الجزيرة.نت - 5/8/2026 3:52:49 PM - GMT (+3 )
في بداية أي علاقة يسود الحماس، لكن مع الانشغال وضغوط الحياة اليومية قد يتسلل شعور بالابتعاد أو الملل أو عدم التأقلم. يربط الخبراء ذلك غالبا بغياب أساسيات العلاقة السعيدة والصحية: التعاطف والإيجابية والأمان العاطفي القوي.
في حديثها لمجلة "تايم" الأمريكية، توضح الاختصاصية النفسية الكندية سو جونسون – رائدة العلاج الزوجي والأسري القائم على الأمان العاطفي، ومؤلفة أكثر من 75 كتابا في هذا المجال من بينها كتابها الأكثر مبيعا "احتضنني بقوة: 7 محادثات لحياة مليئة بالحب" – أن الشيء الأبرز في دراسات علم النفس الاجتماعي، وفي عملها على مدى 35 عاما، هو أن جودة علاقات الشخص تحدد إلى حد كبير جودة حياته، وأن التواصل مع الأشخاص الذين يحبوننا هو ملاذنا الآمن في الحياة.
وترى جونسون أن تعزيز الأمان العاطفي يبدأ بتعلم التعبير عن الاحتياجات بوضوح والابتعاد عن النقد والتحدث عن المشاعر بطريقة تقرب الشريكين من بعضهما بدل أن تبعدهما.
يشير أستاذ الطب النفسي المساعد في جامعة كولومبيا بنيويورك أمير ليفين، في تصريحات لصحيفة الغارديان البريطانية، إلى أن العلاقات الإيجابية تعيد "برمجة أدمغتنا" لنشعر بمزيد من الأمان، وأن من يعيشون في حالة من الأمان العاطفي يكونون غالبا أطول عمرا وأكثر صحة، قائلا: "أنشئ مجتمعا آمنا، وعزز الروابط الآمنة".
تشير مراجعة تحليلية واسعة نشرت عام 2010 وشملت نحو 300 ألف شخص إلى زيادة احتمالية البقاء على قيد الحياة، وانخفاض خطر الوفاة المبكرة بنحو 50% لدى من يتمتعون بعلاقات اجتماعية أقوى، وهي نتيجة وصفها ليفين بأنها مذهلة "لا يمكن لأي مكمل غذائي أن يحققها".
كما أظهرت دراسات نشرت عام 2022 في دوريات علمية متخصصة أن الأشخاص الأكثر ترابطا اجتماعيا يتمتعون بوظائف إدراكية أفضل، وفعالية أعلى، وحجم دماغ أكبر في الشيخوخة.
إعلان
ويدعم ذلك ما خلصت إليه دراسة منشورة عام 1997 على أشخاص تعرضوا لفيروس نزلة برد، إذ وجد الباحثون أن المشاركين الأكثر ترابطا اجتماعيا كانوا أقل عرضة لظهور الأعراض، وهو ما يفسره ليفين بأن الأشخاص الذين يشعرون بالأمان يميلون إلى:
- صحة جسدية أفضل وأعراض مرضية أقل عند الإصابة.
- مستويات أقل من التوتر، بفضل انخفاض استجابة الجسم الالتهابية المرتبطة بالضغط النفسي.
كما يشير إلى أن من يشعرون بالأمان أقل ميلا للنزعة الاستهلاكية، وأكثر قدرة على مقاومة إعلانات الإنترنت، وأقل تأثرا سلبيا بمواقع التواصل الاجتماعي.
تحذر المعالجة والمدربة المعتمدة في الصحة النفسية كاري كول – في حديث لمجلة "تايم" – من أن الانفصال العاطفي يمكن أن يتسلل بهدوء إلى أي علاقة، عندما يشعر الزوجان أنهما يبتعدان تدريجيا دون بذل جهد واعٍ لتعزيز الإيجابية بينهما.
تقول كول إن الانخراط في لحظات تواصل صغيرة وروتينية لإظهار التقدير يمكن أن يصنع فارقا كبيرا، وتقترح تمرينا بسيطا ومستمرا: ابحث كل يوم عن طريقة حقيقية للإطراء على شريك حياتك.
قد يكون ذلك عبر:
- التعبير عن تقديرك لشيء فعله.
- تذكيره بصفة تحبها فيه أو بموقف ممتنّ له من أجله.
هذا السلوك اليومي الصغير يحقق فائدتين أساسيتين:
- يعزز ثقته بنفسه ويساعده على الشعور بالرضا عن ذاته.
- يذكّرك أنت بسبب اختيارك هذا الشخص في البداية، فتتجدد مشاعر التقدير والمحبة.
تشير أبحاث عالِمة الأنثروبولوجيا والباحثة هيلين فيشر إلى أن الأشخاص الأكثر رضا عن علاقاتهم يشتركون في ثلاث مهارات أو "ركائز" نفسية وعصبية أساسية:
- ممارسة التعاطف
في العلاقات السعيدة، يحاول الطرفان التعاطف مع بعضهما، وفهم وجهة نظر الآخر، بدل التركيز على إثبات صحة رأيهما دائما. السؤال يصبح: "كيف يبدو الموقف من مكانه هو؟" لا "كيف أثبت أنني على حق؟".
- التحكم في المشاعر والتوتر
تلخص فيشر النصيحة في جملة: "التزم الصمت، ولا تبالغ في ردود أفعالك".
