الجزيرة.نت - 4/12/2026 2:17:51 PM - GMT (+3 )
Published On 12/4/2026
في الحقول الزراعية الحديثة، ترش المبيدات الحشرية للقضاء على النباتات غير المرغوبة، لتنمو المحاصيل بانتظام. لكن خلف هذا التوازن الظاهري، تكشف الأبحاث الحديثة عن قصة أكثر تعقيدا، بطلها كائن صغير يلعب دورا محوريا في أمننا الغذائي، إنه نحل العسل.
فقد سلطت دراسة حديثة نشرت في دورية "جورنال أوف إكسبرمنتال بيولوجي" (Journal of Experimental Biology) الضوء على تأثير غير متوقع لأحد أشهر المبيدات في العالم، وهو الغليفوسات، إذ لا يقتل النحل مباشرة، لكنه يعبث بوظائفه الحيوية على مستوى أعمق: الدماغ والسلوك.
لطالما اعتُبر الغليفوسات آمنا نسبيا للحشرات، لأنه يستهدف مسارا حيويا موجودا في النباتات ولا تمتلكه الحيوانات. لكن هذا الافتراض بدأ يتصدع تدريجيا.
في التجارب الجديدة، عرّض الباحثون نحل العسل لجرعات غير قاتلة من هذا المبيد، ثم راقبوا سلوكياته اليومية. والنتيجة كانت انخفاض نشاط جمع الغذاء بنحو 13% خلال أيام قليلة فقط.
ورغم أن هذه النسبة قد تبدو محدودة، فإنها على مستوى خلية كاملة تعني تراجعا في تدفق الغذاء، واضطرابا في توازن النظام الاجتماعي الدقيق الذي تقوم عليه حياة النحل.
الأمر لا يتوقف عند السلوك الظاهري. فبفحص أدمغة النحل، اكتشف العلماء تغيرات في كيمياء الجهاز العصبي، خاصة في مركبات تُعرف بأنها تلعب دورا محوريا في تنظيم الحركة والتحفيز والاستجابة للمكافآت.
من بين هذه المركبات، برزت تغيّرات في مستويات "التيرامين"، ومركبات أخرى مثل "الأوكتوبامين"، وهو ما يشير إلى أن الغليفوسات قد يعيد تشكيل الإشارات العصبية المرتبطة بالبحث عن الغذاء واتخاذ القرار.
سؤال جوهريهذه النتائج تعيد طرح سؤال جوهري في تقييم سمية المواد الكيميائية: هل يكفي أن لا تقتل الكائن الحي حتى نعدّها آمنة؟ في حالة النحل، يبدو أن الإجابة هي لا.
إعلان
الكائنات الاجتماعية مثل نحل العسل تعتمد على تنسيق دقيق بين أفرادها، وأي خلل بسيط في سلوك عدد من العاملات قد يتضخم ليؤثر في كفاءة الخلية بأكملها، من جمع الرحيق إلى تلقيح النباتات، وصولا إلى إنتاج الغذاء الذي يعتمد عليه الإنسان نفسه.
وتكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة إذا وضعناها في سياق التراجع العالمي لأعداد الملقحات، والتي بدورها مسؤولة عن الكثير من النباتات التي نتغذى عليها نحن البشر، ما يهدد أمننا الغذئي بصورة مباشرة. فالنحل يواجه بالفعل ضغوطا متعددة، من فقدان الموائل إلى الأمراض والطفيليات، والآن تضاف إليها آثار خفية لمواد كيميائية شائعة الاستخدام.
إقرأ المزيد


