الوقف الإسلامي.. هندسة الاستدامة قبل عصر المؤسسات
الجزيرة.نت -

يعد الوقف أحد أبرز الأدوات التي أسهمت في بناء البنية الاجتماعية والاقتصادية في الحضارة الإسلامية، إذ لم يقتصر دوره على العمل الخيري المباشر، بل تجاوز ذلك ليشكّل منظومة مستدامة لتمويل الخدمات العامة، من تعليم وصحة ورعاية اجتماعية، عبر آلية تضمن استمرار الموارد وتجددها.

ويُعرَّف الوقف بأنه حبس الأصل وتسبيل المنفعة؛ أي إنّ من يوقف أرضًا أو دكانًا لا ينقل ملكيتهما إلى مالك جديد وينتهي الأمر، بل يُخرج ما تبرع به من دائرة البيع والشراء نهائيا، ويثبته أصلا دائما، فيما تُصرف عوائده، كغلة الأرض أو إيجار الدكان، في غرض محدد يعيّنه الواقف، أو يفوض القائمين على الوقف بتوجيهه إلى وجوه الخير.

بهذا المعنى، يختلف الوقف عن التبرعات العابرة التي ينفق فيها المال ثم ينقضي أثره؛ إذ يحوّل المال الموقوف إلى مصدر نفع مستمر، أشبه بآلة إنتاج لا تتوقف، ومن هنا اكتسب الوقف مكانته باعتباره واحدا من أهم أدوات العمل الخيري؛ فهو لا يستهلك رأس المال، بل يفعّله ويضمن استمراريته.

ويمثّل الوقف ما يمكن وصفه بـ"القطاع الثالث"؛ فلا هو ملك للدولة، ولا نشاط ربحي خاص، بل مساحة وسطى توجه لخدمة المجتمع، وتسهم أصوله الريعية -من عقارات وأراض زراعية ومحال تجارية- في تمويل مؤسسات خدمية، مثل المساجد والمدارس والمستشفيات والمكتبات.

وقد حظي الوقف بعناية واسعة في الفقه الإسلامي؛ إذ تناولت كتب الفقه قضاياه المختلفة، من استبدال الموقوف ونقله إلى بيعه، وخصصت لذلك مساحات معتبرة. ومع تطور البحث الفقهي، ظهرت منذ القرن الثالث الهجري مصنفات مستقلة في هذا المجال، مثل كتاب "أحكام الوقف" لهلال الرأي (ت 245هـ) والخصّاف (ت 261هـ)، ثم تتابعت الكتابات في هذا الباب ضمن أبواب الفقه و"نوازل الوقف".

أنواع الوقف وبداياته في الإسلام

لا يقتصر الوقف على نوع بعينه من الأصول؛ إذ يمكن لأي شخص أن يوقف ما له منفعة، سواء أكان أصلا غير منقول، كالأراضي والعقارات والمحال والمشافي والمدارس، أم أصلا منقولا، كالكتب والأدوات والأثاث.

إعلان

كما يتنوع المستفيدون تبعا لنوع الوقف؛ فقد يكون الوقف أهليا مخصصا لذرية الواقف، أو خيريا يعود نفعه إلى عموم المجتمع، أو مشتركا يجمع بين الاثنين.

وتعود البدايات العملية للوقف إلى عهد النبوة؛ إذ يعد مسجد قباء أول وقف في الإسلام، تلاه المسجد النبوي في المدينة. أما أول وقف خيري، فقد اختلفت الروايات بشأنه؛ فذهب بعضهم إلى أنه وقف أموال مخيريق الذي أسلم يوم غزوة أحد وقتل فيها، وأوصى بأن تكون أمواله للنبي ﷺ يتصرف فيها وفق ما يراه، فكانت بساتينه السبعة التي آلت إليه نواة لوقف خيري.

في المقابل، يرى آخرون أن أول وقف خيري تبلورت معالمه كان بعد فتح خيبر، عندما استشار عمر بن الخطاب النبي ﷺ في أرض أصابها، فقال له: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها"، ففعل، مشترطا ألا تباع ولا توهب ولا تورث. وقد مثل هذا النموذج ضبطا واضحا لفكرة الوقف، قائما على تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.

إدارة الوقف

تدار الأوقاف عبر أفراد أو لجان أهلية أو جهات رسمية متخصصة، وقد تطورت أنماط إدارتها مع مرور الزمن، حتى غدت مؤسسات قائمة بذاتها، خاصة مع نشوء المدارس الوقفية التي لم تقتصر على التعليم، بل وفّرت مساكن للطلبة ورواتب للمعلمين والعاملين.

