بين حصار ترمب ووعيد طهران.. العالم يحبس أنفاسه عند بوابة هرمز
الجزيرة.نت -

يحبس العالم أنفاسه مع دخول تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بحصار جميع السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها حيّز التنفيذ، خوفا من أن يساهم القرار في إغلاق تام لمضيق هرمز الحيوي، وبالتالي وقف تدفق النفط من إيران ومن دول الخليج العربي.

على الطرف الآخر، أكد مقر خاتم الأنبياء العسكري أن طهران ستطبق بحزم آلية دائمة للتحكم في مضيق هرمز، محذرا من أن أمن الموانئ في الخليج وبحر عمان إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد.

وتكمن خطورة القرار في أن خُمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، مما يجعل أي اضطراب فيه ذا أثر مباشر وفوري على السوق، وقد ظهر ذلك بوضوح عندما قفزت أسعار النفط -قبل تطبيق الحصار- بأكثر من 8% لتتجاوز 100 دولار للبرميل، مع صعود خام برنت إلى نحو 102 دولار، وارتفاع الخام الأمريكي إلى حدود 104 دولارات، وفق بيانات حديثة نقلتها رويترز.

ومع تزايد المخاوف من تحويل بحر عُمان والخليج العربي إلى ساحة اشتباك وجودي، نشرح في هذا التقرير واقع التهديد، ونكشف حقيقة البدائل المتاحة، ونرسم سيناريوهات النقل البحري حينما يتحول البحر من ممر آمن للتجارة إلى ساحة صراع مفتوحة تلتهم كل شيء أمامها.

سفينة في مضيق هرمز، قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية، 12 أبريل/نيسان 2026 (رويترز)
تأثيرات عالمية

إذا أردنا الحديث عن الأفراد، فإن استمرار إغلاق المضيق يعني ببساطة أن العالم سيُجبر على اتباع حمية طاقة قسرية، ولن يكون ارتفاع الأسعار مجرد أرقام في النشرات، بل واقعا يفرض على الناس تقليل السفر، وترشيد الاستهلاك، ومواجهة غلاء يطال كل شيء، من تذكرة الطائرة إلى كيس البلاستيك.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الرفاهية أو التنقل؛ فحتى المزارعون في نصف الكرة الشمالي، الذين يزرعون محاصيلهم حاليا، سيجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ارتفاع تكاليف مستلزماتهم الزراعية.

إعلان

وبدأت ملامح "أزمة الطلب" تظهر بالفعل في آسيا، حيث بدأت دول في اكتناز الوقود وتقنينه، وسط توقعات مرعبة لخبراء موقع بلومبيرغ بوصول البرميل إلى 200 دولار.

ولكن، إذا كانت هذه حال الأفراد، فما حال الدول؟ والحقيقة المرة أن العالم استند في بدايات الأزمة إلى "وسادات أمان" من احتياطيات الإمداد، لكنها آخذة في النفاد وبسرعة مخيفة، وبلغة الأرقام، فإن إغلاق المضيق شطب من خريطة التدفقات العالمية نحو 11 مليون برميل يوميا.

وحتى مع كل المحاولات اليائسة للتعويض، نجد أنفسنا أمام عجز يقارب 9 ملايين برميل، وهي "فجوة هائلة" تعادل استهلاك كبرى القوى الاقتصادية في أوروبا (المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا) مجتمعة، بحسب بلومبيرغ.

ومع ذلك كله، ما نعيشه اليوم هو "أفضل السيناريوهات السيئة"، فكل ما تحقق من توازن هش كان بفضل حقن مسكنة من مخزونات الطوارئ الضخمة، وإعفاءات أمريكية "اضطرارية" للنفط الروسي والإيراني لشراء الوقت لا أكثر.

والمشكلة الكبرى تكمن في قطاع الغاز الطبيعي المسال، فمضيق هرمز الذي يغذي خُمس احتياجات العالم من الغاز، ومع اقتراب وصول الشحنات الأخيرة القادمة من الشرق الأوسط إلى وجهاتها، تكمن مشكلته في أنه على عكس النفط، لا توجد أنابيب بديلة، ولا طرق التفافية، ولا مخزونات إستراتيجية قادرة على تعويضه، مما يعني انقطاعا وشيكا للتدفقات التي لا يمكن نقلها إلا عبر هذا الممر الضيق.

