الجزيرة.نت - 4/11/2026 6:29:53 PM - GMT (+3 )
في بلد تقل فيه المساحات العامة المهيأة للترفيه، تكتسب الطبيعة معنى مختلفا، كما هو الحال في سهول "دشت آبدان" بولاية قندوز شمالي أفغانستان، والتي تقع في مناطق ريفية قريبة من مركز الولاية وعلى امتداد الطرق التي تربطها بولاية "تخار"، حيث تتحول مع كل ربيع إلى وجهة يقصدها السكان بحثا عن الراحة والتوازن.
يبدأ فصل الربيع عادة في أفغانستان مع الاعتدال الربيعي في 21 مارس/آذار، وهو نفس توقيت احتفال الأفغان بعيد النوروز الذي يعد بداية السنة الجديدة في التقويم الشمسي.
ومع حلول هذا الفصل، تمتد المساحات الخضراء وتتفتح الأزهار البرية وتذوب الثلوج في المناطق الجبلية، بينما تتحسن المراعي ويبدأ النشاط الزراعي، ما يجعل الفترة بين أواخر مارس/آذار وأواخر أبريل/نيسان الأنسب للتنزه وخروج العائلات.
ووفق تقارير محلية، تجذب "دشت آبدان" آلاف الزوار سنويا خلال موسم الربيع، خصوصا من مختلف ولايات أفغانستان، حيث يأتي الناس للاستمتاع بالخضرة والمراعي الواسعة والزهور البرية التي تزدهر مع كل ربيع، ما يجعل المنطقة وجهة موسمية رئيسية للترفيه العائلي والشبابي.
وفي الأيام الأخيرة، استضافت "دشت آبدان" آلاف الزوار المحليين الذين جاءوا للمشاركة في الأنشطة الربيعية والاستمتاع بجمال الطبيعة. وساهمت الأجواء الهادئة في منح العائلات شعورا بالراحة، ليقضوا أوقاتا ممتعة بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية.
ومع ساعات الصباح الأولى، تبدأ العائلات بالتوافد إلى هذه السهول الواسعة، يجلس البعض على العشب، بينما ينشغل الأطفال باللعب بحرية، ويتجمع الشباب لالتقاط الصور، في مشهد يعكس بساطة الحياة وارتباطها الوثيق بالطبيعة.
وتقول ليلى أورنكزيب -الأم لثلاثة أطفال- للجزيرة نت: "لا نجد أماكن كثيرة يمكن أن نذهب إليها مع أطفالنا. هنا نشعر بالراحة، ويستطيع الأطفال اللعب بحرية. نراقبهم وهم يركضون بين الأعشاب، يضحكون، ويستمتعون، وهذه اللحظات بسيطة لكنها مهمة جدا لنا. أشعر بأن الطبيعة تمنحنا فرصة للابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية".
إعلان
وبالقرب منها، كانت الطفلة فاطمة نورزي تركض بحماس بين الأعشاب قبل أن تتوقف لتلتقط أنفاسها قائلة بابتسامة عريضة: "أحب هذا المكان، نلعب هنا طوال اليوم، أفضل من البقاء في البيت. الطبيعة هنا تجعلنا سعداء".
وقال أحمد فرهمند، وهو شاب من كابل جاء لقضاء عطلة الربيع مع أصدقائه، لـ "الجزيرة نت" إن "المجيء من العاصمة كابل إلى دشت آبدان تجربة مختلفة تماما. واستغرقت رحلتنا نحو سبع ساعات بالسيارة، لكنها كانت تستحق العناء"، موضحا أنه سمع كثيرا عن جمال المنطقة، "لكن رؤيتها على الطبيعة شيء آخر".
وذكر أحمد أن "المكان هادئ وبسيط، ويمنح شعورا بالراحة بعيدا عن صخب المدينة. قضينا يوما كاملا هنا بين الطبيعة، والتقطنا الكثير من الصور. مثل هذه الأماكن نحتاجها أكثر، لأنها تعيدنا إلى بساطة الحياة".
