الجزيرة.نت - 4/13/2026 1:41:52 AM - GMT (+3 )
تشهد كرة القدم الحديثة تحولات متسارعة طالت مختلف مراكز اللعب، غير أن مركز قلب الدفاع يبدو من أكثرها تأثرا، في ظل تراجع ملحوظ في بروز المدافعين الصلبين القادرين على مجاراة متطلبات المنافسة أمام المهاجمين.
وباتت الأندية والمنتخبات تعاني من هشاشة دفاعية لافتة، انعكست في ارتفاع عدد الأهداف المستقبلة، وهي ظاهرة لم تعد حكرا على فرق بعينها، بل طالت كبار الأندية الأوروبية مثل ريال مدريد وبرشلونة وباريس سان جيرمان ومانشستر سيتي وليفربول، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن جودة المدافعين مقارنة بأجيال سابقة، خصوصا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية.
تراجع المدرسة الدفاعية الإيطالية عالمياوتُعد إيطاليا تاريخيا أحد أبرز معاقل إنتاج المدافعين في كرة القدم العالمية، إذ قدمت أسماء أسطورية مثل باولو مالديني، وفابيو كانافارو، وأليساندرو نيستا، وفرانكو باريزي، الذين اشتهروا بالذكاء التكتيكي والتمركز العالي والصلابة الدفاعية ضمن مدرسة "الكاتيناتشيو".
كما برزت أسماء أخرى مثل جاشينتو فاكيتي، الذي أعاد تعريف دور الظهير، وصولا إلى ثنائي العصر الحديث جورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي.
ورغم استمرار ظهور بعض الأسماء الحديثة مثل أليساندرو باستوني وريكاردو كالافيوري وأليساندرو بونغيورنو، فإن المقارنة مع الأجيال السابقة تبقى حاضرة، في ظل تراجع نسبي في إنتاج مدافعين بنفس الجودة والتأثير.
ويعزز هذا الطرح التراجع النسبي للكرة الإيطالية، التي لطالما ارتبطت بالقوة الدفاعية، إذ لم تنجح منذ جيل مالديني ونيستا وكانافارو في تقديم أسماء بنفس الثقل، وهو ما تزامن مع إخفاقات متكررة للمنتخب الإيطالي في بلوغ نهائيات كأس العالم، إلى جانب غياب الأندية الإيطالية عن منصات التتويج القارية فترات طويلة.
أسباب تراجع جودة المدافعينوتبرز هنا إشكالية تتعلق بشحّ المواهب الدفاعية على المستوى العالمي، وتراجع إنتاج المدافعين القادرين على الجمع بين الصلابة البدنية والذكاء التكتيكي ومهارات بناء اللعب، في ظل تحولات عميقة تطال طبيعة أدوار المراكز داخل كرة القدم الحديثة، دون حسم واضح لطبيعة الأسباب أو اتجاهات هذا التغير.
إعلان
- هيمنة الأسلوب الإسباني
يرى مختصون أن انتشار النموذج الإسباني القائم على الاستحواذ والبناء من الخلف، والذي برز مع بيب غوارديولا في برشلونة، كان له تأثير مباشر على طبيعة أدوار المدافعين. فقد باتت الأولوية تُمنح لقدرتهم على تمرير الكرة والخروج بها بشكل سليم، بدل التركيز على الأدوار التقليدية المرتبطة بالصلابة الدفاعية وافتكاك الكرة.
وفي هذا السياق، يشير مدير الأداء وعلوم كرة القدم في أكاديمية أسباير والاتحاد القطري لكرة القدم، والتر دي سالفو، إلى أن هذا التحول أسهم في تقليص جودة المدافعين من حيث الشراسة والقدرة على المواجهات الفردية، معتبرًا أن تقليد هذا الأسلوب في بيئات كروية مختلفة، مثل إيطاليا، لا يتناسب بالضرورة مع هويتها التاريخية.
- إشكالية أساليب التدريب
ويلفت دي سالفو إلى أن اعتماد نماذج تدريبية عامة لجميع المراكز يمثل أحد أسباب التراجع، مؤكدا أهمية التخصص في إعداد اللاعبين. فالمتطلبات البدنية والتكتيكية لقلب الدفاع تختلف عن تلك الخاصة بلاعبي الوسط أو المهاجمين.
وتظهر دراسات في هذا المجال أن 42% من جهد اللاعب في المباراة يكون في الهرولة، و35% في المشي، و17% في الجري، و5% في السرعة، و1% فقط في التسارع. كما أن قلوب الدفاع لا يركضون سوى بنحو 4% من زمن المباراة، مقارنة بـ6% للأظهرة والمهاجمين.
أما على مستوى التسارع، فيبلغ متوسط محاولات قلب الدفاع 17 مرة في المباراة، مقابل 29 للأظهرة و30 للمهاجمين، وبين 23 و35 للاعبي الوسط، ما يعكس اختلافا واضحا في طبيعة الأدوار، ويفرض -وفق دي سالفو- تصميم برامج تدريبية متخصصة لكل مركز.