ولا يتوقف الضرر عند حدود محطات الوقود، فالبترول ليس مجرد احتراق في المحركات، بل هو المادة الخام لصناعة البلاستيك الذي يدخل في كل تفاصيل حياتنا.

الشحنات المتوقفة، نتيجة تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، تتسبب في اضطرابات واسعة النطاق في إمدادات غاز البترول المسال في جميع أنحاء البلاد (الأوروبية)
نفط الخليج حبيس الجغرافيا

وإذا كان العالم يخشى غلاء الأسعار، فإن دول الخليج تواجه خطرا يمس صلب سيادتها المالية، فإغلاق مضيق هرمز يعني بالنسبة للمنطقة تحولها إلى سجن جغرافي، فالثروة التي تملأ باطن الأرض لا تساوي شيئا إن لم تجد طريقا للمياه الدولية.

ومع ذلك يتباين التأثير بين دولة وأخرى بحسب موقعها الجغرافي، فرغم سيطرة إيران على المضيق، فإن عُمان والسعودية والإمارات بوسعها تجاوز هذا الممر عبر خطوط أنابيب وموانئ.

في المقابل، تعطل تصدير نفط العراق والكويت وقطر، إذ تفتقر هذه الدول إلى مسارات بديلة للوصول إلى الأسواق العالمية. وخلص تحليل أجرته رويترز لبيانات صادرات مارس/آذار إلى أن الإيرادات التقديرية الاسمية لصادرات النفط لكل من العراق والكويت هبطت بنحو 3 أرباعها على أساس سنوي. وفي المقابل، ارتفعت إيرادات إيران 37%، وعمان 26%.

وزادت إيرادات السعودية النفطية 4.3%، بينما انخفضت إيرادات الإمارات 2.6%، إذ عوضت قفزة الأسعار انخفاض الكميات.

وتستند هذه التقديرات إلى أحجام الصادرات الواردة من شركة كبلر المتخصصة في تتبع حركة الشحنات وبيانات مبادرة البيانات المشتركة للنفط (جودي)، حيثما توفرت، مضروبة في متوسط أسعار خام برنت، مع المقارنة بمستوياتها قبل عام.

إعلان

ومع ذلك، يرى محللون أنه حتى الدول الأقل تضررا مهددة بوطأة الحصار، فما نفع ارتفاع الأسعار إذا ظل المنتج حبيس الآبار وعجزت الناقلات عن اختراق جدار الجغرافيا المغلقة في هرمز؟

المتضرر الأكبر

وفي مفارقة جيوسياسية صارخة، تبدو الولايات المتحدة وكأنها في مأمن من هذه العاصفة، فهي ليست بعيدة جغرافيا فقط، بل هي اليوم أكبر مصدّر للغاز المسال في العالم. وبينما تعاني المصانع في آسيا وأوروبا من التأثيرات المباشرة، يظل السوق الأمريكي محصنا بإنتاجه الضخم، مما يجعل واشنطن "آخر المتضررين" في هذا الصراع.

في حين تعد آسيا المنطقة الأكثر عرضة لانقطاع الإمدادات، إذ تعتمد بشكل أكبر على واردات النفط الخام والغاز والوقود من الشرق الأوسط مقارنة بباقي أنحاء العالم.

وتسعى الحكومات في جميع أنحاء المنطقة جاهدة للتعامل مع هذا الانقطاع، فقد طلبت الصين من مصافي التكرير وقف صادرات الوقود، وأعلنت كوريا الجنوبية عن فرض سقف لأسعار الوقود لأول مرة منذ 30 عاما، وأغلقت بنغلاديش الجامعات لترشيد استهلاك الطاقة والوقود.

وفي إطار الخطوات الاستباقية لخفض الطلب، نشرت وكالة الطاقة الدولية إرشادات بشأن تدابير لحماية المستهلكين من التأثير الأكبر للأزمة، بما في ذلك العمل عن بعد وزيادة استخدام وسائل النقل العام، وقد بدأت بعض الدول بالفعل باتخاذ إجراءات، حيث أعلنت الفلبين تطبيق أسبوع عمل مؤقت من 4 أيام.

