كيف استخدمت إيران ناقلاتها السرية بين جزيرة خرج وماليزيا لتمويل الحرب؟
إيلاف -

إيلاف من بيروت: قبل احتجازها الدرامي من قبل القوات الأميركية في المحيط الهندي، كانت ناقلة النفط المعروفة باسم "إم تي تيفاني" قد أمضت عاماً كاملاً تقريباً في رحلات متكررة بين إيران ومنطقة مائية قبالة سواحل ماليزيا، على بعد نحو 60 ميلاً فقط من ناطحات السحاب البراقة في سنغافورة.

وخلال تلك الرحلات، كانت السفينة ترسو غالباً في منطقة صغيرة، ثم تلقي مرساتها وتطفئ نظام التعريف الآلي الإلزامي "AIS"، وفقاً لبيانات MarineTraffic التي راجعتها شبكة CNN. وبعد فترة، أحياناً بعد ساعات وأحياناً بعد أيام، كانت السفينة تظهر مجدداً على النظام.

احتجاز "إم تي تيفاني"، الثلاثاء، وما قالت السلطات الأميركية إنها كانت تحمله من 1.9 مليون برميل من النفط الإيراني، نقل الحرب مع إيران إلى مياه المحيطين الهندي والهادئ، على بعد آلاف الأميال من الخليج.

كما أعاد هذا الاحتجاز تسليط الضوء على بقعة مائية صغيرة قبالة سواحل ماليزيا، تبلغ مساحتها نحو نصف مساحة رود آيلاند تقريباً، وتقول تحليلات الخبراء وشبكة CNN إنها باتت تؤدي دور محطة وقود عائمة لإيران، يستخدمها أسطولها السري لتجارة النفط وتخزينه، بما يوفر للنظام أموالاً نقدية تشتد حاجته إليها مع استمرار الحرب.

مرسى بلا تعريف رسمي
رغم عدم وجود تعريف رسمي لها، تُعرف هذه المنطقة باسم مرسى الحدود الخارجية الشرقية للميناء "EOPL". وتقع قرب المدخل الشرقي لمضيق سنغافورة، أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، على بعد نحو 43 ميلاً بحرياً من ساحل شبه جزيرة ماليزيا، ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلاد.

وتظهر المنطقة بوضوح في صور الأقمار الصناعية، حيث يمكن في بعض الأحيان رؤية مئات السفن راسية هناك.

أما ناقلة "إم تي تيفاني" نفسها، فيمكن التعرف عليها من خلال رقمها في المنظمة البحرية الدولية: 9273337. وهذا الرقم، الذي تصدره المنظمة البحرية الدولية، لا يمكن تغييره بغض النظر عن ملكية السفينة أو علمها.

وفي إحدى المرات خلال أغسطس الماضي، شوهدت الناقلة داخل هذه المنطقة وهي تفرغ حمولة غير محددة إلى سفينة أخرى تدعى "ماتشو كوين" وتحمل الرقم 9238868 في المنظمة البحرية الدولية، وذلك وفقاً لصور الأقمار الصناعية التي راجعتها شبكة CNN.

وبعد عملية النقل، قامت سفينة "ماتشو كوين" بتشغيل نظام التعرف الآلي "AIS" لفترة وجيزة، وبدأت الإبحار شمال شرق باتجاه الصين، قبل أن تعود وتطفئ جهاز التتبع مجدداً، بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها لتهريبها النفط الإيراني إلى الصين.

وبحسب بيانات موقع MarineTraffic، فإن ناقلة النفط الثانية التي صعدت إليها الولايات المتحدة وصادرتها، الخميس، وهي "إم تي ماجستيك إكس"، كانت قد أبحرت هي الأخرى بين الشرق الأوسط ومضيق سنغافورة باتجاه منطقة "EOPL" عدة مرات.

نقطة جذب للأسطول غير الرسمي
يقول فرزين نديمي، الباحث البارز في معهد واشنطن المتخصص في الشؤون الإيرانية، إن خط "EOPL" يعد نقطة جذب للأسطول غير الرسمي، نظراً إلى موقعه الاستراتيجي وتساهل السلطات المجاورة.

وتظهر بيانات الأقمار الصناعية التي جمعتها منظمة "متحدون ضد إيران النووية" غير الربحية "UANI" أن ما لا يقل عن 679 عملية نقل بين السفن جرت في منطقة الحدود الشرقية "EOPL" خلال عام 2025، مقارنة بـ471 عملية في عام 2024 و280 عملية في عام 2023.

لكن هذه الأرقام، بحسب التقرير، تقلل من حجم المشكلة الحقيقي، لأن الأقمار الصناعية لا تمر يومياً، ولا تستطيع رصد السفن في الأحوال الجوية السيئة.

وقد تواصلت شبكة CNN مع الحكومة الماليزية للتعليق.

