها "أساس عملي للتفاوض".

الخطة في جوهرها منطقية، لكنها تمثل تراجعا كبيرا للولايات المتحدة، وربما هي خط أحمر لإسرائيل. من بين نقاط أخرى، تدعو الخطة إلى إنهاء الحروب التي تدور في الشرق الأوسط، والتي تعد إسرائيل تقريبا وراء مسببات إشعالها جميعا.

كما أن الخطة ستحل القضية النووية، أساسا من خلال العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة التي مزقها ترمب في 2018.

حرب إيران، والحروب الأخرى التي تجتاح الشرق الأوسط، تعود إلى فكرة إسرائيلية جوهرية واحدة، وهي أن إسرائيل ستعارض دولة فلسطينية ذات سيادة بشكل دائم وثابت، وستطيح بأي حكومة في الشرق الأوسط تدعم الكفاح المسلح من أجل السيادة الوطنية.

من الضروري ملاحظة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت عدة قرارات- مثل القرار 37/43 (1982)- تؤكد أن تقرير المصير السياسي أمر بالغ الأهمية، وأن الكفاح المسلح في سبيل تقرير المصير مشروع للغاية.

ولدت الأمم المتحدة جزئيا من عزيمة إنهاء قرون من الهيمنة الإمبريالية الأوروبية على أفريقيا وآسيا. بالطبع، لن يكون هناك سبب للكفاح المسلح إذا قبلت إسرائيل حلا سياسيا، لا سيما حل الدولتين الذي يحظى بدعم ساحق في جميع أنحاء العالم.

إعلان

يمكن تلخيص الهدف الأساسي لنتنياهو بأنه إسرائيل الكبرى. وهذا يعني عدم وجود سيادة فلسطينية، ولا حدود واضحة لإسرائيل حتى خارج حدود فلسطين التاريخية تحت الحكم البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى.

المتطرفون الصهاينة- مثل حلفاء نتنياهو السياسيين، بن غفير وسموتريتش- يفضلون سيطرة إسرائيل على أجزاء من لبنان، وسوريا، بالإضافة إلى الهيمنة الدائمة على كل ما كان فلسطين بريطانيا.

الصهاينة المسيحيون في أمريكا، الذين يمثلهم السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، وقاعدة انتخابية قوية لترمب، يتحدثون عن وعد الله لإسرائيل بالأراضي بين النيل والفرات. هي أشياء مجنونة، لكنها معتقدات حقيقية على أي حال، وتُنقل إلى داخل البيت الأبيض.

لذا فإن إستراتيجية إسرائيل هي تغيير النظام في كل دولة تقاوم "إسرائيل الكبرى"، وهي خطة تم التلميح إليها بالفعل في الوثيقة السياسية الشهيرة "تنظيف تام: إستراتيجية جديدة لتأمين المملكة"، التي صاغها المحافظون الصهاينة الجدد الأمريكيون كمنصة لحكومة نتنياهو الجديدة في عام 1996.

منذ ذلك الحين اندلعت نزاعات مستمرة في الشرق الأوسط لتنفيذ رؤية الاختراق النظيف. إضافة إلى حروب وصراعات جرى تدشينها في ليبيا، ولبنان، وسوريا، وقبلها في العراق، والآن حرب للإطاحة بالنظام الإيراني، وكلها لم تنفصل عن نفس الهدف: تفكيك الكيانات والدول التي يمكن أن تعترض قيام إسرائيل الكبرى.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تفتقد إلى أفكارها الخلاقة الخاصة بها، لكن إسرائيل تريد الهيمنة الإقليمية، وهذا ليس سرا، فقد أكد نتنياهو هذه الطموحات في تصريحاته الأخيرة، حول أن تصبح إسرائيل "قوة إقليمية، وفي بعض المجالات قوة عالمية". من ناحية أخرى، يحلم المسؤولون الأمريكيون بالهيمنة العالمية. وترمب يحلم بالمال. هو يتوق للنفط الإيراني وكرر ذلك.

على أي حال، من الواضح أن هذه الحرب كانت من صنع نتنياهو. جاء هو ورئيس الموساد إلى واشنطن ليبيع ترمب بضاعة كاسدة، وهذا ليس صعبا.

