في البحر أو طَحنًا بالكسارات.. مخاوف على مصير رفات شهداء غزة
الجزيرة.نت -

غزة- تحت أنقاض برج المهندسين في مخيم النصيرات، الذي قصفته الطائرات الحربية الإسرائيلية على رؤوس قاطني 22 شقة سكنية في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد أكثر من 250 فلسطينيا في واحدة من أبشع جرائم الاحتلال في غزة على مدى عامي حرب الإبادة. ولا يزال أكثر من نصفهم تحت الركام، بعدما تحولت أجسادهم إلى رفات اختلط بحطام البرج المدمر.

عجز ذوو الضحايا عن انتشال جثامين أحبّتهم آنذاك، بسبب غياب المعدات الثقيلة والجرافات اللازمة، ما ضاعف معاناتهم؛ إذ لم يقتصر الألم على الفقد، بل امتد ليشمل حرمانهم من حق الدفن اللائق. وبقيت الجراح مفتوحة في قلوب العائلات التي لا تزال تنتظر لحظة انتشال الرفات ووداعه الوداع الأخير.

إسلام درويش فقدت زوجها وطفليها ولا تزال تأمل في انتشال رفاتهم ودفنه (الجزيرة)
هل يُنقل الرفات إلى البحر؟

وتخشى إسلام درويش (25 عاما)، التي فقدت زوجها وطفليها ولا يزالون تحت الأنقاض، أن يذهب رفات أحبّتها أدراج الرياح بعد أكثر من عامين، في ظل العجز عن الوصول إليهم وانتشالهم، لقلة الإمكانات ومنع الاحتلال إدخال المعدات إلى القطاع.

كما تخشى أن يُنقل هذا الرفات مع الركام للتخلص منه في البحر أو إعادة استخدامه في مشاريع إنشائية بعد تدوير المخلفات.

وتقول للجزيرة نت "كل يوم يمر يكبر فيه الجرح. هم تحت الركام، وقد تحولوا إلى رفات وعظام متحللة بعد كل هذه المدة الطويلة، وبعد أن عجزنا وعجز الدفاع المدني عن الوصول إليهم".

وتتساءل "هل بقي من رفاتهم ما يمكن أن ندفنه؟ وهل يمكن أن أستعيد ما تبقى منهم لأودّعهم كما يليق بهم؟"، وتضيف بصوت يثقله الألم: "لا أريد أن يبقوا مجرد ذكرى معلّقة تحت الأنقاض، أو أن تزول ذكراهم مع الركام، ويظل مصيرهم مجهولا بلا وداع ولا قبور".

رفات تحت ركام مدينة مدمّرة

يعيش شاهر أبو عودة (35 عاما) تجربة مشابهة، مع اختلاف في التفاصيل؛ إذ لا يزال معظم أفراد عائلته، المكونة من 14 شخصا، تحت أنقاض منزلهم في القرية السويدية قرب محور فيلادلفيا برفح، بعد استهدافه في 6 يونيو/حزيران 2024.

إعلان

نجا شاهر وحده، قبل أن يضطر إلى مغادرة المكان تحت وقع الاجتياح، دون أن يعرف مصير عائلته، بعدما جُرّف الحي بالكامل ونُقل ركامه إلى جهات مجهولة.

ويقول للجزيرة نت "ما جرى جريمة مركبة؛ قصف المنزل على رؤوس ساكنيه، ثم ترك الجثامين تحت الأنقاض، وأخيرا تجريف الركام بما يحمله من رفات، دون أن تتاح لنا فرصة انتشالهم أو معرفة مصيرهم حتى اليوم".

ويطالب بمعرفة مصير رفات ذويه وأين نُقل بعد إزالة الركام "نريد إجابات تنهي هذا الغموض المستمر"، مؤكدا أن ما يحدث يتناقض مع القوانين الدولية التي تكفل حق الضحايا في الانتشال والدفن الكريم.

تقديرات فلسطينية بوجود جثامين أكثر من 750 شهيدا تحت الأنقاض (الجزيرة)
ذاكرة مثقلة وأسئلة بلا إجابات

وفي مجزرة عائلة أبو النصر، التي راح ضحيتها 150 شهيدا في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2024 بمشروع بيت لاهيا، شمالي القطاع، لا يزال رفات 23 منهم تحت الأنقاض حتى اليوم، بعدما تحللت جثثهم واختلطت بركام المنزل الذي اختفت آثاره بالكامل.

تقول الناجية آية أبو النصر (30 عاما) للجزيرة نت "الصواريخ التي انهالت على المنزل دمّرت كل شيء، ومزّقت الجثامين إلى أشلاء اختلطت بالركام، حتى أصبح من المستحيل التعرف عليهم".

وتضيف "منع إدخال المعدات اللازمة لرفع الأنقاض يؤكد تعمّد ترك الجثث تحت الركام، وهو ما يشكل مخالفة صريحة للقوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، وجريمة حرب مركبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كل ما نريده هو دفنهم بكرامة".