وفي يوليو الماضي، تعهدت ماليزيا بتشديد الإجراءات ضد عمليات النقل غير القانونية من سفينة إلى أخرى في مياهها، حيث أقر وزير الخارجية محمد حسن بأن هذه القضية "شوكة في خاصرتنا"، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية "برناما".

نفط إيران إلى الصين
تعد إيران من أكبر منتجي النفط في العالم، إذ تصدر ما معدله 1.69 مليون برميل يومياً في عام 2025، وفقاً لشركة "كيبلر" المتخصصة في بيانات وتحليلات التجارة.

وتقول الحكومة الأميركية إن نحو 90% من نفط إيران يُصدر إلى الصين. ولم تفرض الصين عقوبات على النفط الخام الإيراني، كما تعلن معارضتها للعقوبات المفروضة عليه.

وبسبب العقوبات واسعة النطاق، تعتمد إيران على أسطول من ناقلات النفط القديمة ذات السجلات غير الشفافة والتأمين غير الكافي لنقل نفطها الخام حول العالم.

وبحسب شركة بيانات الطاقة "فورتيكسا"، يتألف معظم أسطولها غير الرسمي من ناقلات نفط عملاقة "VLCCs"، مثل ناقلة "إم تي تيفاني" التي تتسع لما يصل إلى مليوني برميل من النفط.

ويُباع جزء كبير من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات بخصم يبلغ نحو 10 دولارات أميركية عن سعر خام برنت القياسي العالمي، الذي تجاوز 100 دولار أميركي للبرميل منذ بدء الحرب، ما يعني أن كل عملية نقل نفط من سفينة إلى أخرى تدر على النظام الإيراني عشرات الملايين من الدولارات.

واستمر النشاط في منطقة "EOPL" منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في نهاية فبراير، وهو ما أدى إلى تقييد تدفق النفط من الشرق الأوسط. وقد رصدت منظمة "UANI" ما لا يقل عن 250 عملية نقل بين السفن في منطقة "EOPL" بين يناير و21 أبريل من هذا العام.

ويشير التقرير إلى أن استخدام إيران لهذه المنطقة سمح لها بالحفاظ على تدفق مستمر للصادرات طوال فترة الحرب، بما مكن النظام من تمويل نفسه في وقت يواجه فيه العالم نقصاً حاداً في النفط.

كيف تتم "عملية غسيل شحنات النفط"؟
تعد عمليات النقل بين السفن جزءاً روتينياً من الشحن البحري المشروع لمسافات طويلة، وتستخدم لزيادة الكفاءة وتجنب الموانئ.

وكثيراً ما تفرغ ناقلات النفط الكبيرة حمولتها على سفن أصغر حجماً، لأن غاطسها الكبير لا يسمح لها بدخول معظم الموانئ. وبسبب ما تنطوي عليه هذه المناورات من مخاطر تتعلق بالسلامة والبيئة، فإنها تخضع لرقابة صارمة، ويجب إجراؤها في مناطق معتمدة مع توثيق دقيق وإخطار للسلطات الساحلية.

لكن أساطيل النقل غير الرسمية تستخدم هذه العمليات، حتى عندما لا تستدعيها الحاجة اللوجستية، لإخفاء مصدر النفط الذي تنقله. وغالباً ما تُجرى هذه العمليات تحت جنح الظلام، مع تعطيل أو تشويه نظام التعرف الآلي "AIS"، ما يصعب على السلطات رصدها.

وبشكل عام، تتبع تجارة النفط غير الرسمية في إيران نمطاً متشابهاً، إذ تشمل مجموعتين من السفن تساعدان في نقل النفط الخام الإيراني إلى الصين.

تقوم سفن المجموعة الأولى بتحميل النفط، في الأساس من جزيرة خرج، وهي منشأة التصدير الرئيسية في إيران، ثم تبحر عبر المحيط الهندي مروراً بمضيقي ملقا وسنغافورة قبل أن ترسو قبالة سواحل ماليزيا.

أما السفن من المجموعة الثانية، فتتسلم النفط عبر نقله من سفينة إلى أخرى، ثم تنقله إلى الصين، وتحديداً إلى مصافي تكرير صغيرة في مقاطعة شاندونغ، المعروفة بشراء النفط الخام الخاضع للعقوبات.

وأوضح يينغ كونغ لوه، محلل سوق النفط الخام في شركة "كيبلر"، أن الصين لا تعلن رسمياً عن وارداتها من النفط الخام الإيراني، وغالباً ما تخفي مصدره وتشير إلى أنه ماليزي.

وتواصلت شبكة CNN مع وزارة الخارجية الصينية للتعليق. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال متحدث باسم الوزارة إن بكين "تعارض العقوبات الأحادية التي لا تستند إلى أي أساس في القانون الدولي"، وذلك رداً على سؤال بشأن تقييم أميركي مفاده أن الصين لن تتوقف عن شراء النفط الإيراني.

