الجزيرة.نت - 4/25/2026 11:51:49 AM - GMT (+3 )
في عالم يتسارع فيه السباق نحو الحوسبة الكمية، أعلنت شركة إنفيديا الأمريكية عن إطلاق عائلة نماذج إيزينغ (Ising Models)، وهي أول عائلة نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر مصممة خصيصا لتسريع بناء معالجات كمومية قادرة على تشغيل تطبيقات حقيقية.
وسُميت النماذج تيمنا بنموذج رياضي شهير يُستخدم في الفيزياء الإحصائية لوصف التفاعلات بين الذرات، ولكن إنفيديا -التي يتركز نشاطها الرئيسي على وحدات معالجة الرسومات التي تدعم الذكاء الاصطناعي- حولته إلى أداة ذكاء اصطناعي برؤية رقمية حديثة.
ومن المتوقع أن يتجاوز حجم سوق الحوسبة الكمية 11 مليار دولار أمريكي عام 2030، وفقا لشركة الأبحاث ريزونانس (Resonance)، ولكن يعتمد هذا النمو بشكل كبير على التقدم المستمر في معالجة التحديات الهندسية الأساسية، مثل تصحيح الأخطاء الكمية.
ما هي نماذج إيزينغ من إنفيديا؟في السنوات الأخيرة، واجهت الحوسبة الكمية تحديين رئيسيين من أجل إيجاد تطبيقات مفيدة، يتمثلان في تصحيح الأخطاء الكمية والمعايرة في الوقت الفعلي، وتستهدف نماذج إيزينغ كليهما مباشرة، مما يفتح الباب أمام أنظمة هجينة تجمع بين الحواسيب الكمية والتقليدية.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ إن "الذكاء الاصطناعي ضروري لجعل الحوسبة الكمية عملية. مع نماذج إيزينغ، يصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة نظام التشغيل للآلات الكمية".
وتشمل عائلة إيزينغ نموذجين مفتوحي المصدر بالكامل لتصحيح الأخطاء في الوقت الفعلي والمعايرة، ويتوفران عبر هاغينغ فيس (Hugging Face) وغيت هاب (GitHub)، مع إطارات تدريب ومجموعات بيانات كاملة بترخيص من إنفيديا يسمح بالتعديل والتدريب المحلي دون مشاركة البيانات.
ويفسر النموذج المخصص للمعايرة إيزينغ كاليبريشين (Ising Calibration) النتائج الواردة من المعالجات الكمية ويقترح إجراءات معايرة تلقائية من خلال وكلاء الذكاء الاصطناعي لأتمتة مهام معايرة وحدة المعالجة الكمية، مما يقلل وقت التشغيل اللازم من أيام إلى ساعات.
إعلان
وتحتاج الكيوبتات في الحواسيب الكمية إلى معايرة دقيقة ومستمرة لضمان عملها بالتناغم المطلوب، ويتنبأ إيزينغ كاليبريشين بالانحرافات في أداء الكيوبتات ويصححها لحظيا قبل أن تؤدي إلى فشل الحسابات.
ويحتوي نموذج الرؤية اللغوية هذا على 35 مليار معلمة، وهو مدرب على بيانات متعددة الوسائط من أنواع مختلفة من وحدات المعالجة الكمية، ويتفوق على نماذج كبيرة أخرى في اختبار "كيو كال إيفال" (QCalEval) الجديد الذي يقيس أداء المعايرة الكمية.
وتعتمد أساليب المعايرة التقليدية على الفيزيائيين أو عمليات معايرة محددة مسبقا لضبط الأنظمة قبل كل تشغيل، بينما صممت إنفيديا نموذج إيزينغ كاليبريشين لإعادة المعايرة المستمرة مع تغيرات الأجهزة بمرور الوقت، الأمر الذي يسمح بتوسيع الأنظمة بشكل أكبر بكثير.
في حين يأتي نموذج تصحيح الأخطاء إيزينغ دي كودينغ (Ising Decoding) بصفته طبقة تكميلية وليست بديلة للأساليب الحالية، ويتوفر بنموذجين من الشبكات العصبية الثلاثية الأبعاد، أحدهما محسن للسرعة والآخر للدقة.
ويعمل هذا النموذج كوحدة تصحيح أخطاء أولية تستخدم الشبكات العصبية لمعالجة البيانات أو إشارات الخطأ المستمدة من قياسات الكيوبت وتصحيح جزء كبير من الأخطاء قبل تمرير البيانات المعالجة إلى الخوارزميات التقليدية.
وبينما تهتم المعايرة بالوقاية، يختص نموذج تصحيح الأخطاء بالعلاج، حيث يراقب هذا النموذج مخرجات الحاسوب الكمي، ويحدد الضجيج ويفصله عن البيانات الحقيقية بدقة، وذلك بفضل تدريبه على مليارات السيناريوهات من أنماط الخطأ.