وفي التجربة المبكرة، أشرف عمر بن الخطاب بنفسه على أرضه الموقوفة، ثم أوصى بإدارتها إلى ابنته حفصة، على أن تؤول إدارتها بعد ذلك إلى كبار آل عمر.

ومع اتساع رقعة الأوقاف في الدولة الأموية، استُحدثت إدارة خاصة بها عرفت بـ"ديوان الأحباس"، بعد أن كانت تدار من قبل أصحابها مباشرة. وقد شكّل إنشاء ديوان خاص بالأوقاف خطوة مهمة لحفظها من الضياع، وتطورت آليات تسجيلها وتوثيقها تدريجيا، وصولا إلى مستوى متقدم في العهد العثماني.

وفي العصر الحديث، أنشأت دول عربية وإسلامية إدارات ووزارات مختصة بالأوقاف، مع تفاوت في التوقيت والآليات. ومع ذلك، يبقى الأصل أن يصرف الوقف وفق شرط الواقف؛ فالجهة المديرة، حتى لو كانت حكومية، يقتصر دورها على الإشراف والتنظيم، ما لم تفوض بغير ذلك.

ويمنح هذا الإطار الأوقاف قدرا من المرونة، يسمح بإدارة مؤسسية فعالة دون الارتهان الكامل لبيروقراطية الدولة في آليات تنفيذ المشاريع أو التقيد بطرق الإنفاق الحكومي.

خصائص الوقف وآثاره

يقوم الوقف على مبدأ الاستدامة، عبر الحفاظ على الأصل واستمرار المنفعة، ويتمتع بدرجة من الاستقلال عن الدولة والسوق، مع مرونة في توجيه الموارد وفق شروط الواقف. كما يتسم بطابع مؤسسي منظم، يراكم ثقة مجتمعية بمرور الوقت.

وقد انعكست هذه الخصائص في آثار متعددة؛ فعلى الصعيد الإيماني، يعزز الوقف الشعور بالمسؤولية ويوفر للواقف الثواب الذي لأجله أوقف ماله، بينما يسهم اقتصاديا في إعادة توزيع الثروة وتنشيط الأسواق وخلق فرص العمل، بما يدعم الاستدامة.

وفي المجال التعليمي، شكل ركيزة لتمويل التعليم والبحث العلمي، وأسهم في استقلال العلماء، في حين عزز اجتماعيا قيم التكافل والحد من الفقر والجريمة. كما أسهم في دعم وظائف الدولة دون أن يندمج فيها، وكان له حضور واضح في العمران وتخطيط المدن.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الوقف بوصفه قوة اجتماعية ناعمة، تترجم القيم الأخلاقية إلى ممارسات ملموسة، وتدعم بناء مجتمع متوازن يتجاوز النزعات الفردية والمادية، ويبرهن على قدرة المجتمعات على ابتكار حلول ذاتية لتحدياتها، مما يجعله نموذجا حاضرا بقوة في النقاشات المعاصرة حول التنمية والمجتمع المدني.

أبراج الساعة قرب الكعبة المشرفة جزء من مشروع وقف الملك عبد العزيز لخدمة حجاج بيت الله الحرام (رويترز)
التعديات على الأوقاف

بلغ الوقف في التاريخ الإسلامي درجة عالية من التنظيم والاتساع، حتى تحول إلى مؤسسة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاقتصادية والاجتماعية.

إعلان

وقد تنافس الأمراء والسلاطين وكبار رجال الدولة وأهل اليسار في إنشائه وتوسيعه، ولم تقتصر أوقافهم على المؤسسات الخدمية، بل دعَّموها بأصول استثمارية، كالعقارات والأسواق، لضمان تدفق عوائد منتظمة تغطي نفقاتها وتكفل استمراريتها.

غير أن هذا الازدهار لم يمنع محاولات الاعتداء عليه؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى سعي بعض الأمراء والولاة للاستيلاء على الأوقاف. ويذكر المقريزي أن الناصر بن قلاوون حاول الاستحواذ على جزء من أحباس المساجد (كالدكاكين والأراضي الزراعية التي يعود ريعها للنفقة على المساجد)، لكنه توفي قبل تنفيذ ذلك.

كما لجأ بعض الولاة إلى وسائل ملتوية، مثل الاستبدال، بمساندة قضاة فاسدين وشهود زور، مما دفع الفقهاء إلى التشدد في هذا الباب وتقييد إجراءاته.