كما أوضح براون، كبير مستشاري منظمة "متحدون من أجل إيران" "UANI"، أن معظم السفن التي تنقل النفط من إيران إلى آسيا مدرجة على القائمة السوداء الأميركية، بينما لا تزال غالبية السفن التي تنقل النفط إلى الصين غير خاضعة للعقوبات.

ولا يتوقف الأمر عند النقل فقط، إذ تقوم أساطيل النقل غير الرسمية أيضاً بتزوير الوثائق ورفع أعلام مزيفة أو "أعلام الملاءمة"، مع تغيير تسجيلاتها باستمرار والتضليل بشأن حمولتها لخداع السلطات.

ويقول التقرير إن الأنشطة المشبوهة في منطقة "EOPL" لطالما كانت سراً مكشوفاً في قطاع الشحن. ويقدر براون أن نحو 95% من السفن التي تنقل البضائع في هذه المنطقة تهرب النفط الإيراني أو الروسي إلى الصين.

مخزون استراتيجي قريب من الصين
بلغ مخزون إيران من النفط في البحر مستوى قياسياً في فبراير/ شباط، حيث وصل إلى 191 مليون برميل، معظمها في شرق آسيا، وفقاً لبيانات شركة "كيبلر" للبيانات الاستخباراتية.

ومكن هذا المخزون الاستراتيجي العائم طهران من الحفاظ على مستويات تصدير عالية، إذ صدرت ما معدله 1.1 مليون برميل يومياً إلى الصين، حتى مع قصف الولايات المتحدة وإسرائيل للبلاد طوال شهر مارس/ آذار، بحسب وكالة أنباء إيران المتحدة.

ورغم انخفاض حجم الصادرات عن المعدلات المعتادة، فإن ارتفاع أسعار النفط ساهم في تخفيف الأثر المالي السلبي على النظام.

ويشير التقرير إلى أن ناقلة "إم تي تيفاني" ربما كانت في طريقها إلى تفريغ حمولتها في منطقة "EOPL" عندما صعدت إليها القوات الأميركية.

وخلال الشهر الذي سبق احتجازها، تجولت السفينة في مضيق هرمز والخليج، وفقاً لبيانات MarineTraffic. ورغم إيقاف نظام التعرف الآلي "AIS" الخاص بها، تمكنت شبكة CNN من تحديد موقعها وهي راسية في جزيرة خرج الإيرانية، وذلك من خلال صور أقمار صناعية التقطت في 6 أبريل/ نيسان 2026.

ثم ظهرت الناقلة مجدداً على نظام التعرف الآلي في 10 أبريل/ نيسان، حين رُصدت في خليج عُمان متجهة نحو الجنوب الشرقي. وأظهرت بيانات MarineTraffic أنها كانت متجهة إلى سنغافورة.

وفي 21 أبريل، وبعد عبورها سريلانكا، غيرت الناقلة مسارها فجأة، فانحرفت أولاً بزاوية حادة قدرها 90 درجة جنوباً، ثم انعطفت بزاوية حادة أخرى قدرها 90 درجة شرقاً. وبعد وقت قصير من هذه التغييرات، أعلنت الولايات المتحدة احتجازها.

وفي مقطع فيديو نشرته وزارة الدفاع الأميركية، ظهرت قوات أميركية على متن ناقلة النفط "تيفاني"، بينما كانت المروحيات تحلق في السماء.

ومنذ ذلك الحين، ظلت ناقلة النفط "تيفاني" تحوم في المنطقة.

مشهد يتجاوز ناقلة واحدة
لا تبدو قصة "إم تي تيفاني" مجرد واقعة بحرية معزولة. فالمسار الذي سلكته الناقلة، والمنطقة التي كانت تتحرك فيها، وعدد عمليات النقل المسجلة هناك، كلها ترسم صورة أوسع لشبكة بحرية تعمل في الظل، بعيداً عن الخليج، وتؤدي دوراً مباشراً في إبقاء النفط الإيراني متدفقاً نحو آسيا.

وفي قلب هذه الشبكة، تبرز منطقة "EOPL" بوصفها أكثر من مجرد نقطة رسو مزدحمة. إنها، وفق ما يورده التقرير، عقدة لوجستية حساسة، تسمح بتخزين النفط ونقله وإعادة توصيفه، وتمنح إيران منفذاً عملياً لمواصلة التصدير والتمويل في زمن الحرب.

وبين ناقلات تطفئ أجهزة التتبع، وشحنات تغير هويتها في البحر، وسوق صينية لا تغلق أبوابها أمام الخام الإيراني، يتضح أن الحرب على النفط لم تعد محصورة في الخليج، بل اتسعت إلى خرائط بحرية أبعد وأكثر تعقيداً.

  • أعدت إيلاف التقرير عن "CNN": المصدر



إقرأ المزيد