أسباب شح المواهب الدفاعية- تراجع جاذبية مركز الدفاع
من العوامل الأخرى، غياب المدافعين عن منصات التتويج الفردية، إذ يعد فابيو كانافارو آخر مدافع توّج بالكرة الذهبية عام 2006، بعد قيادته إيطاليا للفوز بكأس العالم.
وعبر التاريخ، لم يفز بالجائزة سوى عدد محدود من المدافعين، أبرزهم الألماني فرانز بيكنباور الذي توج بها مرتين (1972 و1976)، والألماني ماتياس زامر (1996)، إلى جانب كانافارو، في ظل هيمنة واضحة للمهاجمين على الجائزة.
كما يُعد كانافارو المدافع الوحيد الذي حصد جائزة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لأفضل لاعب في العالم، في العام نفسه (2006)، بينما اقترب الهولندي فيرجيل فان دايك من كسر هذه الهيمنة عام 2019، لكنه حل ثانيا خلف الأرجنتيني ليونيل ميسي.
هذا الواقع انعكس على اختيارات اللاعبين الناشئين، الذين باتوا يفضلون المراكز الهجومية، في ظل غياب المدافعين عن النماذج الملهمة على منصات التتويج.
- تأثير الإعلام ووسائل التواصل
ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا غير مباشر في هذا التحول، إذ أسهمت طبيعة المحتوى الرقمي السريع في إعادة تشكيل معايير النجومية داخل كرة القدم. فالمقاطع الأكثر انتشارا تركز غالبا على الأهداف والمهارات الفردية والتمريرات الحاسمة، وهي لقطات سهلة الاستهلاك وتحقق تفاعلا واسعا، مقابل تجاهل نسبي للقطات الدفاعية التي تتطلب فهما تكتيكيا أعمق لتقدير قيمتها.
هذا التركيز خلق صورة ذهنية لدى الجماهير، وخاصة الفئات العمرية الصغيرة، التي تربط التألق الكروي بالتسجيل وصناعة الأهداف فقط، مما انعكس على اختيارات الناشئين الذين باتوا ينجذبون إلى الأدوار الهجومية.
إعلان
وفي المقابل، تراجع حضور المدافعين في منصات التتويج، رغم أن أدوارهم لا تقل أهمية في حسم المباريات. كما أن التغطية الإعلامية التقليدية نفسها غالبا ما تمنح المساحات الأكبر للمهاجمين، سواء في العناوين أو الجوائز الفردية، مما يعمّق هذا الاتجاه.
- من الدفاع الفردي إلى المنظومة الجماعية
وأدت التحولات التكتيكية في كرة القدم الحديثة إلى إعادة تعريف مفهوم الدفاع، إذ لم يعد قائما على قدرات فردية بحتة، بل أصبح جزءا من منظومة جماعية متكاملة. فالفرق الحديثة تعتمد على الضغط العالي، والتمركز الجماعي، وتضييق المساحات، وهي عناصر تتطلب مشاركة جميع اللاعبين دون استثناء.
وبهذا المعنى، لم يعد قلب الدفاع وحده المسؤول عن إيقاف الهجمات، بل أصبح الجناح مطالبا بالعودة والتغطية، ولاعب الوسط بالضغط وقطع الكرات، وهو ما قلّص من بروز المدافع "البطل الفردي" كما كان في السابق.
كما أن هذا التحول أفرز سلوكيات جديدة لدى بعض المدافعين، مثل الاعتماد على التغطية الجماعية بدل المواجهات الفردية المباشرة، مما انعكس على تراجع صفات مثل الشراسة والالتحامات القوية التي ميّزت الأجيال السابقة.
- قوانين تصب في مصلحة الهجوم
في المقابل، أسهمت تعديلات قوانين اللعبة في السنوات الماضية في تعزيز الطابع الهجومي، ضمن توجه عام لزيادة الإثارة وعدد الأهداف. فقد شهدت قوانين التسلل تفسيرات أكثر مرونة لصالح المهاجم، كما أصبحت لمسات اليد تُحتسب بشكل أكثر دقة وتشددا على المدافعين، إضافة إلى حماية أكبر للاعبين المهاجمين في الالتحامات.
هذه التعديلات، رغم أهدافها الترفيهية، وضعت المدافعين تحت ضغط متزايد، إذ بات هامش الخطأ لديهم ضيقا للغاية، وأي هفوة قد تُترجم مباشرة إلى هدف. كما حدّت من قدرتهم على اللعب البدني القوي الذي كان سمة أساسية في الدفاع، مما فرض عليهم التأقلم مع بيئة أكثر تعقيدا وحساسية.
في ضوء هذه العوامل مجتمعة، من الإعلام إلى التكتيك والقوانين، يبرز تراجع المدافع الكلاسيكي نتاجا طبيعيا لتحولات أوسع في بنية اللعبة. ويبقى التحدي قائما أمام المدربين والمؤسسات الكروية لإعادة التوازن، عبر تطوير نماذج جديدة تجمع بين الصلابة الدفاعية ومتطلبات كرة القدم الحديثة، بما يضمن استمرارية هذا المركز الحيوي دون فقدان هويته.
إقرأ المزيد


