الجزيرة.نت - 4/26/2026 1:45:00 PM - GMT (+3 )
عدن- لم تكن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن قد خرجت بعد من دائرة الأسئلة الثقيلة حول أمنها الهش، حتى أعاد اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، الدكتور عبد الرحمن الشاعر، المدينة مجددا إلى واجهة القلق، في توقيت بالغ الحساسية ينعش المخاوف من عودة موجة الاغتيالات، ويضع هيبة الدولة أمام اختبار حقيقي.
وشهدت عدن، التي تُعد كبرى مدن جنوب اليمن، خلال الفترة الماضية هدوءا حذرا، مع تراجع نسبي في وتيرة الاغتيالات ذات الطابع السياسي، ما عزز آمالا بإمكانية تثبيت قدر من الاستقرار الأمني، ولو بصورة هشّة قابلة للاهتزاز في أي لحظة. غير أن اغتيال الشاعر، أمس السبت، أعاد المشهد الأمني إلى دائرة الاحتمالات الأكثر اضطرابا.
ولم يكن الهدوء الذي لم يدم طويلا سوى حلقة عابرة في مسار أطول من التوترات الأمنية التي تعيشها المدينة منذ سنوات؛ فمنذ خروج عدن من سيطرة جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثي) في يوليو/تموز 2015، دخلت المدينة في موجة ممتدة من الاغتيالات والعمليات الغامضة، تحولت خلالها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين أطراف متعددة، حصدت أرواح مئات من الكوادر الأمنية والعسكرية والمدنية.
وتشير بيانات "رابطة أسر ضحايا الاغتيالات" في عدن إلى أن عدد الجرائم الموثّقة في المحافظات المحررة تجاوز 480 حالة اغتيال منذ عام 2015 وحتى الآن، بينها نحو 250 عملية استهدفت قيادات مدنية وعسكرية وأكاديمية ودعوية في محافظات عدن ولحج وأبين، بما يعكس اتساع رقعة الظاهرة وتشعبها.
كما تكشف تقارير حقوقية أن حزب التجمع اليمني للإصلاح كان من بين أكثر المكونات السياسية تضررا من هذه الموجات؛ إذ تعرضت مقراته خلال فترات مختلفة لحملات حرق وإغلاق، إلى جانب عمليات اختطاف واغتيال طالت كوادره وخلفت أكثر من 15 قياديا بارزا في عدن، من بينهم صالح بن حليس، والشيخ شوقي كمادي، وصولا إلى الدكتور عبد الرحمن الشاعر.
إعلان
وفي ظل هذا التراكم، تبدو حادثة الاغتيال الأخيرة امتدادا لمسار طويل، لا مجرد خرق أمني عابر، خصوصا أنها تأتي في لحظة تشهد تحولات لافتة في موازين القوى داخل المدينة.
ومع تراجع النفوذ العسكري المنفرد لبعض القوى المحلية، وبدء انتشار وحدات عسكرية وأمنية تابعة للحكومة اليمنية الشرعية، بدت عدن وكأنها تتجه نحو إعادة ترتيب مشهدها الأمني تحت مظلة مؤسسات الدولة.
غير أن هذا المسار، وفق مراقبين، لا يزال هشا؛ إذ تكشف الاغتيالات أن هناك قوى لا تزال قادرة على العمل خارج الأطر الرسمية متى تشاء، بما يجعل أي تحسن أمني عرضة للتراجع السريع. ويعزز الاغتيال الأخير هذا الانطباع، مؤكدا أن المدينة ما تزال على مفترق طرق بين تثبيت الاستقرار أو الانزلاق مجددا إلى دوامة العنف الصامت.
صراع مركّبوفي هذا السياق، يميل عدد من المحللين إلى قراءة ما يجري بوصفه جزءا من صراع مركّب يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليمسّ توازنات النفوذ داخل المدينة. فهذه العمليات، بحسب تقديراتهم، لم تعد حوادث منفصلة، بل أدوات لإعادة ترتيب المشهد وفرض معادلات جديدة دون مواجهة مفتوحة.
ويرى مراقبون أن تكرار استهداف شخصيات ذات حضور سياسي أو مجتمعي يعكس محاولة منهجية لإعادة تشكيل الفضاء العام في عدن، عبر إضعاف الفاعلين المؤثرين، وخلق حالة من الردع غير المعلن. وهو ما يمنح هذه العمليات بُعدا يتجاوز تصفية الأفراد إلى التأثير في بنية المجتمع المحلي نفسه.
