"مقبرة نووية" في القطب الشمالي.. بقايا التفوق السوفيتي
الجزيرة.نت -

Published On 29/4/2026

خلفت الحرب الباردة إرثا لا يمكن محوه بمعاهدة سلام أو تغيير نظام: إرث دُفن، بشكل صامت إلى حد ما، في قاع بحر النرويج وبحر كارا. نتحدث هنا عن حطام غواصات نووية سوفيتية، قنابل موقوتة حقيقية، بدأت اليوم، بعد عقود من النسيان المُطمئن، تُظهر علامات انهيار هيكلي. ومثل أي دين غير مسدد، تُدفع فوائده الآن بمعدلات إشعاع تتحدى المنطق.

لسنوات، كانت العقيدة الرسمية -نتاج اقتصاد التفكيك المُتسرع- بسيطة: على عمق 1600 متر، سيُجمد البرد والضغط أي خطر. تُعدّ حالة الغواصة كيه-278 (كومسوموليتس)، فخر الهندسة التيتانيومية السوفيتية، والتي غرقت عام 1989، مثالا بارزا على ذلك.

إلا أن الاكتشافات الحديثة بددت التفاؤل: فقد وُجد أن مستويات السيزيوم-137 بالقرب من حطامها أعلى بـ800 ألف مرة من المعدل الطبيعي. هذه ليست مجرد توقعات إحصائية، بل حقيقة واقعة. فالإشعاع لا يبقى في القاع، بل يستخدم ما يسميه العلماء "المقياس الخفي"، فالعوالق النباتية تمتص الجسيمات، والأسماك الصغيرة تتغذى على العوالق، فتُركّز المادة، والمفترسات الكبيرة (مثل سمك القد والتونة) تصل إلى موائدنا محملة بمستويات إشعاعية تفوق آلاف المرات مستويات المياه المحيطة بها.

كان هذا بمثابة نقل للمخاطر عبر الأجيال (غيتي)
جرد "خفي" وانهيار الاتحاد السوفيتي

المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط فيما نعرفه، بل في "الجرد الخفي". فبعد عام 1991، تحوّل الأسطول النووي الروسي إلى كارثة مالية فورية. بدون تمويل لتفكيك المنشآت النووية، أصبح القطب الشمالي مكبا منطقيا للنفايات (من منظور التكاليف المباشرة):

  • إلقاء أكثر من 17,000 حاوية من النفايات المشعة في البحر.
  • إغراق 19 سفينة محملة بمواد نووية عمدا.
  • إلقاء 14 مفاعلا نوويا في المحيط.

من الناحية الاقتصادية، كان هذا بمثابة نقل للمخاطر عبر الأجيال. كان من الأفضل دفن المشكلة اليوم بدلا من تمويلها بروبل غير موجود، على أمل ألا يأتي "الغد". لكن للغد تاريخ محدد، وهو نافذة التحول النووي (2040-2060)، ففي أقل من عشرين عاما، ستصل هياكل سفن الستينيات إلى حالة انهيار هيكلي. ستتحطم، مطلقةً مواد مشعة وسامة عائدة إلى البحر.

التداعيات الاقتصادية.. الصيد والأسواق

هنا يتحول التركيز من البيئة إلى الاقتصاد. ينقل قطاع صيد الأسماك في شمال المحيط الأطلسي ملايين الأطنان من الأسماك ومليارات اليورو. إذا تغيرت نظرة المستهلكين نحو "الأسماك المشعة"، فقد ينهار قطاع صيد الأسماك بأكمله بسرعة البرق.

إعلان

تتجاوز التكلفة التقديرية لانتشال حطام السفن الست الأكثر خطورة 300 مليون دولار. وهو رقم لا يبدو أن أحدا مستعد لذكره، مفضلين إستراتيجية "عدم التأكيد أو النفي" القديمة، في حين يتراجع جليد القطب الشمالي وتتغير التيارات، مما يجعل الرواسب القديمة أكثر هشاشة.



إقرأ المزيد