الجزيرة.نت - 4/19/2026 6:36:45 AM - GMT (+3 )
في استنساخ لنموذج "قضم الأراضي تحت دواعٍ أمنية" المُطبق في قطاع غزة، أعلن الجيش الإسرائيلي، إقامة خط أصفرَ فاصل في جنوب لبنان، في توجه واضح لترسيخ واقع ميداني دائم، يعكس أطماع تل أبيب التوسعية.
وفي تطبيق عملي للواقع الميداني الجديد، أعلن الجيش الإسرائيلي عن رصد واستهداف من وصفهم بـ"الإرهابيين" بحجة اقترابهم من شمال الخط الأصفر بلبنان، في صورة زعم أنها شكلت "تهديدا مباشرا" لقواته. وأضاف أنه مخوَّل بالتحرك ضد التهديدات، رغم وقف إطلاق النار.
ويعكس هذا الطرح تصورا أمنيا أوسع يستند إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول إقامة منطقة أمنية تمتد من جنوب لبنان حتى حوض اليرموك في سوريا، بهدف ربط المناطق الحدودية ضمن نطاق عازل متصل.
ما هو مفهوم الخط الأصفر؟ وسبب التسمية؟تُطلق إسرائيل هذا المصطلح على الواقع الديمغرافي المستحدث داخل أراضي قطاع غزة ولبنان، والذي تحاول تل أبيب من خلاله ترسيخ واقع ميداني دائم عبر إنشاء منطقة خاضعة للسيطرة العسكرية أو النارية.
وسبق أن تداولت وسائل الإعلام الإسرائيلية طرح تل أبيب بشأن فرض شريط حدودي خالٍ من السكان في لبنان، لا يقتصر الهدف على الانتشار العسكري، بل يشمل منع عودة المدنيين، بما يكرّس واقعا ديمغرافيا جديدا في تلك المناطق، وهو ما جرى تطبيقه بالفعل في قطاع غزة.
علاوة على ذلك، يشكل هذا "الواقع الجديد" ورقة ضغط إسرائيلية في أي مفاوضات أو مباحثات مستقبلية، إضافة لاستخدامه -بحكم التجربة في غزة- كحجة وتبرير لأيّ خروق لاتفاق وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين.
أما فيما يتعلق ببيان سبب اختيار هذا اللون تحديدا، فلم يصدر أي تعليق رسمي إسرائيلي يوضح الدلالة الرمزية وراءه، إلا أن المعالم الميدانية الأبرز لهذا المصطلح تتمثل في المكعبات الإسمنتية الضخمة المصبوغة بالأصفر، والتي وضعها الجيش الإسرائيلي لترسيم حدود انتشاره في قطاع غزة.
إعلان
وبشكل عام، فإن اللون الأصفر يُصنف عالميا كلون للتحذير والتنبيه من الخطر، وهو ما ينسجم مع طبيعة هذه المناطق التي يعتبرها الجيش الإسرائيلي "مناطق عازلة" أو مناطق إطلاق نار يُمنع على المدنيين تجاوزها.
وينضم هذا "الخط الأصفر" إلى ذاكرة من الخطوط الملونة في تاريخ إسرائيل مع الأرض، والتي كان من أبرزها:
- الخط الأخضر: خط الهدنة الذي تم التوصل إليه عام 1949.
- الخط الأزرق: خط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، والمعتمد من الأمم المتحدة.
- الخط الأرجواني: خط وقف إطلاق النار الذي رُسم في أعقاب حرب عام 1967 مع سوريا في جبهة الجولان.
أجاب الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني على هذا التساؤل مبينا أن "الخط الأصفر" في العقيدة الإسرائيلية لا يُفهم كإجراء تكتيكي فحسب، بل كأداة لإعادة تعريف الحدود مؤقتا، وربطها بشروط سياسية وعسكرية، كما حدث في غزة حيث ارتبط استمرار الخط بشرط نزع سلاح حركة حماس.
وأشار العميد جوني -خلال حديثه للجزيرة- إلى أن تطبيق هذا المفهوم في جنوب لبنان يعني ربطه بملف سلاح حزب الله، ما يحول الخط إلى وسيلة ضغط إستراتيجية تتجاوز البعد الميداني المباشر.
ولفت إلى أن المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق والخط الأصفر في لبنان تتحول -وفق هذا النموذج- إلى "منطقة إطلاق نار حرة"، بما يعني إفراغها من السكان وتحويلها إلى ساحة عمليات مفتوحة، تُستخدم كخط دفاع متقدم ونقطة انطلاق لعمليات هجومية محتملة.
ما هي حدوده في غزة ولبنان؟تظهر المعطيات أن المشروع في لبنان يستهدف نحو 55 بلدة وقرية تقع خارج هذا الخط، ما يعني إخضاعها لوجود عسكري إسرائيلي ضمن شريط بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات على طول الحدود.
وفي هذا السياق، قال مدير مكتب الجزيرة في فلسطين وليد العمري إن قرابة 20 من القرى الـ55، تعرضت لتدمير كلي أو جزئي، خصوصا تلك القريبة من خط التماس.
وأوضح العمري أن هذا التوجه يرتبط بما يُعرف داخل إسرائيل بـ"خط الصواريخ المضادة للدروع"، وهو نطاق أمني تسعى تل أبيب إلى تثبيته بعمق قد يصل إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
وأشار إلى أن هذا الواقع -إذا ما جرى تثبيته- يعني عمليا إفراغ مناطق واسعة من سكان تلك المناطق، وهو ما يطرح تداعيات ميدانية وديموغرافية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
أما في غزة فقد مكّن "الخط الأصفر" الجيش الإسرائيلي من فرض تهجير قسري للسكان نحو مناطق محددة، والسيطرة على ما بين 52% و60% من مساحة القطاع.
