كيف ينتقم نتنياهو من إسرائيل؟
الجزيرة.نت -

أمين خلف الله

Published On 14/4/2026

تتكشف أزمة إسرائيل في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث يرى عدد من الكتاب الإسرائيليين خلف الحروب المفتوحة، والانقلاب القضائي، والتحالف المتزايد مع القوى الدينية والقومية المتطرفة، معادلة أكثر عمقا؛ إذ لم يعد نتنياهو يدير الدولة وفق رؤية سياسية مستقرة، بل وفق منطق البقاء الشخصي والهروب إلى الأمام، وتصفية الحسابات مع خصومه ومؤسسات دولته.

خصومة شخصية مع الدولة

يقول المحاضر في كلية العلوم السياسية بجامعة تل أبيب والباحث في معهد الفكر الإسرائيلي ساجي الباز -في مقال بصحيفة هآرتس- إن فهم سياسات نتنياهو لم يعد ممكنا من بوابة الأيديولوجيا فقط، بل من بوابة شعوره الشخصي بالانتقام من مؤسسات الدولة التي لاحقته قضائيا.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ويرى رئيس الحكومة -حسب الباز- في الشرطة والنيابة العامة والمستشارين القانونيين وقضاة المحكمة العليا خصوما مباشرين، لأنهم لم يوفروا له الحصانة التي أرادها، بل أوصلوه إلى المحاكمة. ومن هنا لا يبدو الهجوم على القضاء مجرد مشروع "إصلاح" كما يروّج اليمين، بل معركة ثأرية ضد أجهزة الدولة نفسها.

وبهذه القراءة، يصبح "الانقلاب القضائي" -حسب رؤية نتنياهو- أكثر من مجرد تعديل قانوني أو صراع على الصلاحيات؛ إنه محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي بما يضمن تحييد مراكز القوة التي قد تحاسب نتنياهو أو تحد من نفوذه.

المحكمة الإسرائيلية العليا ترفض التماسا بمنع نتنياهو من رئاسة الحكومة (الجزيرة)

وحسب الصحيفة، فإن هذا ما يجعل الدولة -بمؤسساتها الرقابية والقانونية- تبدو في نظر رئيس حكومتها خصما يجب إخضاعه، لا إطارا يجب صونه، مما يعني أن نتنياهو لا ينتقم من خصومه السياسيين فحسب، بل من البنية المؤسسية التي قامت عليها إسرائيل الحديثة.

أيديولوجيا حسب المصالح

ويقول ساجي الباز إن نتنياهو لا يقود مشروعا فكريا متماسكا، بل "يكيّف أيديولوجيته مع واقعه السياسي والقانوني"، ملخصا بذلك طريقة عمله في الحكم خلال السنوات الأخيرة، لأن الرجل الذي تحدث يوما عن حل الدولتين، عاد لاحقا إلى التلويح بالضم، والذي قدّم نفسه مدافعا عن استقلال القضاء، انقلب عليه عندما بات يهدد مستقبله الشخصي، والذي تبنى نهجا اقتصاديا يمينيا، لم يتردد لاحقا في تمويل الحريديم والمستوطنين حين أصبح ذلك ضرورة لحماية ائتلافه.

إعلان

ويضيف الباز أن دعم نتنياهو للتشريعات الدينية، وتوسيع صلاحيات المحاكم الحاخامية، وتسليم ملفات حساسة إلى قوى دينية متشددة، لا يُفهم من منظور إيماني أو عقائدي بقدر ما يُفهم من منظور سياسي صرف، حيث كل ما يحفظ الحكم قابل للتبني، حتى لو أدى إلى تغيير وجه إسرائيل نفسها.

وبهذا المعنى، فإن المشكلة لا تكمن فقط في مواقف نتنياهو، بل في غياب أي سقف مبدئي أو مؤسساتي يحدّد خياراته، فالدولة عنده تدار بمنطق الحاجة إلى النجاة، لا بمنطق الفكرة أو المصلحة العامة.

محاكمة نتنياهو (الجزيرة)
من 7 أكتوبر إلى وهم الحسم

ويرى ساجي الباز أن الوجه الثاني لانتقام نتنياهو هو "الانتقام الوطني"، أي الرد على الإذلال الذي مثله 7 أكتوبر/تشرين الأول بسياسات قوة مفرطة وحروب مفتوحة.

وبالتالي، بدل أن يقود الفشل الأمني إلى مراجعة عميقة، دفع -وفق هذا التحليل- إلى رد فعل عاطفي لا عقلاني، هدفه محو العار واستعادة الهيبة بالقصف والتدمير وتوسيع المواجهات، لتصبح الحرب امتدادا مباشرا لأزمة القيادة، لا مجرد استجابة أمنية محسوبة.

ومن زاوية أخرى، كتب وزير القضاء الإسرائيلي السابق دانيال فريدمان -في يديعوت أحرونوت- أن المشكلة الأعمق تكمن في أن الحكومة تعيش في "عالم وهمي"، وتحاول جرّ الإسرائيليين إليه، بحيث تصبح مواجهة الواقع لاحقا صادمة ومؤلمة.

