الجزيرة.نت - 5/2/2026 2:28:54 PM - GMT (+3 )
في مشهد إعلامي يشهد تحولات متسارعة، تبرز في إيطاليا تجربة لافتة تقودها شركة ناشئة تراهن على كسر القوالب التقليدية لصناعة الأخبار، عبر نموذج يقوم على الصوت والفيديو والمنصات الرقمية، بدلا من المواقع الإخبارية والصحافة المطبوعة.
وبحسب تقرير للصحفية مارينا أدامي نشره معهد رويترز للإعلام، تمثل شركة "بي ووتر" التي تأسست عام 2021، أحد أبرز هذه النماذج الصاعدة، إذ نجحت خلال سنوات قليلة في بناء منظومة إعلامية تضم "كورا ميديا" المتخصصة في البودكاست، و"ويل ميديا" التي تركز على المحتوى الاجتماعي التفسيري، إلى جانب منصة رياضية حديثة الانضمام.
يأتي هذا التحول في سياق تراجع واضح لاستهلاك الأخبار عبر الوسائط التقليدية، خاصة بين فئة الشباب.
فالمشهد اليوم في أكشاك الصحف الإيطالية يعكس فجوة عمرية حادة، حيث يهيمن كبار السن على جمهور المطبوعات، بينما يتجه الشباب نحو المنصات الرقمية، أو يعزفون عن متابعة الأخبار بالشكل التقليدي.
ويشير التقرير إلى أن هذه الفجوة ليست محلية فقط، بل تعكس نمطا عالميا، حيث يعتمد الشباب بشكل متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، في مقابل تراجع دور التلفزيون والصحف لديهم.
اختارت "بي ووتر" أن تبدأ من حيث يوجد الجمهور، لا من حيث توجد المؤسسات. فقد أُطلقت "ويل ميديا" عام 2020 عبر منشور على إنستغرام، دون موقع إلكتروني أو نسخة مطبوعة، معتمدة بالكامل على منصات مثل تيك توك ويوتيوب وواتساب، بهدف تقديم محتوى يشرح الاتجاهات العالمية بلغة مبسطة لجمهور "فضولي".
وتأسست "كورا ميديا" كشركة بودكاست تستهدف فئة فقدت الثقة في الإعلام التقليدي، خاصة من هم دون الأربعين.
إعلان
ويقوم نموذجها على السرد القصصي العميق، بعيدا عن إيقاع الأخبار العاجلة، في محاولة لإعادة بناء علاقة أكثر هدوءا وعمقا مع الجمهور.
ويرى مؤسس "كورا"، ماريو كالابريسي، أن الأزمة التي تعانيها الصحافة التقليدية ليست فقط في الطلب، بل أيضا في طبيعة العرض، حيث أصبحت أسيرة الأخبار السريعة والجدل السياسي، على حساب المعالجة العميقة التي تخاطب عقل الجمهور لا غرائزه.
وقد نجحت هذه المقاربة في تحقيق انتشار واسع، إذ تشير البيانات إلى وصول منصات الشركة إلى نحو 8 ملايين مستخدم، مع قاعدة جماهيرية يغلب عليها الشباب دون 35 عاما.
ولا يقتصر التمايز بين منصات الشركة على الشكل بل يمتد إلى المضمون، فبينما تركز "ويل" على الشرح المبسط للأحداث والاتجاهات، تعتمد "كورا" على السرد القصصي والتحقيقات الصوتية، ما يخلق تكاملا تحريريا داخل المجموعة دون تداخل مباشر.
كما توسعت الشركة في مجال البودكاست بشكل لافت، مع إنتاج مئات البرامج التي تتراوح بين نشرات يومية وتحقيقات معمقة وسلاسل سردية، مستفيدة من شعبية هذا الشكل بين الجمهور الشاب.
على مستوى الأعمال، يكشف التقرير أن النموذج الاقتصادي للشركة يعتمد بشكل أساسي على المحتوى المدعوم، الذي يشكل نحو 70% من الإيرادات، إلى جانب مصادر أخرى مثل الاشتراكات، والفعاليات، والدورات التدريبية، وتحويل المحتوى إلى أعمال تلفزيونية وسينمائية.
وتشكل الفعاليات المباشرة أحد أعمدة هذا النموذج، ليس فقط كمصدر دخل، بل كوسيلة لبناء مجتمع حول العلامة الإعلامية، في ظل طلب متزايد من الجمهور على تحويل التجربة الرقمية إلى تفاعل واقعي.
ولا يخلو هذا النموذج من التحديات، فاعتماد هذه المنصات شبه الكامل على شبكات التواصل يجعلها عرضة لتغيرات الخوارزميات وسياسات النشر، التي قد تؤثر بشكل مباشر على الوصول والعائدات.
كما تلوح في الأفق تحديات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتأثيره على صناعة المحتوى، في وقت يشهد فيه القطاع الإعلامي العالمي موجة من الإغلاقات وإعادة الهيكلة.
ورغم هذه المخاطر، ترى "بي ووتر" أن مفتاح الاستمرار يكمن في بناء هوية تحريرية واضحة ونبرة مميزة، تعزز الثقة مع الجمهور، إلى جانب تنويع مصادر الدخل وتوسيع نطاق الحضور عبر منصات متعددة.
تعكس هذه التجربة تحولا أعمق في صناعة الإعلام، حيث لم يعد التحدي مقتصرا على إنتاج الخبر، بل بات مرتبطا بكيفية تقديمه، وأين، ولمن.
وهو تحول يضع المؤسسات التقليدية أمام اختبار حقيقي في قدرتها على إعادة تعريف نفسها في عصر المنصات.
المصدر: معهد رويترز للصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)
إقرأ المزيد


