الجزيرة.نت - 4/22/2026 12:22:58 PM - GMT (+3 )
Published On 22/4/2026
عندما انتحر أكبر أبناء ريبيكا لوف عام 2019، عن عمر 25 عاما، شعرت وكأن عالمها انفجر بين عشية وضحاها. وفي الأيام والأسابيع التالية، بينما كانت بالكاد قادرة على تحمّل أسوأ ألم عرفته في حياتها، ظل الناس يرددون على مسامعها الجملة نفسها: "أنت قوية جدا".
كان القائلون يظنون أنهم يواسونها، لكنها شعرت أن هذه الكلمات تجرح أكثر مما تهدئ. تقول لوف، وهي معالجة نفسية في كاليفورنيا، لمجلة "تايم"، إنها احتاجت وقتا طويلا لتفهم ما يزعجها في هذه العبارة، قبل أن تدرك أنها تبطل مشاعرها بدل أن تعترف بها. وتشرح "كأنهم يقولون: أنا لا أرى معاناتك، ولا أقر بمدى فظاعة ما تمرين به".
وبينما كان الآخرون يشيدون بـ"قوتها"، كانت ريبيكا تشعر أنها فقط تحاول البقاء على قيد الحياة، لا تعوّل على صلابة داخلية خارقة، بل على أشخاص ظلوا إلى جوارها: زوجها ووالدتها وأقرب صديقاتها، الذين أدركوا أن أحدا لا ينجو من فقدان طفل بمفرده، فلم يقولوا لها "أنت قوية"، بل حضروا ورافقوا الألم بصمت.
يرى خبراء نفسيون أن عبارة مثل "أنت قوي" تقال غالبا بحسن نية، لكنها تحمل رسائل خفية قد تصطدم بما يشعر به الشخص المكلوم.
توضح المعالجة النفسية آمي مورين، مؤلفة كتاب "13 شيئا لا يفعله الأقوياء ذهنيا"، أن القوة الحقيقية تعني إظهار المشاعر وطلب المساعدة والاعتراف بأننا نعاني، بينما يخلط كثيرون بينها وبين "التصلّب" أو ادعاء الصمود. وتقول إن تعليقا مثل "أنت قوي جدا" يترجم عمليا إلى: "عمل رائع في عدم إظهار مشاعرك!" أو "أنا معجب بقدرتك على التماسك".
النتيجة أن الشخص الحزين قد يشعر بأنه مطلوب منه إخفاء مشاعره الحقيقية، وألا يطلب العون، وألا يسمح لنفسه بالانهيار أمام الآخرين.
إعلان
تتكلم مورين من تجربة شخصية، ففي السادسة والعشرين من عمرها فقدت والدتها، ثم زوجها. تتذكر شخصا قال لها -وهو يظن أنه يواسيها- إن عدم بكائها "يُظهر كم هي قوية". لكنها، كمعالجة نفسية، كانت تدرك أن الناس كثيرا ما يضعون "قناعا شجاعا" في الأماكن العامة لمجرد عبور اليوم، وأن قراءة هذا القناع على أنه قوة يبعث برسالة خاطئة تماما.
الأخصائية الاجتماعية لورين جيسيل تضيف أن الإنسان في الأزمات لا يكون "قويا" بالمعنى المتداول بقدر ما يحاول أن يتعامل مع ما فُرض عليه من ظروف. وعندما يسمع عبارة "أنت قوي"، قد يشعر أن تجربته أعيد تأطيرها بشكل لا يشبه ما بداخله، وكأن أحدا يصف له صورة لا تمتّ إلى مشاعره بصلة. كما أن هذا النوع من الثناء يزيد الضغط على بعض الأشخاص ليبقوا معاناتهم في الداخل، خصوصا من تعلّموا أن إظهار الهشاشة "غير مقبول".
أما ريبيكا لوف، فترى أن الإشادة بالقوة في مثل هذه اللحظات تشبه "مدح القدرة على إخفاء الهشاشة". عندما قيل لها مرارا إنها قوية، لم تشعر بأنها مرئية، بل شعرت بأنها مُسكتة. تقول "عبارة أنت قوية جدا في حقيقتها تجاهل. إنها لا تفتح بابا للحوار، ولا تمنح الشخص فرصة ليقول: أنا لا أشعر بالقوة".
