الجزيرة.نت - 4/16/2026 2:59:06 AM - GMT (+3 )
Published On 16/4/2026
في مساء إسرائيلي مثقل بالتسريبات والتقديرات، بدت شاشات التلفزيون العبرية وكأنها ترسم صورة دولة تقف عند مفترق طرق حساس: ضغوط أمريكية متصاعدة لفرض وقف إطلاق نار مؤقت في لبنان، وتقدم في الاتصالات بين واشنطن وطهران نحو اتفاق إطار قد ينهي الحرب، وفي الداخل انفجار جديد في الصراع على الصلاحيات بين الحكومة والمحكمة العليا.
هكذا، لم يكن المشهد الإسرائيلي -مساء أمس الأربعاء- مجرد متابعة لجبهة الشمال، بل قراءة مكثفة لحكومة تحاول إدارة حرب من الخارج، فيما تتآكل توازناتها من الداخل.
اتفقت القناتان الإسرائيليتان 12 و13 وهيئة البث الرسمية (كان 11) على نقطة مركزية: واشنطن تضغط بقوة على تل أبيب للقبول بوقف إطلاق نار مؤقت في الجبهة اللبنانية.
فقد نقلت القناة 13 -عبر موريا أساروف- اعترافا إسرائيليا واضحا بوجود "ضغط أمريكي شديد" للموافقة على وقف النار في الشمال، بالتزامن مع انعقاد المجلس الوزاري السياسي الأمني من دون حسم نهائي.
وفي الاتجاه نفسه، تحدث يارون أبراهام في القناة 12 عن تقدير إسرائيلي بأن وقف إطلاق النار قد يتحقق "خلال أيام"، مع طرح أمريكي لهدنة مؤقتة تمتد نحو أسبوع، تتيح استكمال التفاهمات السياسية.
أما هيئة البث فنقلت على لسان إيتاي بلومنتال أن إسرائيل لا تستبعد المقترح الأمريكي، خصوصا إذا ترافق مع تعهد بإمكانية العودة إلى القتال إذا فشلت التفاهمات مع إيران، أو استأنف حزب الله إطلاق النار.
لكن هذا المسار لم يظهر في التغطيات بوصفه خيارا إسرائيليا مستقلا، بل كاستجابة شبه قسرية للضغط الأمريكي. لذلك تكرر الحديث في النشرات عن معارضة وزراء داخل الكابينت لهذا التوجه، وعن ضغوط معاكسة تدفع نحو توسيع الهجمات على بيروت وما وراء الليطاني، لا نحو تثبيت تهدئة مؤقتة.
إعلان
وفي ذلك ما يكشف أن النقاش داخل إسرائيل لم يعد محصورا في سؤال الحرب مع حزب الله، بل اتسع إلى سؤال أعمق: من يقرر توقيت المعركة وحدودها، تل أبيب أم واشنطن؟
الزاوية الأهم التي أضافتها القناة 12 جاءت عبر باراك رافيد، الذي نقل عن مسؤولين أمريكيين كبار أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران أحرزت تقدما، وأن الطرفين باتا قريبين من اتفاق إطار لإنهاء الحرب.
وبحسب رافيد، واصل فريق التفاوض التابع لإدارة ترمب -والذي يضم جيه دي فانس و ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر– اتصالاته خلال الساعات الأخيرة مع الإيرانيين، ومع الوسطاء من باكستان ومصر وتركيا، مع تبادل مسودات تفاوضية في محاولة لتقليص الفجوات.
وأضاف أن جولة محادثات مباشرة جديدة قد تُعقد خلال أيام وربما في إسلام آباد، وأن الاتفاق المتوقع -إن تم- سيُبقى في هذه المرحلة عند مستوى المبادئ العامة، مما يرجح الحاجة إلى تمديد إضافي لوقف إطلاق النار الحالي.
أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في الحديث عن تقدم مع إيران، بل في الربط الذي فرضته الشاشات بين هذا المسار وبين الجبهة اللبنانية. فوقف إطلاق النار في الشمال بدا -في التقديرات الإسرائيلية- جزءا من ترتيب أوسع هدفه تبريد الساحات المحيطة بإيران، ومنْع نتنياهو أو شركائه من تفجير جبهة جديدة قد تعطل التفاهمات الجارية. وبذلك، ظهر لبنان في التغطية الإسرائيلية لا كساحة مستقلة، بل كجزء من هندسة تفاوضية أوسع تديرها واشنطن على مستوى الإقليم.