ولا تقتصر أهمية "دشت آبدان" على كونها وجهة للتنزه، بل تمثل أيضا مصدر رزق للعديد من السكان، حيث تنتشر الحقول الزراعية والمراعي الواسعة التي ترعى فيها المواشي. وبينما تستمتع العائلات بجمال الطبيعة، يواصل المزارعون أعمالهم اليومية، وتتحرك قطعان الأغنام والأبقار في الخلفية، في مشهد يجمع بين الترفيه والعمل والحياة الريفية.
ويقول محمد كريم، وهو أحد مزارعي المنطقة للجزيرة نت، إن "الربيع هو أفضل وقت في السنة، تتحسن المراعي وتزدهر المحاصيل"، لكنه يضيف: "نخشى من تقلبات الطقس، لأن أي تغير مفاجئ قد يؤثر على المحاصيل".
وبينما كان يقود قطيعا يضم عشرات الأغنام عبر السهول الخضراء، يقول الراعي عبد الله مجاهد، من ولاية تخار المجاورة، للجزيرة نت: "نأتي إلى هنا كل عام تقريبا، لأن المراعي تكون أفضل والعشب وفير. هذا الموسم مهم لنا، لأن صحة المواشي تعتمد على توفر المراعي، لكننا مثل المزارعين، نقلق من تغيرات الطقس التي قد تؤثر على كل شيء".
وهذا القلق يعكس واقعا أوسع، إذ شهدت مناطق مختلفة من أفغانستان خلال الأسابيع الماضية أمطارا غزيرة وثلوجا غير معتادة، ما أدى إلى أضرار في بعض المناطق الزراعية، في مؤشر على تزايد تقلبات الطقس وتأثيرها على حياة السكان.
وتؤكد السلطات الأفغانية أنها تعمل على تطوير وتنظيم المواقع السياحية في مختلف الولايات، بما فيها دشت آبدان في قندوز، كما يقول وكيل وزارة الإعلام والثقافة لشؤون السياحة مولوي قدرت الله جمال للجزيرة نت،.
وأضاف أن الوزارة تسعى "لضمان توفير بيئة آمنة ومريحة للزوار. وتعمل على تحسين المرافق الأساسية، مثل الطرق والمسارات المؤدية إلى السهول، وتوفير أماكن للجلوس ومرافق خدمية بسيطة"، وذلك بالتنسيق مع السلطات المحلية لتأمين السلامة وتسهيل وصول العائلات والزوار، مؤكدا أن الوزارة تهدف أن "يشعر كل سائح أو زائر بالراحة أثناء استكشاف جمال الطبيعة، وأن تتحول الأماكن الطبيعية مثل دشت آبدان إلى نقاط جذب مستدامة تدعم الاقتصاد المحلي وتبرز تنوع أفغانستان الطبيعي والثقافي".
ويوضح جمال: "مع تحسن الطقس وازدهار الطبيعة في فصل الربيع، تشهد المناطق مثل دشت آبدان إقبالا واسعا من العائلات والشباب، وهذا يحفزنا على تعزيز البرامج السياحية الموسمية، وتنظيم فعاليات بسيطة مثل المهرجانات الربيعية، لتكون فرصة للترويح عن النفس ولتعريف الزوار بالموروث البيئي والثقافي للمنطقة".
إعلان
ورغم هذه التحديات، تبقى دشت آبدان مساحة مفتوحة يجد فيها السكان متنفسا نادرا، في ظل محدودية أماكن الترفيه المنظمة. فهنا، لا يحتاج الناس إلى الكثير، مجرد مساحة خضراء وسماء مفتوحة ووقت يقضونه مع عائلاتهم. ومع كل ربيع، يستمر تدفق الزوار إلى هذه السهول، ليس فقط للاستمتاع بجمال الطبيعة، بل للبحث عن توازن مفقود بين ضغوط الحياة اليومية وهدوء المكان. وهذا التوازن يتجدد مع كل موسم ويمنح هذا المشهد البسيط معنى أعمق للحياة.
إقرأ المزيد