وفي السياق نفسه، أشارت الكاتبة في صحيفة يديعوت أحرونوت سيما كيدمون إلى أن المرارة التي عمّت إسرائيل بعد وقف إطلاق النار مع إيران لم تكن ناجمة فقط عن نتائج الحرب، بل عن الفجوة الهائلة بين الأهداف التي وُعد بها الجمهور وبين ما تحقق فعليا.

نتنياهو يرفض تشكيل لجنة حكومية للتحقيق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (الأوروبية)

وأوضحت أنه حين يُبنى الخطاب السياسي على وعود كبرى من قبيل إسقاط الخصم أو تغيير المنطقة أو تحقيق نصر ساحق، فإن أي نتيجة أقل من ذلك ستُقرأ داخل إسرائيل على أنها خيبة أو خداع.

لذا لم تعد الحرب في عهد نتنياهو مجرد أداة أمنية، بل تحولت إلى وسيلة لإنتاج سردية نصر مؤقتة، تهدف لتعزيز صورته ضمن حملته الانتخابية التي يراهن عليها تاريخه ومستقبله، حتى لو كان الواقع اللاحق يكشف هشاشتها؛ والحاصل أن إسرائيل دخلت في دوامة حروب لا تُنهي أزماتها، بل تؤجل انفجارها الداخلي.

الثمن الذي تدفعه إسرائيل

وكتب البروفيسور دانيال فريدمان في يديعوت أحرونوت أن إسرائيل لم تعد تواجه فقط تداعيات الحرب الميدانية، بل أيضا انهيارا في مكانتها الدولية، حتى داخل العالم الديمقراطي الذي كان يمنحها تقليديا قدرا واسعا من الدعم.

وقال إن استمرار الحرب، وصعود خطاب القوة المجردة، وتزايد حضور أصوات التطرف داخل الحكومة، كلها عوامل ساهمت في إعادة تشكيل صورة إسرائيل عالميا بوصفها دولة غارقة في العنف، فاقدة للبوصلة السياسية والأخلاقية.

ما لا يستطيع نتنياهو إخفاءه هو التراجع الإستراتيجي الذي وجدت إسرائيل نفسها فيه بعد الحرب

بواسطة سيما كيدمون

وفي الداخل، كتب يوفال كارني في يديعوت أحرونوت أن النظام السياسي عاد سريعا بعد توقف النار إلى أزماته البنيوية، وعلى رأسها قانون الإعفاء من التجنيد، رغم تحذيرات المؤسسة العسكرية من نقص الجنود.

إعلان

لكن الأخطر -كما يكشف كارني- هو بدء حملة منظمة لنزع الشرعية عن لجنة الانتخابات المركزية والترويج المسبق لفكرة "سرقة الانتخابات، وهذه ليست مجرد مناورة حزبية عابرة، بل تأسيس لرواية جاهزة تُستخدم إذا جاءت النتائج على غير ما يريد نتنياهو ومعسكره".

وتضيف سيما كيدمون أن ما لا يستطيع نتنياهو إخفاءه هو التراجع الإستراتيجي الذي وجدت إسرائيل نفسها فيه بعد الحرب، وخصوصا لجهة تزايد ارتهانها للقرار الأمريكي وتقلص قدرتها على فرض شروطها بنفسها.

وبهذا بات الثمن مضاعفا، في الداخل تآكل في الثقة في المؤسسات وقواعد اللعبة الديمقراطية، وفي الخارج تراجع في المكانة وتقلص في هامش المناورة؛ وهذا في جوهره هو أحد أكثر وجوه الانتقام قسوة: أن تدفع إسرائيل كلفة معركة يخوضها نتنياهو فقط من أجل نفسه.

تزايَد ارتهان إسرائيل في عهد نتنياهو (يسار) للقرار الأمريكي وتقلصت قدرتها على فرض شروطها بنفسها (الفرنسية)
مستقبل قاتم

حين نقرأ ما يقوله ساجي الباز في هآرتس إلى جانب ما يكتبه دانيال فريدمان ويوفال كارني وسيما كيدمون في يديعوت أحرونوت، تتشكل صورة قاتمة لإسرائيل في عهد نتنياهو، صورة دولة تتآكل من الداخل وهي تخوض حروبا مفتوحة في الخارج، ومؤسسات تُستهدف لأنها لم تعد تضمن الحماية الكاملة لرجل واحد، ومجتمع يطلب منه أن يصدق روايات نصر لا يصمد كثير منها أمام اختبار الواقع.

لذلك، لم يعد السؤال فقط: إلى أين يقود نتنياهو إسرائيل؟ بل إلى أي مدى بات بقاؤه في الحكم مرادفا لتعميق انقسامها، وإضعاف مؤسساتها، وتوسيع خسائرها الداخلية والخارجية؟

لذا يبدو أن أخطر ما تواجهه إسرائيل ليس فقط خصومها في الخارج، بل قيادة تدفعها -خطوة بعد أخرى- إلى معركة انتقام مع نفسها.



إقرأ المزيد