الجزيرة.نت - 4/13/2026 12:11:47 AM - GMT (+3 )
لم يعد الاقتباس في الدراما التركية تفصيلا عابرا أو تجربة محدودة، بل تحول في السنوات الخمس الأخيرة إلى خيار إنتاجي شبه ثابت، تتبناه كبرى الشركات في سباق محموم تحكمه نسب المشاهدة الأسبوعية.
وفي هذا المناخ، لم تعد المغامرة مفضلة، بل اللجوء إلى أعمال أثبتت نجاحها عالميا، وإعادة تقديمها بنسخة تركية تضمن حدا أدنى من القبول الجماهيري.
والمفارقة أن هذه الظاهرة تتصاعد بالتوازي مع توسع موجة تعريب الدراما التركية نفسها -رغم كل الجدل الذي يرافقها- مما يعكس دورة إنتاج تلفزيوني مغلقة تقوم على إعادة تدوير النجاحات بدلا من صنعها.
ويشكل التوجه نحو الدراما الإسبانية أحدث تجليات هذا المسار، مع إعلان شركة القمر شراء حقوق مسلسل السجون الشهير "فيز آ فيز" (Vis a Vis)، تمهيدا لتقديم نسخة تركية منه.
ولا يبدو اختيار هذا العمل اعتباطيا، فهو ينتمي إلى نوع درامي قائم على التوتر العالي والشخصيات النسائية المركبة، وقد حقق حضورا عالميا لافتا.
وواصلت الدراما التركية توسيع خارطة اقتباساتها، منتقلة من النموذج الكوري الذي هيمن سنوات، إلى أعمال أوروبية، في محاولة لمواكبة ذائقة جمهور بات أكثر انجذابا للقصص النفسية المعقدة.
دراما نسائية تواكب ذائقة السوقعرض مسلسل "فيز آ فيز" للمرة الأولى في أبريل/نيسان 2015 عبر قناة أنتينا 3 (Antena 3)، قبل أن ينتقل لاحقا إلى فوكس إسبانيا (Fox Spain)، ويشق طريقه إلى العالمية عبر منصة نتفليكس (Netflix)، وحصد انتشارا واسعا وجمهورا عابرا للحدود.
العمل مكون من خمسة مواسم، قدم خلالها دراما سجون نسائية مشحونة بالتوتر، قائمة على شخصيات معقدة وتحولات قاسية، في مقدمتها "ماكارينا" و"زوليما" التي تحولت إلى العلامة الفارقة في العمل.
وعلى امتداد هذه المواسم، رسخ المسلسل نجاحه نقديا وجماهيريا، وبلغ ذروته في الموسم الرابع الذي أنهى خطوطه الدرامية بخروج بطلاته من السجن، في خاتمة بدت مكتملة ومتوازنة.
غير أن هذا النجاح لم يغلق الدائرة، بل فتح الباب لاستثمار إضافي عبر جزء خامس بعنوان الواحة عام 2020، جاء منفصلا عن بنية العمل الأصلية، ومتكئا بشكل أساسي على حضور زوليما في محاولة لتمديد عمر الحكاية، في نموذج يعكس ميل الصناعة إلى استثمار النجاح حتى آخر مدى ممكن، حتى لو كان ذلك على حساب تماسك السرد.
إعلان
ولا يبدو خيار تحويل "فيز آ فيز" إلى نسخة تركية خطوة مفاجئة أو خارج سياق الصناعة، بل يأتي امتدادا مباشرا لمنطق الاقتباس الذي رسخ حضور الدراما التركية في السنوات الأخيرة. فقد أثبتت تجارب عديدة أن إعادة إنتاج أعمال عالمية ناجحة مع تكييفها محليا، يمكن أن يضمن نسب مشاهدة مرتفعة ويقلص هامش المخاطرة الإنتاجية.
ويكفي النظر إلى أبرز الأعمال التركية المقتبسة مثل "إيزيل" و"مد وجزر" و"أسرار صغيرة" و"الطبيب المعجزة" و"حب أعمى"، وصولا إلى "التفاحة الممنوعة" الذي امتد ستة مواسم، لفهم كيف تحول الاقتباس إلى ركيزة ثابتة في بنية الدراما التركية المعاصرة.
ويبدو أن الدافع الأكثر جاذبية لاقتباسه يرتبط بطبيعته باعتباره عملا نسائيا بامتياز، يقوم على شخصيات نسائية معقدة وصراعات داخل فضاء مغلق، وهو نمط درامي بات يحظى باهتمام متزايد في السنوات الخمس الأخيرة داخل السوق التركية.
فقد أظهرت أعمال مثل "الخائن" و"التفاحة الممنوعة" قدرة واضحة على جذب الجمهور عندما تتمحور الحكاية حول النساء وصراعاتهن النفسية والاجتماعية، مما جعل هذا النوع أكثر قابلية للاستثمار الجماهيري وأكثر حضورا في اختيارات شركات الإنتاج.
ويعزز هذا التوجه اختيار فريق العمل الإبداعي للمشروع، إذ يسند الإخراج إلى نسليهان يشيل يورت، التي نفذت "الخائن" و"التفاحة الممنوعة"، مما يمنح المشروع خبرة في إدارة الدراما النسائية ذات الطابع التوتري.
كما تتولى كتابة السيناريو الكاتبة سيما أرغينيكون، التي سبق أن قدمت "القضاء" و"العشق الأسود"، وهو ما يشير إلى توجه واضح نحو بناء نسخة تركية تقوم على التشويق القانوني والنفسي، مع الحفاظ على جوهر الصراع الذي ميز النسخة الإسبانية، فيما لم يتم بعد تحديد أبطال العمل.
الأمان الدرامي بدل المغامرةتحويل "فيز آ فيز" (Vis a Vis) إلى نسخة تركية حلقة إضافية في صناعة باتت تميل أكثر نحو "الأمان الدرامي" بدلا من المغامرة، فبين نجاحات مستوردة تعاد صياغتها محليا، وأعمال تمدد حتى آخر نقطة من رصيدها الجماهيري، تتكرس معادلة واضحة في الدراما التركية، وهي أن الفكرة الناجحة أهم من الفكرة الجديدة، والاستمرارية تقاس بقدرة العمل على البقاء داخل دائرة المشاهدة.
إقرأ المزيد