كما يلفت محللون إلى أن توقيت عودة الاغتيالات ليس معزولا عن التحولات الجارية، سواء داخل معسكر الحكومة اليمنية الشرعية أو على المستوى الإقليمي، حيث تُستخدم مثل هذه العمليات كوسائل ضغط غير مباشرة لإعادة خلط الأوراق، وإرباك أي مساعٍ لترتيب الوضع الأمني والسياسي في المدينة.
وفي هذا السياق، تتقاطع تقديرات عدد من المراقبين حول أن الاغتيالات في عدن باتت تمثّل أحد تجليات "إدارة الصراع منخفض الحدة"، حيث تُستخدم لإيصال رسائل متعددة الاتجاهات: إلى الخصوم، وإلى الحلفاء، وحتى إلى الشارع، في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة دون الانزلاق إلى مواجهات شاملة.
اختلال السيطرة
وفي قراءة خاصة للجزيرة نت، يرى البروفيسور عبد الوهاب العوج، الأكاديمي والمحلل السياسي في جامعة تعز، أن عودة الاغتيالات في عدن تأتي في سياق "محاولات خلط الأوراق" بعد ما وصفه بحالة من التقارب النسبي داخل معسكر الحكومة اليمنية الشرعية، وتوحيد الرؤية تجاه مواجهة جماعة أنصار الله الحوثيين.
ويقول العوج إن "هذه العمليات قد تمثل نمطا متجددا، وإن كانت امتدادا لاغتيالات سابقة توقفت لفترة قبل أن تعود مجددا"، مشيرا إلى أن "توقيت عودتها يثير تساؤلات حول الأطراف المستفيدة، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة".
ويرجح أن "تكون هذه العمليات جزءا من محاولة لإرباك الداخل، وربما مرتبطة بأطراف تسعى لإشغال عدن عن مسارها، سواء عبر تغذية الانقسامات داخل مكونات الشرعية أو إعادة إنتاج الصراع بينها".
ويعكس تكرار الاغتيالات، برأي العوج، اختلالا في السيطرة الأمنية، كما يطرح تساؤلات حول قدرة الأجهزة المختصة على ضبط الوضع في مدينة يُفترض أنها مركز إدارة الدولة.
إعلان
ويحذر الأكاديمي من أن استمرار هذا النمط دون معالجة حقيقية قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة إذا ما تحولت الاغتيالات إلى موجة متصاعدة، مؤكدا أن المطلوب هو تعزيز التنسيق الأمني وتوحيد الجهود داخل "معسكر الشرعية"، بدل الانجرار إلى صراعات جانبية، مع ضرورة قراءة دقيقة للمتغيرات الإقليمية واستثمارها في توحيد الصف، لا تحويلها إلى عامل إضافي لتفكيك الجبهة الداخلية.
أجندات خاصةوبينما تركّز هذه القراءة على البعد الأمني والسياسي، يذهب الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي، في حديثه للجزيرة نت، إلى توصيف أكثر حدة، معتبرا أن ما يجري يعكس "استئنافا لمنظومة اغتيالات" تستهدف النخب السياسية والمجتمعية في المدينة.
ويقول التميمي إن هذه المنظومة عملت في مراحل سابقة ضمن مخططات منظمة لإفراغ عدن من فاعليها، وإعادة تشكيل بنيتها السياسية والاجتماعية لصالح قوى مسلحة ذات أجندات خاصة.
ويضيف أن حادثة اغتيال عبد الرحمن الشاعر تتجاوز بعدها الفردي، إذ تعكس -بحسب تعبيره- محاولة لإرباك المشهد الأمني، وخلق مزيد من التعقيدات أمام أي مساعٍ لتطبيع الأوضاع.
ويحذر التميمي من أن استمرار هذا النمط قد يدفع المدينة نحو فراغ أمني أوسع، يسمح بتنامي نشاط الجماعات "غير النظامية"، ويقوّض قدرة عدن على أداء دورها عاصمة مؤقتة للدولة.
مساحة رماديةوبين قراءة أمنية ترى في الاغتيالات اختبارا مباشرا لصلابة المؤسسات، وقراءة سياسية تعتبرها أداة لإرباك المشهد وإعادة توزيع النفوذ، تبقى عدن عالقة في مساحة رمادية بين الهدوء والانفجار؛ فكل تحسّن أمني فيها يبدو قابلا للتراجع، وكل مؤشرات التعافي تظل مهددة بما يكفي لإعادة المدينة إلى دائرة الخوف من جديد.
إقرأ المزيد


