الجزيرة.نت - 4/12/2026 1:59:44 AM - GMT (+3 )
في ظل غياب توثيق بصري من الجانب الأمريكي، نشر تلفزيون (Press TV) الإيراني مقطعا مصورا يُظهر إعادة تمثيل رقمية لعملية عسكرية في أصفهان، مقدما إياها بوصفها "هزيمة كبرى" للقوات الأمريكية وانسحابا اضطراريا انتهى بقبول وقف إطلاق النار بشروط إيرانية.
الفيديو الذي صُمم بأسلوب ألعاب الفيديو والمحاكاة العسكرية حقق ملايين المشاهدات عبر مختلف المنصات، لا يعرض مشاهد حقيقية، بل يعتمد على رسوم حاسوبية (CGI) تعيد بناء سيناريو ميداني كامل؛ إنزال جوي لقوات خاصة، اشتباكات ليلية، استهداف مروحيات، ثم انسحاب تحت الضغط.
ورغم طابعه غير التوثيقي، فإن قوة الفيديو لا تكمن في دقته، بل في قدرته على تقديم "صورة كاملة" لحدث لا تتوفر حوله صور مؤكدة.
إعادة تمثيل تملأ الفراغيأتي هذا النوع من المحتوى في سياق فراغ بصري واضح. فالمؤسسات الرسمية الأمريكية، وعلى رأسها وزارة الدفاع الأمريكية، اكتفت بتصريحات مقتضبة حول العمليات، دون نشر أي مواد مرئية توثق تفاصيلها.
ويعود ذلك إلى اعتبارات أمنية تتعلق بحماية تكتيكات القوات الخاصة ومسارات العمليات الحساسة.
لكن هذا الغياب لا يمر دون أثر؛ ففي بيئة إعلامية تعتمد بشكل متزايد على الصورة، يفتح غياب التوثيق المجال أمام روايات بديلة، حتى وإن كانت مبنية على محاكاة.
من يملك الصورة يملك القصةالفيديو الإيراني يقدم مثالا واضحا على هذه القاعدة؛ فمن خلال بناء مشهد بصري متكامل، يستطيع المتلقي متابعة "قصة" واضحة المعالم في عملية أمريكية معقدة، فشل ميداني، خسائر، ثم انسحاب.
هذه البنية السردية، حتى وإن كانت افتراضية، أكثر تأثيرا من بيان رسمي مقتضب لا يقدم تفاصيل أو صورا.
وتعتمد هذه المقاطع على عناصر درامية مدروسة من لقطات ليلية توحي بالسرية، وانفجارات مكثفة تعكس شدة الاشتباك، ومشاهد انسحاب تعزز فكرة الفشل وهي عناصر تهدف إلى التأثير العاطفي، أكثر من نقل وقائع دقيقة.
إعلان
لا يمكن فصل هذه الفيديوهات عن سياق الحرب النفسية. فإعادة تمثيل "هزيمة" الخصم تخدم عدة أهداف منها رفع المعنويات داخليا وتعزيز صورة التفوق العسكري والتأثير على الرأي العام الخارجي
كما تمنح صناع الرسالة حرية كاملة في تشكيل الرواية، دون التقيد بقيود الواقع أو التوثيق. فالمحاكاة تسمح بتضخيم النجاح، وتقليل الخسائر، وبناء سيناريو مثالي يخدم الخطاب السياسي.
بين الواقع والمحاكاةمع ذلك، لا يعني انتشار هذه الفيديوهات أن الرواية التي تقدمها صحيحة بالضرورة. فهي تظل "إعادة تمثيل" وليست دليلا ميدانيا. ويبرز هنا تحد أساسي أمام الجمهور ووسائل الإعلام وهو التمييز بين التوثيق الفعلي والمحتوى الدعائي.
في المقابل، فإن الخطاب الأمريكي، رغم دقته وتحفظه، يعاني من ضعف التأثير الجماهيري. فغياب الصورة يجعله أقل قدرة على المنافسة في فضاء رقمي تحكمه المشاهد القصيرة والمحتوى البصري الجذاب.
معركة الرواياتتكشف هذه الحالة عن تحوّل أوسع في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد المعركة تقتصر على الميدان، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي.
فكل طرف يسعى إلى فرض روايته، مستخدما الأدوات المتاحة مثل بيانات رسمية محسوبة من جهة ومحتوى بصري درامي من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يصبح "الفراغ المعلوماتي" ساحة بحد ذاته، يُملأ بسرعة من قبل الطرف الأكثر قدرة على إنتاج محتوى جذاب.
ختاما فإن الفيديو الذي بثته وسائل إعلام إيرانية لا يقدم دليلا على ما جرى في أصفهان، لكنه يكشف بوضوح كيف تُصنع الروايات في زمن الحرب.
ففي غياب الصورة، يمكن لمحاكاة رقمية أن تتحول إلى "واقع" متداول ويحقق ملايين المشاهدات والتفاعل، وأن تعيد تشكيل إدراك الجمهور للأحداث.
وبينما تلتزم بعض الأطراف الصمت أو البيانات الرسمية، تستثمر أطراف أخرى في الصورة والسرد، مدركة أن التأثير اليوم لا يُقاس فقط بما يحدث، بل بكيفية عرضه.
إقرأ المزيد


