السنغال وصندوق النقد.. أرقام متناقضة وطريق شاق للخروج من الأزمة
الجزيرة.نت -

Published On 19/4/2026

خرجت السنغال وصندوق النقد الدولي برسالتين متباينتين في النبرة والمضمون، وذلك على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن هذا الأسبوع، رغم أن الطرفين يجلسان إلى الطاولة نفسها منذ أكثر من عام ونصف بحثا عن مخرج لأزمة مالية تُعدّ الأعمق في تاريخ البلاد.

فقد عقد وزير المالية السنغالي الشيخ ديبا ووزير الاقتصاد عبد الرحمن سار يوم الإثنين الماضي 3 اجتماعات في نيويورك مع مسؤولي صندوق النقد الدولي، بمن فيهم المديرة العامة كريستالينا جورجييفا، وفق ما أفادت به إذاعة فرنسا الدولية.

وبمجرد انتهاء الاجتماعات، أعلن وزير الاقتصاد أن "السنغال تسير على مسار التوحيد المالي". في المقابل، جاء رد جورجييفا مقتضبا ومغايرا، إذ لم تشر إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد، واكتفت بتدوينة على منصة "إكس" شددت فيها على الحاجة إلى إصلاحات "للحد من مكامن الضعف في الدين"، وهو ما يعكس -بحسب مصادر نقلتها الإذاعة الفرنسية- أن مؤسسة بريتون وودز ترى أن تقديرات داكار "مفرطة في التفاؤل".

شددت المديرة العامة لصندوق النقد كريستالينا جورجييفا على ضرورة إصلاح هيكلة الديون السنغالية. (رويترز)
فجوة الأرقام

تتجاوز الفجوة بين الطرفين حدود الخطاب لتبلغ صميم الأرقام. ففي أحدث تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، الذي نقلت تفاصيله وكالة رويترز، خفض الصندوق توقعات نمو الاقتصاد السنغالي في 2026 إلى 2.2% بعد أن كانت 3.0%، في حين تتمسك داكار بتقدير 2.5%، كما رفع توقعاته لعجز الحساب الجاري إلى 6.2% من الناتج المحلي مقابل 5.4% سابقا. إضافة إلى رفع توقعات التضخم إلى 2.6% بدلا من 2.0%.

وتبقى هذه الأرقام أدنى من المتوسط الإقليمي لأفريقيا جنوب الصحراء (4.3%). أما على مستوى العجز في الميزانية، فتستهدف الحكومة خفضه إلى 5.4% من الناتج المحلي في 2026 بعد أن كان 7.8% في 2025، وفق بيان بعثة صندوق النقد الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الذي وصف ميزانية 2026 بأنها "طموحة جدا" ودعا إلى "توقعات أكثر تحفظا".

إعلان

وتعود جذور الأزمة إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024، حين جمد الصندوق برنامج تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار بعد الكشف عن "دين مخفي" تراكم في عهد الرئيس السابق ماكي سال.

وبحسب بيان الصندوق في 26 مارس/آذار 2025، كشف تدقيق محكمة الحسابات السنغالية أن الدين الفعلي نهاية 2023 بلغ 99.7% من الناتج المحلي مقابل 74.4% المعلنة رسميا، وأن الاقتراضات المخفية مثلت 25.3 نقطة مئوية من الناتج المحلي. وقد قدر الصندوق لاحقا الدين الإجمالي للقطاع العام وشبه العام بـ132% من الناتج المحلي نهاية 2024، بينما تقدر قيمة الدين المخفي بنحو 13 مليار دولار، وفق ما نقلته رويترز.

واقترح صندوق النقد على داكار إعادة هيكلة الدين، غير أن رئيس الوزراء عثمان سونكو رفض المقترح في اجتماع حزبه في 8 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وعوضا عن إعادة الهيكلة، راهنت الحكومة على "خطة الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي" لتعبئة 762.6 مليار فرنك من أفريقيا الغربية عبر ضرائب جديدة تشمل ألعاب الحظ (300 مليار)، وخدمات الدفع عبر الهاتف (76.5 مليار)، واستيراد الهواتف والمركبات، بحسب مجلة "أفريك 21".

رئيس الوزراء عثمان سونكو رفض مقترح الصندوق بإعادة هيكلة الديون. (رويترز)
معادلة الثقة

نقلت رويترز عن المدير الأفريقي لصندوق النقد أبيبي سيلاسي قوله إن المحادثات الأخيرة بين الطرفين في واشنطن كانت "إيجابية" لكنها تحتاج "مزيدا من التأمل"، مؤكدا حرص الصندوق على "تجنّب فرض قدر كبير من التقشف على الشعب السنغالي".

غير أن الاتفاق يبقى بعيد المنال في ظل التباين العميق، فبحسب تحليل موقع "فاينانشال أفريك" (Financial Afrik)، يتعين على السنغال سداد نحو 1.1 مليار دولار من سندات اليوروبوندز خلال السنوات الثلاث المقبلة، في حين تتداول سنداتها بين 50 و70 سنتا لليورو -وهو مستوى نموذجي للديون المتعثرة- وارتفعت أسعار فائدتها من 4% إلى أكثر من 12%.

وبين تفاؤل داكار الذي يرى الضوء في نهاية النفق، وواقعية الصندوق التي ترى النفق أطول، يبدو أن التباين في الأرقام ليس إلا واجهة لتباين أعمق في قراءة الاقتصاد والسياسة والسيادة.



إقرأ المزيد