الجزيرة.نت - 4/12/2026 10:29:50 AM - GMT (+3 )
تتمتع روسيا حاليا بوضع أفضل مما كانت عليه قبل عام أو عامين. فقد أعادت هيكلة صناعتها العسكرية لتلبية احتياجات الجبهة، ولم تعد تعاني من نقص في السلاح، إذ تم إنشاء مصانع لإنتاج الذخيرة في جبال الأورال وسيبيريا، كما جرى إقامة تعاون عسكري تقني مع كوريا الشمالية، التي كانت تخزن الذخيرة؛ استعدادا لحربها مع جمهورية كوريا.
لقد باتت روسيا اليوم تمتلك مجموعة متطورة من الطائرات المسيرة، بدءا من الطائرات الهجومية مثل "لانسيت" و"كوب"، وصولا إلى طائرات الاستطلاع والطائرات المسيرة بعيدة المدى القادرة على قطع مسافة تتراوح بين 1000 و1500 كيلومتر.
إلى جانب ذلك، عزز الجيش قواته البشرية بفضل سياسة الخدمة التطوعية الفعالة. وتتلقى عائلات العسكريين مزايا عديدة ورواتب مجزية. كما أقامت روسيا شراكات ليس فقط مع الصين، بل ومع إيران أيضا، بما في ذلك في مجال التعاون العسكري التقني، ومع دول أخرى.
ويبدو جليا أن أسعار النفط في الوقت الراهن باتت مواتية للغاية لدعم الميزانية الروسية. فبينما كان سعر خام برنت القياسي قبل الحرب يتراوح بين 60 و70 دولارا للبرميل، فإنه اليوم قرب مستوى 100 دولار للبرميل.
وتبدي مؤسسات مرموقة مثل "ساكسو بنك"، و"غولدمان ساكس"، و"سوسيتيه جنرال" استعدادا تاما لقبول ارتفاع إضافي إلى 200 دولار للبرميل.
يعني هذا أنه بدلا من العجز المخطط له في الميزانية، وإن كان طفيفا، يمكن لروسيا أن تنهي العام بفائض، محققة إيرادات إضافية تتراوح بين 10 و40 مليار دولار من عقود إضافية، وربما أكثر من ذلك.
في العموم، الأوضاع باتت مواتية لروسيا، لا سيما في ظل الأزمة العميقة التي يمر بها حلف الناتو، ونقص الصواريخ الواضح لدى واشنطن لتلبية احتياجاتها على الجبهتين؛ الإيرانية، والأوكرانية.
على سبيل المثال، أصبح معروفا أن مخزون صواريخ توماهوك كروز لا يتجاوز 500 وحدة، بل إن الولايات المتحدة رفضت حتى تزويد اليابان بهذه الصواريخ.
إعلان
في ذات الوقت، لم تؤدِ نجاحات القوات المسلحة الروسية، رغم محافظتها على وتيرة ثابتة، إلى تحرير خيرسون وزابورجيا، وكراماتورسك وسلوفيانسك، أو الاستيلاء على خاركيف أو إيزيوم، ولا حتى التحرير الكامل لكوبيانسك.
وهنا يبرز السؤال: لماذا؟ يكشف التدقيق في إستراتيجية روسيا على الجبهة أن هيئة الأركان العامة تتجنب الهجمات الأمامية الحاسمة، مفضلة الهجمات الجانبية، والحفاظ على تواصل القتال باستخدام جميع الوسائل المتاحة: الطائرات المسيرة، والقذائف، والقنابل ذات أنظمة التخطيط والتصحيح الشاملة، وأنظمة قاذفات اللهب الثقيلة… إلخ.
ولا تشن القوات هجماتها إلا بعد اجتياح وابل كثيف من النيران للمواقع الأوكرانية لعدة أيام.. لكن هل هذه التكتيكات صحيحة؟
من المثير للدهشة أنها تتوافق تماما مع تكتيكات الجيش النمساوي خلال الإمبراطورية النمساوية المجرية، ومع التطورات الإستراتيجية الفرنسية الأمريكية.
تشير المعلومات أن القادة العسكريين الروس- وعلى رأسهم رئيس الأركان العامة فاليري غيراسيموف والقائد الأعلى فلاديمير بوتين- لا يكتفون بالسعي لتحقيق النصر بأي ثمن، بل يحرصون أيضا على الحفاظ على أكبر عدد ممكن من جنودهم.
وفي الوقت نفسه، تُشن حرب نفسية تستهدف الأوكرانيين. فعندما يرون أن لا أحد يسعى لقتل أكبر عدد ممكن من الجنود الأوكرانيين، وأنهم يعودون من الأسر بصحة جيدة، يتساءل الأوكرانيون عما إذا كان من المجدي القتال ضد روسيا.
وقد رأت موسكو مؤخرا ظهور منظمات سرية في أوكرانيا، من أوديسا إلى تشيرنيغيف، بما في ذلك كييف. ويبدو أن موسكو تعول أيضا على "إرهاق الأوكرانيين"، ودفع الشعب الأوكراني ببساطة للتخلي عن فكرة الحرب، والثورة على حكومة كييف.
في الواقع، هناك أسباب موضوعية تدعم هذه الحسابات. فبحسب بيانات الكونغرس الأمريكي، فقدت القوات المسلحة الأوكرانية ما يقارب مليوني جندي بين قتيل وجريح، وما زالت هناك قوات احتياطية لتعزيز صفوف الجيش النظامي، إذ لا يزال يعيش في أوكرانيا ما لا يقل عن 19 مليون نسمة.
مع ذلك، إذا استثنينا الأطفال والنساء وكبار السن، يتبقى 30% من هذا العدد، أي ما بين 6 و7 ملايين شخص، ممن يجب أن يعملوا في مؤسسات الدولة والزراعة والصناعة وخدمات القطارات وإصلاح المعدات العسكرية.
علاوة على ذلك، حتى لو تمكن زيلينسكي من حشد مليون رجل آخر (وهو أمر مشكوك فيه، إذ يوجد في أوكرانيا ما لا يقل عن 250 ألفا إلى 300 ألف هارب من الخدمة العسكرية، بالإضافة إلى شبان يختبئون لدى أقاربهم لتجنب التجنيد)، فإن هؤلاء المليون ما زالوا بحاجة إلى التدريب على القتال.
أود أن أذكركم بأن قائد الجيش الأوكراني السابق، فاليري زالوجني (سفير أوكرانيا الحالي لدى المملكة المتحدة)، كتب في الصحافة الأمريكية أنه احتاج إلى حوالي ستة أشهر لتدريب ما بين 100 ألف و150 ألف جندي، على الرغم من أن الوضع كان أكثر هدوءا في ذلك الوقت.
يبدو أن موسكو قد تعلمت القتال باستخدام الأساليب الغربية: فالسكان، الذين يعيشون تحت قصف مدفعي وقصف جوي مستمر، بدؤوا يغيرون توجهاتهم السياسية.
إعلان
علاوة على ذلك، تستخدم روسيا أيضا تطويرات أخرى في الفكر العسكري المعاصر، ليس فقط الحرب الهجينة، بل أيضا التدمير المنهجي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