لماذا نتمسك بهذه العبارة رغم أذاها؟إذا كانت هذه الكلمات موجعة إلى هذا الحد، فلماذا نكررها على مسامع من نحب؟
تفسر آمي مورين ذلك بأن العبارة تهدئ قلقنا نحن أكثر مما تسعف الشخص الذي أمامنا. عندما نرى شخصا عزيزا يغرق في الحزن أو الصدمة، ترتفع مستويات توترنا ولا نعرف ماذا نقول، ونخشى أن نزيد الأمر سوءا. وإذا بدا هذا الشخص "متماسكا" من الخارج، نتمسك بهذه الصورة ونردد "أنت قوي"، بحثا عن نوع من الطمأنينة: إذا كان قادرا على احتمال ما يمر به، فربما أستطيع أنا أيضا تحمّل شيء مماثل لو حدث لي.
تقول لوف إنها تتفهم هذا الدافع، لكنها تشير إلى ثمنه الخفي: نحمّل الشخص المكلوم عبئا إضافيا، فهو لا يواجه ألمه فحسب، بل يضطر أيضا لطمأنة من حوله والتقليل من وقع ما يمر به حتى لا يقلقهم. وترى أن جذور المشكلة أعمق، فنحن "مجتمع لا يتحدث عن الحزن"، ولا يملك لغة ولا تمرينا كافيا على الجلوس في حضرة الألم دون محاولة إصلاحه أو تغليفه بعبارات جاهزة.
يرى الخبراء أن أفضل ما يمكن تقديمه للموجوعين ليس نصيحة بارعة، بل حضور حقيقي. تقول ريبيكا لوف إن أكثر ما لمسها لم يكن جملة مُحكمة، بل اعتراف بسيط: "لا أعرف ماذا أقول، لكني أحبك، وأنا هنا من أجلك". هذا النوع من الصدق كان أكثر مواساة من أي عبارة منمقة، لأنه لا يتظاهر بامتلاك كلمات تليق بالخسارة.
وتلفت لوف إلى أن الصمت نفسه مُهمل ومُستخفّ به، فالناس يميلون إلى ملء الفراغ بالكلام أو تغيير الموضوع أو سرد حكاية عن أنفسهم، بينما قد يكون أجمل ما يمكن تقديمه لمن يتألم هو الجلوس إلى جواره دون محاولة تغيير مشاعره أو اختصارها. "وجودك وحده شديد القوة. ليس عليك إصلاح الأمر، يكفي أن تشهد ما يحدث"، تقول لوف.
إعلان
أما آمي مورين فتقترح عبارات تُطبع الحزن في سياقه الطبيعي، من قبيل:
- "أتصور أنك تشعر الآن بمشاعر كثيرة، وهذا طبيعي".
- أو "لا أستطيع تخيل ما تشعر به الآن، لكن ما تحس به مفهوم".
- أو "أعلم أنك مضطر إلى التماسك في العمل، لكن إذا شعرت برغبة في الحديث فأنا هنا".
وتؤكد أن عرض الدعم يجب أن يكون حقيقيا لا مجاملة عابرة، فالأسئلة المفتوحة القصيرة مثل: "كيف حالك الآن؟"، إذا قيلت بجدية واستعداد للإصغاء، قد تفتح الباب لحديث عميق أكثر بكثير من خطبة عن القوة والصبر.
من جهتها تشدد لورين جيسيل على أن الهدف ليس دفع الشخص لتجاوز محنته سريعا، بل مرافقته خلالها. ويمكن ببساطة سؤاله عن نوع الدعم الذي قد يفيده أكثر في هذه المرحلة، فالبعض يحتاج إلى عون عملي ملموس، وآخرون بحاجة فقط إلى أذن صاغية وقلب متفهّم.
عندما تؤذيك عبارة المواساة.. هل يحق لك الرد؟تذكّر ريبيكا لوف من يمرون بفترات حداد بأنهم غير مضطرين لابتلاع كل ما يقال لهم. إذا سمعتَ عبارة مثل "أنت قوي" وشعرت أنها لا تساعدك، يمكن بكل بساطة أن تقول: "هذا لا يساعدني" أو "هذه الجملة ليست مفيدة لي الآن".
تقول لوف إنها تشجع مراجعيها على الاحتفاظ بجملة قصيرة كهذه "في الجيب"، لأنها ترسم حدا واضحا من دون انفجار أو قطيعة. وغالبا ما يكون وقعها تعليميا أيضا، فكثيرون -كما تروي- لم يدركوا أصلا أن عبارات من هذا النوع تؤلم بدل أن تواسي، إلى أن واجههم شخص متألم بقوله: "هذا لا ينفعني". عندها فقط يعيدون التفكير في كلامهم، وربما يتوقفون عن تكرار هذه الجملة مع الآخرين.
إقرأ المزيد