ويمتدّ الخط على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، مصنفا تلك المساحة إلى مناطق خطرة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ورغم كونه خطا افتراضيا في الأصل، فقد ثبّت الجيش الإسرائيلي كتلا إسمنتية صفراء كبيرة لتحديده ميدانيا، مُحوّلا إياه إلى حزام واضح يمثل نطاق تمركز قواته ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق.
هل هناك فروق بين الخطين الأصفرين في لبنان وغزة؟يتثمل الفارق الرئيس بين الخطين بأن الخط الأصفر في غزة جاء ضمن اتفاق مرحلي، بينما يُطرح في لبنان كقرار إسرائيلي أحادي، ما يجعله عرضة لمواجهة سياسية وربما عسكرية، خاصة في ظل اختلاف الجغرافيا والسياق.
إعلان
ففي غزة، جاء اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد 735 يوما من حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في القطاع، ونص الاتفاق في مرحتلة الأولى على انسحاب قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو الخط الأصفر.
وينص الاتفاق في مرحلته الثانية على انسحاب إسرائيل بالكامل خارج قطاع غزة -وهو ما لم تطبقه تل أبيب- مؤكدة أنها لا تنوي الانسحاب شرق الخط الأصفر في غزة حتى إحراز تقدم في نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
أما بشأن اتفاق هدنة الـ10 أيام في لبنان الذي دخل حيز التنفيذ مساء الخميس الماضي، فلم يُلزم إسرائيل صراحة بالانسحاب ولم يشترط نصا نزع سلاح حزب الله، كما أنه لم يذكر مصير مئات الآلاف من النازحين، لكنه أقر باحتفاظ إسرائيل بحق اتخاذ التدابير اللازمة "للدفاع عن النفس".
وتستغل إسرائيل بند "الدفاع عن النفس" كغطاء لتكريس التوغل في لبنان وتشكيل "منطقة أمنية عازلة" خالية من السكان، في الوقت الذي تطالب فيه السلطات اللبنانية بإستعادة السيادة على أراضيها، أما حزب الله فقد أوقف إطلاق النار، لكنه يرفض منح إسرائيل "حرية التنقل" داخل لبنان، ويؤكد أن استمرار الوجود الإسرائيلي يمنح الشعب والمسلحين "الحق في المقاومة".
بينما تصر الحكومة الإسرائيلية على أن هذه الخطوط هي "ضرورات أمنية مؤقتة"، فإن هناك تيارات يمينية ومراكز دراسات تربط بينها وبين رؤية توسعية طويلة المدى.
ووردت تصريحات عديدة من وزراء إسرائيليين وقادة في الجيش الإسرائيلي تؤكد أن تل أبيب تنظر إلى "الخط الأصفر" كحدود فعلية لإسرائيل، وهو ما جاء صراحة على لسان قائد أركان الجيش، إيال زامير.
وقال زامير -خلال جولة ميدانية في قطاع غزة- في ديسمبر/كانون الأول الماضي، إن الخط الأصفر يُمثل "الحدود الجديدة" بين إسرائيل وقطاع غزة.
وفي السياق، أشارت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أن تل أبيب استغلت انشغال العالم بالحرب على إيران، وبدأت بتطبيق خطط توسعية في الضفة الغربية المحتلة في غير مسبوقة منذ حرب الأيام الستة عام 1967.
كما كشفت الصحيفة في تحقيق موسع لها، أن الجيش الإسرائيلي بنى مواقع عسكرية وبنية تحتية ضمن الخط الأصفر في قطاع غزة تشير إلى خطط لوجود عسكري راسخ طويل الأمد.
يتسق ذلك كله مع إعلان بنيامين نتنياهو في الثالث عشر من أغسطس/آب 2025 عن تأييده لرؤية "إسرائيل الكبرى" وهو مشروع توراتي يستحضر الموروث التلمودي لتبرير سياسة إسرائيل التوسعية، خاصة وأنه توعّد قبل أعوام بقيادة "إسرائيل" إلى ما سماه "قرنها المئوي"، وفاجأ الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول 2023 بعرضه "خريطة إسرائيل تتضمن غزة والضفة".
ويتبنى هذا المشروع اليمين الإسرائيلي المتشدد المتحالف اليوم مع نتنياهو، وقد طرحه زعيم حزب "البيت اليهودي" المتطرف بتسالئيل سموتريتش عام 2016، وكان حينها عضوا في الكنيست، مشيرا في مقابلة تلفزيونية إلى أن "حدود إسرائيل يجب أن تمتدّ لتشمل دمشق، إضافة إلى أراضي 6 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر ومن السعودية، لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات".
وطرح حزب "الليكود" مشروع "إسرائيل الكبرى" منذ وصوله بزعامة مناحيم بيغن إلى السلطة في إسرائيل عام 1977، وحوّله إلى برنامج سياسي بني على أفكار ولدت قبل ذلك بكثير، وتبعتها التغييرات باستخدام الاسم التوراتي للضفة الغربية "يهودا والسامرا "والترويج للاستيطان اليهودي.
وبين المزاعم الأمنية والأطماع التاريخية، يبرز "الخط الأصفر" كحلقة وصل تقنية لتثبيت التوسع؛ فهو يمنح الفكر الاستيطاني غطاء عسكريا، محولا "الحدود المؤقتة" إلى لبنة أساسية في مشروع قضم الأراضي الذي يبدأ بذريعة الأمن وينتهي بفرض سيادة الاحتلال بالأمر الواقع.
إعلان
إقرأ المزيد