بدورها، تشهد تايلند نقصا في الوقود، بينما أبلغت مئات محطات الوقود في أستراليا عن نقص في المعروض، وألغت شركات الطيران رحلاتها من فيتنام إلى نيوزيلندا، وأعلنت كوريا الجنوبية فرض قيود لمدة 5 أشهر على تصدير النافثا، وهو وقود يستخدم في صناعة البتروكيماويات والبنزين، كما دعت باكستان مشجعي لعبة الكريكيت -رياضة جماعية شهيرة- إلى مشاهدة المباريات من منازلهم حفاظا على الوقود.

ما البديل؟

في محاولة لمواجهة الأزمة، بدأت دول الخليج بتفعيل بدائل إستراتيجية لتجاوز مضيق هرمز، من بينها استخدام خطوط الأنابيب الممتدة إلى البحر الأحمر، التي تتيح تصدير ملايين البراميل يوميا دون المرور بالمضيق، إضافة إلى توسيع الاعتماد على الموانئ البديلة.

كما يبرز خيار استخدام المخزون العائم في البحار، حيث تمتلك بعض الدول الخليجية أسطولا من الناقلات القادرة على تلبية الطلبات العاجلة، مما يوفر هامشا زمنيا لتفادي أي اختناقات مفاجئة في الإمدادات.

وتتنوع البدائل، ومن بينها بدائل قصيرة الأجل تشمل السحب من مخزونات الطوارئ، فدول وكالة الطاقة الدولية ملزمة بالاحتفاظ بمخزونات تعادل 90 يوما على الأقل من صافي الواردات وتفعيل استجابة جماعية عند الأزمات.

كما تشمل ترشيد الطلب عبر تقليل الاستهلاك الصناعي ورفع كفاءة الطاقة والتحول من النفط إلى بدائل حيثما أمكن، وإعادة توجيه شحنات النفط والغاز، وهذا الخيار يمكن استخدامه في النفط، لكن سوق الغاز المسال أكثر حساسية، لأن كثيرا من الإمداد "مقيد" بعقود وبقدرات تسييل وإعادة تغويز.

أما البدائل المتوسطة الأجل، فتكمن في الاستفادة من السعودية التي تمتلك نحو نصف الطاقة الفائضة داخل "أوبك بلس" في الوقت الحالي، مما يعني أن إمكانية زيادة الإنتاج الفعلي تتركز داخل الخليج لا خارجه، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.

ويمكن الاعتماد على بدائل مسارات محدودة، بما فيها المسارات البديلة عبر الأنابيب لتجاوز هرمز، فالطاقة المتاحة لتجاوز المضيق تقدر بنحو 2.6 مليون برميل يوميا فقط في حالة الاضطراب، وهو أقل بكثير من تدفقات هرمز المعتادة.

أما البديل الأبرز والمتاح حاليا، فهو خط الأنابيب السعودي "شرق-غرب" الذي استعادت وزارة الطاقة السعودية طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميا بعد أن كان يضخ مليوني برميل فقط قبيل الحرب.

إعلان

وفي دليل على أن الأزمات تنتج بدائل، وُجد هذا الخط -الممتد 1200 كيلومتر من رأس تنورة شرقا حتى ميناء ينبع على البحر الأحمر– عام 1981 استجابة لحرب الناقلات بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي.

وفي إطار النقل البري، وقع الأردن وتركيا وسوريا اتفاقية تعاون ثلاثية لتفعيل محور الشمال الجنوب بين تركيا وسوريا والأردن بكامل طاقته، مما يخلق أثرا مضاعفا يرفع من إمكانات التصدير وإيرادات الترانزيت.

ولا يقتصر تفعيل الخط على هذه الدول الثلاث، بل تعمل تركيا على وضع خطة تمتد لتشمل مختلف مناطق شبه الجزيرة العربية، وأن تكون جسرا يربط هذه المنطقة بآسيا الوسطى وأوروبا وغيرها، ولفت وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو إلى أن تفعيل هذا المسار سيوفر منفذا حيويا للوصول إلى المحيطات في ظل الظروف الصعبة التي قد تشهدها منطقتا الخليج العربي والبحر الأحمر.



إقرأ المزيد