الجيش يريد وقف إطلاق النار لكن بشروطهفي موازاة التسريبات السياسية، حرصت الشاشات الإسرائيلية على إبراز صوت المؤسسة الأمنية. فقد ظهر رئيس الأركان إيال زامير من جنوب لبنان متحدثا عن استمرار الخطط في لبنان وإيران، وعن إبقاء سلاح الجو في حالة جاهزية عالية. الرسالة كانت واضحة: حتى إذا جاء وقف إطلاق النار، فلا ينبغي أن يُقرأ كإعلان نهاية أو تراجع، بل كاستراحة تكتيكية تحتفظ فيها إسرائيل بحرية الضرب والمبادرة.
وفي السياق نفسه، قال المعلق العسكري يوسي يهوشع على قناة آي 24 نيوز (i24NEWS) إن الجيش يريد الحفاظ على "حرية العمل" في لبنان حتى إذا تم التوصل إلى اتفاق، كما كان الحال بعد تفاهمات نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أي الاحتفاظ بحق استهداف أي تحرك لحزب الله ضمن المناطق التي وصل إليها الجيش الإسرائيلي.
كما أشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أن المؤسسة الأمنية تريد مواصلة العمل البري جنوب لبنان لنزع سلاح حزب الله في المناطق الواقعة جنوب الليطاني، مع إمكان تقليص الضربات الجوية فقط في المناطق التي قد ينتشر فيها الجيش اللبناني.
هكذا، بدت الرواية العسكرية الإسرائيلية عاكسةً "وقف نار تحت النار": تهدئة مؤقتة نعم، لكن من دون التخلي عن المكاسب الميدانية، ومن دون التنازل عن حق العودة السريعة إلى القتال.
على الجبهة الداخلية، خصصت القناة 13 مساحة بارزة لجلسة المحكمة العليا الخاصة بالتماسات إقالة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في مشهد عكس حجم التوتر بين السلطتين القضائية والتنفيذية.
إعلان
الجلسة شهدت فوضى منذ بدايتها، مع طرد نائبتين من القاعة، وانتقادات حادة من رئيس المحكمة يتسحاق عميت لتصريحات بن غفير ضد القضاة، مع تأكيده أن وصف المحكمة أو قضاتها بـ"أعداء الأمة" لا يندرج ضمن النقد السياسي المشروع.
وفي المقابل، تمسّك ممثلو الوزير ووزير العدل ياريف ليفين بموقف يعتبر أن المحكمة لا تملك صلاحية النظر في بقاء الوزير في منصبه، وأن هذه الصلاحية تعود حصرا لرئيس الوزراء.
وطلبت ممثلة المستشارة القانونية للحكومة إصدار أوامر مؤقتة تمنع بن غفير من التواصل المباشر مع الضباط، أو التدخل في العمليات، أو الدفع بتعيينات حساسة، بدعوى حماية استقلال الشرطة وحقوق الإنسان.
لكن رد معسكر بن غفير كان حاسما: لا أوامر مؤقتة، ولا قبول بتقييد الوزير، مع الاكتفاء بطرح أن يحدد القاضي نوعام سولبرغ لاحقا ما إن كانت هناك "انتهاكات". وهكذا، لم تعد القضية مجرد نزاع قانوني، بل تحولت -على الشاشات الإسرائيلية- إلى مواجهة مفتوحة على حدود السلطة داخل الدولة نفسها.
لحظة إسرائيلية مكشوفةتكشف جولة المساء في القنوات الإسرائيلية عن لحظة إسرائيلية شديدة الهشاشة: في الخارج، واشنطن تدفع نحو تهدئة مؤقتة في لبنان ضمن مسار أوسع من التفاهم مع إيران؛ وفي الداخل، تتفاقم معركة الصلاحيات بين حكومة اليمين والمحكمة العليا.
وبين هذين المسارين، تبدو حكومة بنيامين نتنياهو محاصرة بين ضغوط الحليف الأمريكي، وحسابات الحرب، وأزمة الشرعية الداخلية. أما المؤسسة الأمنية، فتبدو منشغلة بتثبيت ما تعتبرها "مكاسب ميدانية"، قبل أن يصلها أمر التوقف من المستوى السياسي أو من واشنطن نفسها.
إقرأ المزيد