فإذا شعرت أن الغضب يخرج عن السيطرة، خذ استراحة قصيرة: تمشَّ، اقرأ، مارس نشاطا يهدئك، أو اتصل بصديق، المهم أن تقطع دائرة التصعيد قبل استكمال النقاش.
- الاحتفاظ بنظرة إيجابية تجاه الشريك
أدمغتنا مهيأة لتذكر السلبيات أكثر من الإيجابيات، لذا من الطبيعي أن تتراكم الصور السلبية إن لم نقاوم ذلك. لكن تقليل الوقت الذي نقضيه في اجترار عيوب العلاقة والتركيز الواعي على ما هو إيجابي ومهم، يفيد الجسم والعقل والعلاقة معا.
تقول فيشر: "لا يوجد أحد مثالي، لكن إذا استطعنا تجاهل ما هو ثانوي والتركيز على ما هو مهم وإيجابي، سيكون ذلك مفيدا لنا وللعلاقة".
في السياق نفسه، يؤكد أمير ليفين أن التجارب الإيجابية الجديدة يمكن أن تمنحنا فرصة للتعافي من صدمات الماضي، إذ تحل تدريجيًا محل الخبرات القديمة المؤلمة.
يشير ليفين إلى أن الشعور بانعدام الأمان العاطفي يمكن أن يطرأ في أي مرحلة عمرية، لكن الدماغ بارع في إعادة برمجة نفسه لبناء روابط أكثر أمانا والحد من العلاقات غير الآمنة. وإلى جانب الإيجابية، تقترح الأبحاث والمتخصصون عدة خطوات عملية:
إعلان
تقول المعالجة النفسية جين سيغال – الحاصلة على درجة الدكتوراه والرائدة في علم نفس التواصل – إن: "التواصل العاطفي الإيجابي والجيد مع شريك الحياة ركن أساسي في أي علاقة صحية، طالما أنكما تتواصلان، يمكنكما تجاوز أي مشكلات".
هذا النوع من التواصل:
- يمنح شعورا بالأمان والانتماء.
- يسمح لكل طرف بأن يشعر بأنه مفهوم ومسموع.
- يجعل تقديم الراحة والتفهم للآخر "متعة لا عبئا".
بعض الإرشادات البسيطة:
- انتبه إلى لغة جسد شريك حياتك وإشاراته غير اللفظية.
- استمع إليه بقصد الفهم لا بقصد الرد.
- عبر عن احتياجاتك بوضوح، ولا تفترض أنه يعرف ما يدور في ذهنك.
- حاول إدارة التوتر مبكرا والعودة إلى حالة من الهدوء قبل استكمال أي نقاش حساس.
في زمن الشاشات، يصبح اللقاء المباشر أكثر أهمية. تؤكد سيغال أنه "لا يمكن التعبير عن المشاعر كاملة عبر الرسائل"، وأن تخصيص وقت بسيط يوميا يمكن أن يصنع فارقا كبيرا.
أمثلة بسيطة يمكن البناء عليها:
- هواية مشتركة تمارسانها بانتظام.
- نزهة قصيرة يومية.
- تناول فنجان قهوة صباحي دون هواتف أو مقاطعات.
المهم أن يكون هناك وقت واعٍ تضعان فيه الأجهزة جانبا، وتتركان بقية المشاغل مؤقتا، وتركزان على التواجد معا.
3. العلاقات أخذ وعطاء.. لا مباراة "فائز وخاسر"العلاقات الآمنة تقوم على التفاهم والاستعداد للتنازل العادل من الطرفين. تؤكد سيغال أن شريك حياتك يستحق أن يُستمع إليه، وأن تُحترم وجهة نظره، حتى عندما تختلفان. لذلك:
- تجنب عقلية "إما أن تسير الأمور بطريقتي أو لا شيء".
- لا تجعل الفوز في الجدال هدفك الرئيسي.
- كن مستعدا للمسامحة وتخفيف التوتر، ولا تفتح ملفات قديمة مع كل خلاف جديد.
هذا لا يعني تجاهل حقوقك أو مشاعرك، بل البحث عن حلول وسط تحافظ على العلاقة نفسها كأولوية.
لا توجد علاقة تخلو من التقلبات. قد تمران بخلافات حول إدارة المال أو تربية الأبناء، أو يتعرض أحدكما لمشكلة تضغط على أعصابه: فقدان وظيفة، وفاة قريب، أو مشكلة صحية.
تحذر سيغال من أن استخدام الشريك "متنفَّسا" دائما للغضب والتوتر يمكن أن يسمم العلاقة تدريجيا.
المرونة هنا ضرورية من الطرفين:
- لتفهّم أن بعض الفترات ستكون أصعب من غيرها.
- وللتكيف مع التغيرات بدل مقاومة كل تحول صغير.
- وللنمو معا في أوقات السراء والضراء.
في النهاية، الأمان العاطفي ليس فكرة رومانسية مجردة، بل مهارة يمكن تعلمها، ومحصّلة لاختيارات صغيرة متكررة: كلمة تقدير، لحظة إصغاء، اعتذار في وقته، وقرار واعٍ بعدم تحويل الشريك إلى خصم. هذه التفاصيل اليومية هي التي تبني مع الوقت علاقة تصبح "ملاذا آمنا" في عالم مليء بالضغوط.
إقرأ المزيد


