الجزيرة.نت - 4/13/2026 4:50:06 PM - GMT (+3 )
كانت محاطة بسورٍ شاهق يناهز ارتفاعه 30 مترا عن سطح الأرض، تتوزع عليه 8 بوابات تُفتح مع شروق الشمس وتُغلق عند الغروب.
وقبل أكثر من 3500 عام وردت في السجلات كمحطة إستراتيجية على طريق القوافل، حيث تتقاطع أفريقيا بآسيا، وتلتقي التجارة بالحضارات، فغدت مدينةً صاغها موقعها الاستثنائي وفرض حضورها عبر الزمن.
هذه غزة التي لم تكن يوما عابرة في سجلّ التاريخ أو الجغرافيا، بل امتدت نشأتها إلى أكثر من 5000 عام، كنقطة راسخة في قلب التحوّلات الكبرى.
وعلى التلّة الشرقية -فيما سيُعرف لاحقا بحي الشجاعية– كان الحراس يتسمّرون في مواقعهم على تلة المنطار، كنقطة عينٍ مرتفعة تراقب الأخطار المحدقة المقتربة من تخوم البلدة.
هذا الموقع الاستثنائي جعلها هدفا للقوى المتعاقبة، حيث تناوبت عليها الحضارات إمبراطورية بعد أخرى، تركت كل منها طبقة من العمران، والذاكرة، والركام التاريخي.
ورغم أنها دُمّرت نحو 46 مرة عبر تاريخها الطويل، فإنها كانت في كل مرة تعيد بناء نفسها. إلا أن ما تعرضت له في الإبادة الأخيرة -وفق مؤرخين- يختلف عمّا سبق، إذ لم يكن مجرد تدميرٍ للعمران، بل محاولة لاجتثاث الذاكرة وسردية المكان الممتدة منذ آلاف السنين.
الامتداد التاريخي لغزة، لم ينجُ من أطماعٍ بدأت مبكرا مع تشكّل المشروع الاستعماري في فلسطين، منذ مرحلة الانتداب البريطاني وما تلاه من وعد بلفور، حين بدأ مسارٌ طويل من إعادة تشكيل الجغرافيا والهوية، ومحاولات متدرّجة للسيطرة على المكان وذاكرته.
ومع تثبيت هذا المسار لاحقا بعد عام 1948، ثم تعمّقه بعد احتلال عام 1967، دخل قطاع غزة في حالة حصار مركّب، لم يكن سياسيا وعسكريا فقط، بل أخذ في امتداده بعدا ثقافيا متدرّجا، ازداد وضوحا مع اشتداد القيود المفروضة من قبل الاحتلال الإسرائيلي على الحركة والمعابر والمجال العام، وصولا إلى الحصار الشامل المفروض منذ عام 2007.
إعلان
حصارٌ طال المشهدَ الثقافي بعمق، حتى بدا، كما يصفه كتّاب ومثقفو غزة -للجزيرة نت- مقصودا وممنهجا.
ويحصر الكاتب يسري الغول وجوه هذا الحصار في نقاط ثلاث:
- حرمان الفنانين من السفر للمشاركة في الفعاليات العربية.
- تقييد إدخال الكتب إلى القطاع.
- تعرض الكتّاب للملاحقة والاعتقال.
ويضيف "اضطر كثير من الأدباء إلى الكتابة بأسماء مستعارة، مثل الكاتب إبراهيم الزنط الذي عُرف أدبيا باسم غريب عسقلاني، فيما آثر آخرون الهجرة ليواصلوا الدفاع عن فلسطين بالكلمة من خارج البلاد".
ولم يقتصر الأمر على الملاحقة الفردية، بل كان الاستهداف مباشرا للمؤسسات الثقافية، إذ استغل الاحتلال جولات التصعيد والعدوان قبل الإبادة الشاملة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لضرب البنية الثقافية في غزة، فدمّر خلالها مركز المسحال للفنون، واستهدف مركز إدوارد سعيد للموسيقى، كما طالت الغارات مكتبات ومراكز ثقافية مركزية كانت تُعد بمثابة "ذاكرة ثقافية" للقطاع.
ويعلل الغول هذه الاعتداءات بأنها جاءت "لخلق حالة من التشرذم الثقافي والفكري تعيق الفلسطينيين عن بناء حركة ثقافية جامعة وقادرة على إيصال صوتها إلى العالم".