وشهدت بعض المراحل محاولات لإلغاء أنواع من الأوقاف، كالأوقاف الأهلية، كما حدث في عهد الظاهر بيبرس، غير أن مقاومة العلماء -وفي مقدمتهم الإمام النووي- أحبطت هذه المساعي. وقد ترتب على موقفه هذا أن أخرج من دمشق، فعاد إلى بلدته نوى، حيث أقام فيها حتى توفي.

وفي العصر الحديث، برزت سياسات أكثر جذرية، مثل ما قام به محمد علي في مصر، حين ألغى الأوقاف كلها، ثم انتزع أغلب أوقاف المساجد في مصر وجعلها ملكا للدولة، فحظر الوقف مدة ثم سمح به بعد ذلك. لتنتقل في وقت لاحق النقاشات والقوانين المتعلقة بالأوقاف إلى المجالس التشريعية والحكومات في دول عدة.

وفي البوسنة والهرسك تحديدا، بلغ حضور الوقف حدا لافتا، حتى أصبح جزءا من أسماء بعض المدن والبلدات، مثل: كولن وقف (Kulen Vakuf)، وسكندر وقف (Skender Vakuf) وغيرها، في دلالة واضحة على عمق الدور الذي أدته الأوقاف في تشكيل المجال العمراني والاجتماعي هناك.

غير أن هذه الأوقاف تحولت لاحقا في عهد الحكم النمساوي الهنغاري، ثم في عهد يوغوسلافيا الاشتراكية، ثم بقوانين التأميم والإصلاح الزراعي؛ إلى كلأ مستباح حتى صودرت ملايين الدونمات من الأراضي، وهدمت الكثير من الجوامع والمدارس، واستولي على المتاجر والمطاحن والفنادق والمصحات وما أشبهها من المؤسسات الوقفية.

وبفعل هذه التحولات، تعرض الوقف -في بلاد عربية وإسلامية- لهزات عميقة، تفاقمت مع حقب الاستعمار وما تلاها من سياسات حكومية، شملت الاستيلاء على الأعيان، أو إهمال الوثائق، أو إضعاف الهياكل الإدارية، مما أفضى إلى ضياع حقوق كبيرة وتشويه دور الوقف ووظيفته.

صفحة من مخطوطة عثمانية عام 1747 ميلادي تشير إلى صك وقف لمدرسة سيل (شترستوك)
وثائق الوقف العثمانية

تمثل وثائق الأرشيف العثماني توثيقا لسجل إداري دقيق لدولة امتد سلطانها قرونا وشمل مساحات واسعة من العالم العربي؛ ومن ثم فهي لا تعبّر عن تاريخ تركيا الحالية فقط، بل تعد مكونا أصيلا من الذاكرة التاريخية والقانونية لعدد كبير من البلدان العربية.

وتكمن قيمة هذه الوثائق فيما تحويه من بيانات مفصلة عن الملكيات، إلى جانب ما تتميز به من دقة تنظيمية وسجلات إجرائية محكمة لإدارة الأوقاف، وهو ما يمنحها وزنا قانونيا معتبرا في إثبات الحقوق واستعادة الممتلكات.

وقد تجلت هذه الأهمية بوضوح في سياقات عملية؛ من أبرزها ما جرى أثناء نزاع طابا في المفاوضات الإسرائيلية المصرية، حين أسهمت الوثائق العثمانية في ترجيح الموقف المصري، إذ دلت بوضوح على تبعية طابا لمصر، فكان لها دور حاسم في استعادتها.

وعلى الصعيد الفلسطيني، حصلت مؤسسة "إحياء التراث والبحوث الإسلامية" في أبو ديس عام 2018 على مجموعة من الوثائق العثمانية المتعلقة بفلسطين، بما يعين الفلسطينيين على إثبات ملكيات أراضيهم وعقاراتهم. كما سعى أهالي الشيخ جراح في القدس إلى توظيف وثائق الطابو العثماني لإثبات حقوقهم.

إعلان

ولا يختلف الحال في سوريا، التي بقيت جزءا من الدولة العثمانية قرابة 4 قرون، إذ يزخر الأرشيف العثماني بوثائق ضخمة تتعلق بالأوقاف فيها، وهو ما دفع وزارة الأوقاف السورية إلى طلب نسخ من تلك الوثائق، في محاولة لحصر التعديات التي طالت الأوقاف في العقود الماضية، وإعادة بناء صورة أدق لحقوقها وأصولها.



إقرأ المزيد