30 ألف كازاخي في قلب تشيرنوبيل.. أبطال الإشعاع المنسيون
الجزيرة.نت -

Published On 25/4/2026

|

آخر تحديث: 11:48 (توقيت مكة)

بعد أربعين عاما على كارثة تشيرنوبيل لا تزال ذاكرة آلاف الكازاخيين الذين أُرسلوا إلى موقع الانفجار تعيش بين الصمت والنسيان، رغم أنهم كانوا في الخطوط الأمامية لأخطر مهمة بيئية في القرن العشرين.

تعرف موسوعة ويكيبيديا "المُصفّين" في تشيرنوبيل بأنهم "الموظفون المدنيون والعسكريون الذين تم استدعاؤهم للتعامل مع عواقب كارثة تشيرنوبيل النووية التي وقعت عام 1986 في الاتحاد السوفيتي، وذلك في موقع الحادث نفسه، ويُنسب إلى هؤلاء المُصفّين الفضل بشكل واسع في الحد من الأضرار الفورية والطويلة الأمد الناجمة عن الكارثة".

وتقدّر بعض المصادر عدد الأفراد المدنيين والعسكريين، بمن فيهم رجال الإطفاء وعمال المناجم والجنود، الذين عملوا في الفترة من 1986 إلى 1989 على احتواء هذه الكارثة، بنحو 600 ألف شخص.

وتشير التقارير الصحفية إلى أنهم قد تعرضوا لمستويات إشعاعية شديدة، غالبا ما كانت غير خاضعة للرصد، أثناء بناء الغطاء الأولي، وتنظيف الموقع، وتطهير المناطق المحيطة.

وقد كان للكازاخستانيين دور كبير في تلك المهمة، ففي الأيام التي أعقبت انفجار المفاعل النووي في 26 أبريل/نيسان 1986، دفعت السلطات السوفيتية بأكثر من 30 ألف كازاخي إلى قلب الكارثة، ضمن ما عُرف بـ"المصفّين"، في مهمة هدفها احتواء الإشعاع ومنع انتشاره إلى بقية أوروبا.

"لم نكن نعرف أننا نقترب من الموت" حسب ما يقول أحد الناجين لصحيفة لوموند ، والذي كان مجندا شابا حينها، واصفا تلك اللحظات بقوله: "أخبرونا أننا ذاهبون لمهمة تنظيف، لم يخبرونا أننا ندخل منطقة ملوثة بالإشعاع. لم نكن نرى الخطر، لكنه كان يحيط بنا في كل مكان".

في تلك الأيام الأولى، كانت الفوضى هي العنوان الأكبر، لم تصل معدات الحماية إلا متأخرة، وكانت فرق الجنود والمدنيين تعمل لساعات طويلة قرب قلب المفاعل المنهار، حيث كانت مستويات الإشعاع قاتلة، وفقا لتقرير الصحيفة.

إعلان

وتنقل لوموند عن الباحث في تاريخ الطاقة النووية في أوروبا الشرقية، بافِل سيكولا قوله: "المصفّون من آسيا الوسطى، بمن فيهم الكازاخ، شاركوا في أخطر المهام، مثل تنظيف أسطح المفاعل رقم 3 القريب من الانفجار، وهي منطقة كانت شديدة التلوث".

لكن رغم خطورة ما قاموا به، بقي دورهم شبه غائب عن السردية الرسمية، مقارنة بالصور الرمزية للكارثة، وفقا للوموند، "أنقذنا أوروبا لكن لم ينقذنا أحد"، كما يقول أحد هؤلاء المصفّين بمرارة: "نحن لم نحارب جيشا، بل حاربنا شيئا لا يُرى، أنقذنا ملايين الناس من كارثة أكبر، لكن لا أحد يتذكرنا".

مُصفّو تشيرنوبيل (وكالات عن الجمعية الأمريكية لهواة جمع الشارات العسكرية)

وتضيف لوموند أن كثيرا من الناجين يعانون اليوم من أمراض مزمنة، أبرزها السرطان وأمراض الجهاز التنفسي والقلب، إلى جانب آثار نفسية عميقة.

وبحسب شهادات طبية محلية، فإن نسبة كبيرة من المشاركين في عمليات التنظيف أصيبوا بأمراض خطيرة خلال السنوات اللاحقة، لكن الربط الرسمي بين هذه الأمراض والتعرض للإشعاع لا يزال محدودا في كازاخستان.

وتنقل الصحيفة عن أحد الأطباء المحليين قوله: "التحدي الأكبر ليس فقط في المرض، بل في إثبات العلاقة بينه وبين ما حدث قبل 40 عامًا".

النصب التذكاري لكاراغاندا شاهد على المرحلة التي تسرب فيها إشعاع تشيرنوبيل  (غيتي)
ذاكرة معلّقة

في مدينة كاراغاندا وسط كازاخستان، يقف النصب التذكاري لكاراغاندا شاهدا على تلك المرحلة، حيث تُعرض صور وأدوات من زمن التجارب النووية السوفيتية، إلى جانب شهادات عن المصفّين الذين شاركوا في عمليات تشيرنوبيل.

لكن رغم ذلك، يشير الناشطون إلى أن الاعتراف الرسمي لا يزال ضعيفا، وأن التعويضات لا تتناسب مع حجم الضرر.

وتلفت لوموند إلى أن المفارقة اليوم أن كازاخستان، التي كانت جزءا من أكبر تجربة نووية في الحقبة السوفيتية، تمضي نحو تطوير برنامج نووي مدني جديد، بينما يطالب الناجون من الماضي بحقوق أساسية، بينها الاعتراف والتكريم.

ويقول أحدهم: "لا نريد الكثير… فقط أن يعترفوا بأننا كنا هناك، وأننا لم نعد كما كنا."



إقرأ المزيد