ويهدف هذا النهج الهجين إلى تحسين السرعة والدقة مع الحفاظ على التوافق مع مسارات تصحيح الأخطاء الحالية، والاندماج مع منصة الحوسبة الهجينة الكمية التقليدية كودا-كيو (CUDA-Q) وتقنية ربط وحدات المعالجة الكمية بوحدات معالجة الرسومات "إن في كيو لينك" (NVQLink).
دور النماذج في معالجة أخطاء الحواسيب الكميةترتكب أفضل المعالجات الكمية خطأ واحدا تقريبا في كل ألف عملية، وينبغي أن ينخفض هذا الرقم إلى واحد في التريليون أو حتى أقل لكي تصبح هذه المعالجات مفيدة في حل المشكلات العلمية والتجارية المهمة.
وهنا يأتي دور المعايرة الكمية، التي تُعرَف بأنها عملية ضبط مستمرة لمعايير التحكم لضمان استمرار عمل المعالجات الكمية، وهي مهمة غالبا ما يقوم بها علماء الفيزياء الكمية أو خوارزميات آلية بسيطة.
أما خوارزميات تصحيح الخطأ، فإنها تُستخدم لمعالجة الأخطاء الكمية عبر تقنيات متطورة تحمي المعلومات الكمية من الأخطاء الناجمة عن ضجيج الكيوبت من خلال ترتيب الكيوبت الفيزيائي في شبكة ثنائية الأبعاد وتكرار المعلومات عبرها، الأمر الذي يُشكّل الكيوبت المنطقي المحمي.
وتتطلب هذه العملية مراقبة ملايين القياسات في الوقت الفعلي وتصحيح الخطأ بسرعة تفوق معدل حدوث الخطأ، أي في أجزاء من المليون من الثانية، في حين تقلل دقة رصد وتصحيح الأخطاء عدد الكيوبتات الفيزيائية اللازمة لإنشاء كيوبت منطقي.
إعلان
وهنا تبرز قوة نموذج إيزينغ دي كودينغ، الذي يقدم -وفق اختبارات إنفيديا الرسمية- أداء أسرع بمقدار 2.5 مرة ودقة أعلى بمقدار 3 مرات مقارنة بالمعيار المفتوح المصدر الحالي، مع حاجة أقل بمقدار 10 أضعاف لبيانات التدريب.
ويدفع التنافس إلى الابتكار، حيث تسرّع إنفيديا الطريق إلى الاستخدام عبر الذكاء الاصطناعي، بينما تبني آي بي إم الأساس المادي خطوة بخطوة، مع تعاون محتمل، حيث تدعم إنفيديا وحدات المعالجة الكمية من آي بي إم.
المنافسة الجيوسياسية في السباق الكميبعد أن كانت مجرد مسألة علمية، أصبحت الحوسبة الكمية ركيزة للأمن القومي وأداة لفرض السيادة الوطنية، إذ إن الدول التي تمتلك القدرة على كسر التشفير التقليدي أو اكتشاف مواد كيميائية جديدة عبر المحاكاة الكمية ستقود القرن الحادي والعشرين.
وتسعى الولايات المتحدة من خلال آي بي إم وإنفيديا إلى الحفاظ على ريادتها، وإيجاد منظومة مفتوحة تجذب المواهب العالمية، ووضع معايير الصناعة.
في حين تركز الصين بشكل مكثف على الاتصالات الكمية والأجهزة المادية، محاولة بناء شبكة إنترنت كمية غير قابلة للاختراق، مما يضع نماذج إيزينغ في مواجهة مباشرة مع الأبحاث الصينية في مجال تصحيح الأخطاء المعتمدة على الذكاء الاصطناعي المحلي.
بينما تجد دول الاتحاد الأوروبي في نماذج إنفيديا المفتوحة فرصة لتقليص الفجوة دون الحاجة لاستثمارات ضخمة في بناء حواسيب كمية عملاقة، مما يعزز قدرة الشركات الناشئة الأوروبية في مجالات الكيمياء الحيوية والتمويل.
ختاما، يمثل إطلاق نماذج إيزينغ إعلانا بأن الحوسبة الكمية لم تعد حبيسة المختبرات الفيزيائية، إلى جانب كونه يبشر ببداية عصر جديد يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكا أساسيا لإحداث الثورة الكمية التي لم تعد حلما بعيد المنال.
وبينما تسابق آي بي إم الزمن للوصول إلى الفائدة الكمية، تقدم إنفيديا الأدوات التي تجعل هذا التقدم قابلا للتوسع عالميا، إذ إن المستقبل هو نظام هجين ذكي مفتوح يحل مشكلات البشرية الكبرى، وليس حاسوبا كميا واحدا.
إقرأ المزيد