وتدعو المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى التدخل العاجل للضغط من أجل تمكين طواقم الإنقاذ من الوصول إلى مواقع الدمار، وانتشال الجثامين، وكشف مصير المفقودين، مؤكدة أن "استمرار هذا الوضع يفاقم معاناة العائلات ويُبقي جراحها مفتوحة دون أفق للإنصاف".

آية أبو النصر ناجية من مجزرة عائلتها التي راح ضحيتها 150 شهيدا في بيت لاهيا (الجزيرة)
في أطنان من الركام

وتفيد بيانات المديرية العامة للدفاع المدني الفلسطيني بأن آلاف الشهداء ما زالوا تحت أنقاض المنازل المدمرة موزعة كالتالي:

  • رفح: 189 شهيدا تحت أنقاض 30 منزلا.
  • خان يونس: 580 شهيدا تحت 109 منازل.
  • المحافظة الوسطى: 890 شهيدا تحت 130 منزلا.
  • محافظة غزة: 4210 شهداء تحت أنقاض 589 منزلا.
  • شمال غزة: 2341 شهيدا تحت 387 منزلا.

ويؤكد محمد المغير، مدير إدارة الدعم الإنساني والتعاون الدولي في الدفاع المدني بقطاع غزة، للجزيرة نت، أن طواقم الدفاع المدني، وخلال مشروع لانتشال نحو ألف شهيد بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لم تعثر على أي أثر لنحو 50% منهم، نتيجة التحلل الشديد وتأثيرات الأسلحة المستخدمة.

جثامين في أعمال إنشائية

من جهته، يقول أحمد رضوان، مدير الإعلام في الدفاع المدني بمحافظة رفح، للجزيرة نت، إن "قوات الاحتلال عملت على تفتيت الجثامين باستخدام وسائل آلية، من بينها الروبوتات، قبل تجريف الركام ونقله لاستخدامه في أعمال إنشائية داخل إسرائيل أو في مناطق مصنفة صفراء داخل القطاع".

ويشير إلى أن شركات محلية شاركت في إزالة كميات ضخمة من الركام، دون وضوح مصيره، في وقت تشير فيه المعطيات إلى احتمال اختلاطه برفات الشهداء، نتيجة منع طواقم الإنقاذ من العمل على انتشال الجثث في حينه.

إعلان

ويتابع أن ذلك يشكّل انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني، ويضاعف من معاناة العائلات التي لا تزال جثث أبنائها تحت الركام وقد تحولت إلى رفات.

بات من المألوف في غزة مشاهدة فلسطينيين يبحثون عن رفات ذويهم لدفنه (الجزيرة)
خلط الرفات بالركام

من جهته، يشدد مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، في حديثه للجزيرة نت، على أن "هناك معطيات ميدانية تفيد بتعمد تجريف المنازل فوق جثامين الضحايا وخلط الرفات بالركام"، داعيا إلى تحقيق دولي سريع ومستقل.

في المقابل، تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تعمل كوسيط محايد، وتجري حوارات مباشرة مع أطراف النزاع لتسهيل الوصول الإنساني.

وتوضح المتحدثة باسمها، أماني الناعوق، للجزيرة نت، أن "اللجنة تسعى لتأمين مرور الطواقم الطبية والدفاع المدني، لكن قرارات السماح تبقى بيد الأطراف، وقد تُرفض أو تتأخر، كما لا يمكن ضمان سلامة العاملين حتى بعد الموافقة".

وتشير أن اللجنة دعمت جهود انتشال الرفات عبر التدريب والمعدات، مؤكدة أن عمليات البحث معقدة وتحتاج إلى وقت وإمكانات كبيرة في ظل حجم الدمار.

جريمة مركبة

بدوره، يقول زاهر الوحيدي، مدير مركز المعلومات في وزارة الصحة، للجزيرة نت، إن "عدد الشهداء تحت الأنقاض يُقدَّر بنحو 9000، فيما جرى انتشال نحو 1500 جثمان خلال فترات هدنة سابقة".

ويبيّن الوحيدي أن عائلات بأكملها أُبيدت دون تسجيل رسمي، ما يعني أن الأعداد الحقيقية قد تكون أعلى، في حين تحولت جثامين كثيرة إلى رفات.

بينما يصف المحامي والخبير في القانون الدولي علي العطار ما يحدث للجثامين بأنه "جريمة حرب مكتملة الأركان" ضمن سياق جرائم إبادة جماعية، موضحا -للجزيرة نت- أن "استهداف المدنيين داخل منازلهم، ومنع انتشال الجثامين، وعرقلة عمل الطواقم الإنسانية، كلها انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف".

ويضيف أن "تجريف الركام المختلط برفات الضحايا ونقله وإعادة استخدامه يمثل امتهانا صارخا للكرامة الإنسانية، وانتهاكا خطيرا للقانون الدولي، واعتداء على الحق العام للشعب الفلسطيني".

ختاما يبقى ملف المفقودين ورفات الضحايا واحدا من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدا وألما نتيجة إبادة أودت بحياة أكثر من 72 ألف غزي، معظمهم أطفال ونساء، حيث تختلط الذاكرة بالركام، ويظل السؤال مفتوحا: أين انتهت أجساد الضحايا، ومن يملك حق الإجابة؟



إقرأ المزيد