ورغم هذا التضييق، ظلّ المشهد الثقافي يقاوم بطريقته، يقول الغول: "قاومنا بالكتابة في الخفاء، وبإرسال القصص والمقالات إلى المجلات العربية تحت الخطر، وبمواصلة النشر رغم تهديد الاعتقال"، ويختم: "قاومنا لأن الأدباء والفنانين كانوا يؤمنون أن اللوحة والنص والرواية ليست ترفا، بل جزء من معركة الوجود ذاتها".
بعد سنوات طويلة ظلّ فيها المشهد الثقافي محاصرا ومجروحا، جاءت حرب الإبادة لتقوّض ما تبقّى من ذاكرة المكان، حيث شكلت تحوّلا نوعيا نحو ما يمكن وصفه بوضوح بأنه الإبادة الثقافية.
سُوّيت المواقع الأثرية بالأرض، واحترقت مخطوطات نادرة أو ضاعت تحت الركام، ونُهبت المقتنيات التاريخية أو اختفت، كما أن أصوات من حملوا الكلمة والفكرة والهوية -من كتّاب ومفكرين وفنانين- قُطعت إلى الأبد.
وفي هذا السياق، يقدّم مدير دائرة المواقع الأثرية في وزارة السياحة والآثار بغزة، حمودة الدهدار، وصفا دقيقا لما تعرّض له الإرث المادي خلال الإبادة، مؤكدا أن ما جرى "لم يكن دمارا عرضيا، بل استهدافا متعمّدا لطبقات الهوية الفلسطينية".
ويشير إلى أن الإرث العمراني لغزة، الممتد من الفترات المملوكية والأيوبية والعثمانية، لم ينجُ من الاستهداف، إذ بلغ عدد المواقع والبيوت الأثرية 283 موقعا، دُمّر أكثر من 90% منها خلال الحرب.
كما كشف الدهدار أن مسحا تدميريا شاملا استهدف حي الشجاعية الواقع خلف الخط الأصفر بما يحمله من طبقات عمرانية متراكمة، ومساجد وآثار تعود لمئات السنين.
وتحدث الدهدار عن نهب مخزن متحف قصر الباشا الذي كان يضم أكثر من 17 ألف قطعة أثرية، إلى جانب إتلاف مخطوطات نادرة، من بينها مزامير داود ونسخة عثمانية من القرآن الكريم.
إعلان
وأنشأ الدهدار فريقا تطوعيا صغيرا من 3 أشخاص فقط، وشرعوا -تحت القصف- في توثيق ما تبقى من المواقع الأثرية، ومحاولة حماية أجزاء من الإرث العمراني.
ومن أبرز تدخلاتهم خلال الإبادة حماية سوق قيسارية، عبر فصل الحجارة الأثرية وترميم أجزاء منه بعد الانسحاب، قبل أن يتعرض لاحقا للقصف مجددا.
لكن الإبادة لم تتوقف عند الحجر، بل امتدت إلى الذاكرة المكتوبة أيضًا. حيث تؤكد دائرة المخطوطات في وزارة الأوقاف أن قطاع غزة فقد جزءا واسعا من أرشيفه التاريخي، إذ كانت تضم 228 مخطوطة كاملة، إضافة إلى آلاف الصحف التاريخية التي تمتد من القرن الـ14 حتى بدايات القرن العشرين.
وفي واحدة من أكثر اللحظات دلالة على علاقة الغزي بهويته، حين سُمح للغزيين بالعودة من نزوحهم في جنوب القطاع إلى شماله، لم تتجه حنين العمصي، مديرة مؤسسة "عيون على التراث"، إلى منزلها المدمر، بل توجهت مباشرة إلى المؤسسة التي كانت تديرها، لتفقد آلاف المخطوطات والكتب النادرة التي كانت محفوظة بها.
وعند وصولها، اكتشفت أن المؤسسة تحولت إلى ركام، وأن جزءا كبيرا من الأرشيف قد دُمّر أو دُفن تحت الأنقاض، بعد أن كانت تحتضن ما يشبه الذاكرة البصرية لغزة، وما يمثله من نحو 80% من إرثها المطبوع قبل عام 1948.