كان ترمب في حالة خدعة، بينما كان لدى الجميع شكوك حول ادعاءات نتنياهو بتنفيذ ضربة قطع رأس سهلة في يوم واحد- وهي في الأساس إعادة لنموذج عملية الولايات المتحدة في فنزويلا.

إنه لأمر مثير للشفقة "الاستماع" لمداولات البيت الأبيض، كما كشفت صحيفة نيويورك تايمز. لقد قدم نتنياهو- وهو رجل محتال- سيناريوهات وردية لتغيير النظام ناقضتها المخابرات الأمريكية، ومع ذلك قبلها ترمب باندفاع شديد، وسط تشجيع من الصهاينة المسيحيين (هيغسيث)، والصهاينة اليهود من السياسيين رجال الأعمال (كوشنر وويتكوف)، والمعالج الروحي (فرانكلين جراهام)، والمسؤولين المسايرين رفيعي المستوى (روبيو وراتكليف).

حتى مساء الثلاثاء الماضي، بدا أن ترمب قد يقود العالم بشكل أعمى نحو الحرب العالمية الثالثة. كانت فظاظة ووحشية خطابه العام لا مثيل لها في تاريخ الرئاسة الأمريكية.

الآن نعلم أنه كان يائسا يبحث عن مخرج، وكانت باكستان وسيطا لهذا المخرج. بينما كان ترمب يخبر العالم أن إيران تتوسل لوقف إطلاق النار، كان ترمب نفسه هو من يتوسل لوقف إطلاق النار. قام الزعيم الباكستاني بتقديم تلك المبادرة.

إعلان

وقف إطلاق النار جيد، وخطة العشر نقاط جيدة، حتى لو لم يكن ترمب يعرف ما بداخلها عندما قال إنها أساس جيد للتفاوض.

على أي حال، ستبذل إسرائيل جهدا إضافيا لتقويضها، وقد بدأت بالفعل في ذلك، من خلال القصف الشامل لبيروت الذي يقتل مئات المدنيين، بالإضافة إلى ضربات أخرى.

عقدُ اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران هو آخر ما يريده نتنياهو. وهذا سينهي حلمه بإسرائيل الكبرى. ومع ذلك، هناك طريق للسلام وهو أن تواجه الولايات المتحدة الواقع.

إسرائيل هي "دولة الإرهاب" الحقيقية، تخوض حربا مستمرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط لسبب لا يمكن الدفاع عنه: الحصول على يد مطلقة لإرهاب وحكم الشعب الفلسطيني وتوسيع حدودها، على النحو الذي يراه متعصبو إسرائيل مناسبا.

ولتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط، يجب على الولايات المتحدة إنهاء التفويض المفتوح لحروب إسرائيل الدائمة، والانضمام إلى بقية العالم لإجبارها على العيش ضمن حدودها المعترف بها دوليا في 4 يونيو/حزيران 1967.

يمكن أن تكون خطة إيران المكونة من 10 نقاط أساسا لسلام إقليمي شامل – إذا قبلت الولايات المتحدة واقع دولة فلسطين. في هذه الحالة، من المرجح أن توافق إيران على وقف دعمها لأذرعها في المنطقة، ويمكن لإسرائيل، وفلسطين، ولبنان والمنطقة بأكملها أن تعيش في أمن وسلام متبادل. يجب أن يكون هذا أساسا لاتفاق تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام القادمة.

لقد أوضح الشعب الأمريكي موقفه. وجد استطلاع "بيو" لعام 2025 أن معظم اليهود الأمريكيين يفتقرون إلى الثقة في نتنياهو، ويدعمون حل الدولتين.

معظم الأمريكيين الآن ينظرون إلى إسرائيل بشكل سلبي، وهو الأقصى والأقسى تاريخيا. التعاطف مع إسرائيل وصل إلى أدنى مستوى له منذ خمسة وعشرين عاما. الآن يجب على الطبقة السياسية أن تلحق بالجمهور.

السلام في متناول اليد، إذا استثمرت الولايات المتحدة ذلك. اقتراح إيران جاد ووقف إطلاق النار هو فرصة هشة لتسوية شاملة.

السؤال المطروح هو: ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح مرة أخرى لإسرائيل بتدمير السلام، أم تدافع هذه المرة عن مصالح أمريكا ومصالح العالم في سلام دائم؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد