حرب أهلية بين الشمبانزي.. علماء يرصدون كيف انقلب الأصدقاء إلى أعداء
الجزيرة.نت -

Published On 12/4/2026

يبدو أن الصراعات والاشتباكات الدموية لا تقتصر على البشر فقط، إذ كشفت دراسة حديثة عن حالة نادرة لانقسام مجموعة من الشمبانزي في البرية إلى فصيلين متنازعين، تحول لاحقًا إلى صراع دموي أودى بحياة عشرات الأفراد، في ظاهرة يرى الباحثون أنها قد تساعد في فهم كيف تنشأ الحروب الأهلية لدى البشر.

وبحسب الدراسة المنشورة يوم 9 أبريل/نيسان في مجلة "ساينس" (Science)، وثق فريق دولي من الباحثين هذا التحول داخل واحدة من أكبر مجموعات الشمبانزي المعروفة، في متنزه كيبالي الوطني في أوغندا، بعد متابعة استمرت أكثر من 30 عامًا، ما أتاح للعلماء رصد التغيرات بشكل دقيق وعلى مدى طويل.

كيف تتحول مجموعة واحدة إلى فصيلين؟

على مدى سنوات طويلة، كانت هذه المجموعة تعيش بوصفها وحدة واحدة، رغم وجود تكتلات صغيرة داخلها -وهو أمر طبيعي في مجتمعات الشمبانزي- حيث تتشكل صداقات وتحالفات مرنة بين الأفراد، لكنها تظل ضمن إطار جماعة واحدة تتشارك نفس المساحة والغذاء، حسب الأستاذ المشارك في علم الأنثروبولوجي بجامعة تكساس في أوستن والمؤلف الرئيسي للدراسة آرون ساندل.

ويقول الباحث في تصريحات للجزيرة نت: "لكن بداية من عام 2015، بدأنا نلاحظ تغيرًا تدريجيًا في هذه العلاقات. فقد قل التفاعل بين مجموعتين داخل القطيع، وبدأ الأفراد يتجنبون بعضهم البعض، ثم تحول هذا التباعد تدريجيًا إلى انفصال كامل بحلول عام 2018، لتتشكل مجموعتان منفصلتان تمامًا".

المهم هنا -وفقًا لساندل- أن هذا الانقسام لم يكن نتيجة اختلافات ثقافية كما يحدث عند البشر -مثل اللغة أو الدين- بل كان نتيجة تغير في العلاقات نفسها. ببساطة، شبكة العلاقات داخل المجموعة أعادت تنظيم نفسها، وانقسمت إلى مجموعتين لم تعدا تتعاملان مع بعضهما كما في السابق.

من الانقسام إلى العنف

بعد هذا الانفصال، دخلت المجموعتان في مرحلة من العنف المنظم، إذ بدأ أحد الفصيلين في تنفيذ هجمات جماعية على أفراد الفصيل الآخر، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 7 ذكور بالغة و17 رضيعًا خلال السنوات التالية.

إعلان

وتظهر الملاحظات أن هذه الهجمات لم تكن عشوائية، بل كانت تتم بطريقة منظمة نسبيًا، حيث تتحرك مجموعات من الشمبانزي داخل أراضي المجموعة الأخرى، وتنفذ هجمات مفاجئة، وهو سلوك يراه الباحثون قريبًا من فكرة الدوريات أو العمليات الجماعية عند البشر.

كما رصد العلماء تصاعدًا تدريجيًا في وتيرة هذه الهجمات مع مرور الوقت، بالتوازي مع زيادة التوتر والاستقطاب بين المجموعتين. ويشير الباحث الرئيسي إلى أن أكثر ما لفت نظر الفريق البحثي أن هذا العنف لم يكن موجهًا نحو غرباء، بل بين أفراد عاشوا معًا لسنوات طويلة، وتشاركوا الغذاء والتزاوج والتعاون.

وترجح الدراسة أن هذا التحول بدأ نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها كبر حجم المجموعة بشكل غير معتاد، ما زاد الضغط على العلاقات بين الأفراد، إضافة إلى التنافس على الغذاء وفرص التزاوج، إلى جانب تغيرات في موازين القوة داخل المجموعة، ووفاة بعض الأفراد المهمين الذين كانوا يلعبون دورًا في الحفاظ على التماسك.

ماذا يخبرنا ذلك عن الحروب البشرية؟

يرى الباحثون أن هذه الحالة تقدم نموذجا مبسطا لفهم كيفية نشوء العنف الجماعي؛ فهي تظهر أن الانقسام والصراع يمكن أن يحدثا حتى دون وجود اختلافات ثقافية أو أيديولوجية، وهو ما يتحدى بعض التفسيرات التقليدية للحروب عند البشر.

ففي حالة الشمبانزي، لم يكن هناك دين أو لغة أو هوية سياسية، ومع ذلك نشأ صراع حاد. كان العامل الأساسي هو تفكك العلاقات داخل المجموعة، وظهور نوع من "الانتماء الجديد" لكل فصيل، ما أدى إلى استقطاب متزايد ثم إلى العنف.

وتدعم هذه النتائج ما يعرف بفكرة أن العلاقات الاجتماعية نفسها -عندما تضعف أو تنقسم- يمكن أن تكون كافية لإشعال النزاعات، دون الحاجة إلى أسباب ثقافية واضحة. وفي هذا السياق، يشير المؤلفون إلى أن ما حدث يشبه إلى حد كبير نمط الحروب الأهلية، حيث تنقسم جماعة واحدة إلى طرفين متصارعين رغم وجود تاريخ مشترك طويل بينهما.



إقرأ المزيد