وتروي مديرة المؤسسة أن ما شاهدته في مواقع الدمار كان صادما، إذ "جُرّفت الكتب والمخطوطات كما لو أنها كُبست كبسا"، بينما اختفت أو دُمّرت مختبرات الترميم والرقمنة والحياكة بالكامل، في مشهد تصفه بأنه أنهى فعليا البنية المؤسسية لحماية الذاكرة الثقافية في القطاع، وجعل المشهد الثقافي في غزة "معدوما"، كما تقول.
ورغم حجم الخراب، تمكنت حنين العمصي، مع فريق تطوعي صغير، من انتشال وإسعاف نحو 147 مخطوطة من تحت ركام دائرة المخطوطات في المسجد العمري الكبير، في محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الذاكرة المكتوبة قبل أن تُمحى بالكامل.
لم يكن استهداف الذاكرة الورقية أقل قسوة، حيث يؤكد رئيس قسم المكتبات في بلدية غزة، رائد الوحيدي، أن المدينة فقدت جزءا كبيرا من مكتباتها العامة، حيث دُمّرت مكتبة بلدية رشاد الشوا بالكامل، فيما فقدت مكتبة غزة العامة أكثر من 80% من محتواها، وتعرض مركز هولست الثقافي لأضرار جسيمة رغم احتوائه على نحو 100 ألف كتاب.
ويصف الوحيدي هذا الاستهداف بأنه "ضرب للوعي ومحاولة لقطع ذاكرة الأجيال"، مشيرا إلى أن آلاف المراجع والموسوعات التي كان يعتمد عليها الباحثون لإنجاز أبحاثهم ضاعت تحت الركام، ولا يمكن تعويضها.
الرقمنة طوق نجاة لبعض السجلاتورغم تدمير الأرشيف الورقي، فإن مشروع الرقمنة الذي اعتمدته بلدية غزة لحفظ نسخ إلكترونية من أرشيفات المدينة أنقذ نسبة كبيرة من البيانات وحمى الذاكرة الإدارية من الضياع الكامل.
حيث كشف مدير وحدة المعلومات في بلدية غزة، محمد حمزة حنوش، أن مشروع الرقمنة الذي بدأ قبل سنوات أنقذ أكثر من 95% من البيانات الحيوية، التي تضم سجلات الملكيات، وتراخيص البناء، والمخططات التنظيمية.
لكنه يحذر من أن آلاف الملفات لا تزال مهددة داخل مبانٍ متضررة، في ظل خطر انهيار البنية التحتية المتبقية، مما يجعل "ذاكرة الحقوق" نفسها في دائرة الخطر.
اغتيال الأدمغةوفي خلفية هذا المشهد، يتكشف بُعد آخر للإبادة، يتمثل في استهداف العقول ذاتها، فقد قُتل خلال الحرب مئات الأكاديميين والكتاب والمفكرين، في ما يراه فلسطينيون استهدافا مقصودا للنخب الثقافية، في محاولة لضرب البنية الفكرية للمجتمع.
ويُختصر هذا المعنى في مقولة تتردد على لسان مثقفين فلسطينيين: إن "الكلمة كانت دائما أخطر ما يمكن أن يهدد أمن الاحتلال"، وإن "الأمة التي تُحرم من ثقافتها، تُحرم من قدرتها على الاستمرار".
إعلان
وفي هذا السياق يؤكد المكتب الإعلامي الحكومي للجزيرة نت أن ما جرى للمواقع الأثرية والتاريخية لا يمكن قراءته كأضرار حرب عابرة، بل "كاستهداف واسع وممنهج للبنية الثقافية في القطاع (…) في انتهاك جسيم يصل إلى مستوى جرائم الحرب، كما ورد في اتفاقية لاهاي لعام 1954 واتفاقيات اليونسكو".
ولم يصدر عن الجهات الرسمية في غزة إحصائيات عن الخسائر البشرية في القطاع الثقافي، لكن تقريرا لوزارة الثقافة في رام الله أشار إلى استشهاد 20 كاتبا، و30 فنانا، و10 موسيقيين، و8 مسرحيين، إضافة إلى 256 صحفيا، إضافة إلى خسائر مادية قدرت بنحو 17 مليون دولار. ووفق مصادر فلسطينية في غزة فإن الأعداد أكبر من المعلن.
إقرأ المزيد


