الجزيرة.نت - 5/8/2026 5:48:15 PM - GMT (+3 )
تتصاعد الضغوط السياسية والحقوقية داخل الاتحاد الأوروبي باتجاه تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، في ظل الاتهامات المتزايدة لتل أبيب بانتهاك حقوق الإنسان والقانون الدولي في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان، لكن هذا المسار يصطدم بتشابك اقتصادي وتجاري يجعل القرار أكثر تعقيدا من مجرد موقف سياسي أو قانوني.
وزادت في الأشهر الماضية دعوات من دول أوروبية، خصوصا من إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا، لإعادة النظر في الاتفاقية أو تعليقها بسبب الحرب على غزة والانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما حين رفض البرلمان الفرنسي مؤخرا مشروع قرار يدعو إلى تعليق الاتفاقية، بينما ما تزال دول مثل ألمانيا وإيطاليا تعارض اتخاذ خطوات واسعة ضد إسرائيل، ما يعكس انقساما أوروبيا تتنازعه اعتبارات حقوقية ومصالح اقتصادية وسياسية.
لا ينحصر الخلاف الأوروبي فقط في مضمون المادة الثانية من الاتفاقية بين بروكسل وتل أبيب، التي تربط العلاقات بين الجانبين باحترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، بل حول كلفة تعليق علاقة تجارية واستثمارية وتكنولوجية امتدت منذ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ عام 2000، لتصبح جزءا من بنية الاقتصاد الإسرائيلي وعلاقات الاتحاد الأوروبي مع جنوب المتوسط.
وتظهر بيانات المفوضية الأوروبية أن إسرائيل هي الشريك التجاري رقم 31 للاتحاد الأوروبي، وتمثل نحو 0.8% فقط من إجمالي تجارة الاتحاد في السلع مع العالم خلال عام 2024، بينما يمثل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لإسرائيل، مستحوذا على 32% من إجمالي تجارة إسرائيل السلعية مع العالم، وهو ما يكشف فجوة واضحة في درجة الاعتماد بين الطرفين.
وبلغ إجمالي تجارة السلع بين الجانبين 42.6 مليار يورو (نحو 48.4 مليار دولار) في عام 2024، واستورد الاتحاد الأوروبي من إسرائيل سلعا بقيمة 15.9 مليار يورو (قرابة 18.1 مليار دولار)، بينما صدر إليها ما قيمته 26.7 مليار يورو (نحو 30.3 مليار دولار)، محققا فائضا تجاريا لصالحه بنحو 10.7 مليارات يورو (12.2 مليار دولار).
إعلان
اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية هي الإطار القانوني الأساسي الذي ينظم العلاقات بين الطرفين، وقد وقعت في بروكسل عام 1995، ودخلت حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2000، وتقوم على إنشاء منطقة تجارة حرة تدريجية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتكنولوجي، إلى جانب توفير إطار للحوار السياسي.
ومنحت الاتفاقية إسرائيل وصولا تفضيليا إلى السوق الأوروبية، وخفضت أو ألغت قيودا جمركية على عدد كبير من السلع، كما فتحت الباب أمام اتفاقيات فرعية في مجالات أكثر تخصصا، منها المنتجات الزراعية، والدواء، والطيران، وقواعد المنشأ في منطقة اليورو وحوض المتوسط.
وقواعد المنشأ وهي المعايير التي تحدد في أي بلد صنعت السلعة، وليس من أي بلد شحنت، وبناء على تصنيف السلع تقرر الحكومات ما إذا كانت تستحق معاملة تفضيلية (مثل الإعفاء الجمركي) أو تخضع لقيود معينة.
وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن العلاقات التجارية الأوروبية الإسرائيلية تحكمها منطقة تجارة حرة ضمن اتفاقية الشراكة، كما دخل اتفاق إضافي بشأن المنتجات الزراعية حيز التنفيذ عام 2010، واتفاق آخر بشأن الاعتراف المتبادل في قطاع المنتجات الصناعية الدوائية، فضلا عن اتفاق "الأجواء المفتوحة" الذي عزز حركة الطيران بين الجانبين.
واتفاق الأجواء المفتوحة هو معاهدة دولية بين بلدين أو أكثر يهدف إلى تحرير النقل الجوي من القيود المفروضة بين الدول، وهي اتفاق يجعل الطيران بين بلدين اشبه بسوق مفتوحة، إذ تفتح الحواجز المفروضة والمتعلقة بعدد الرحلات التي يتم تسييرها، والمسارات وأيضا أسعار التذاكر.
ما أهمية الاتفاقية لإسرائيل؟تنبع أهمية الاتفاقية بالنسبة لإسرائيل من أن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد سوق كبيرة، بل هو الشريك التجاري الأول لها، فوفق بيانات المفوضية الأوروبية، جاءت 34.2% من واردات إسرائيل السلعية في عام 2024 من الاتحاد ، بينما ذهبت 28.8% من صادراتها إليه، في حين بلغ حجم التجارة السلعية بين الجانبين نحو 45 مليار يورو (نحو 51 مليار دولار)، بما يعادل 32% من إجمالي تجارة إسرائيل مع العالم.
ويقول أمين سر الاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين نصر عطياني، للجزيرة نت، إن هذه الأرقام تعطي مؤشرا واضحا على اعتماد إسرائيل الكبير على العلاقة التجارية مع الاتحاد الأوروبي، معتبرا أن الاتفاقية تمثل لتل أبيب "أمرا إستراتيجيا" يخدم الاقتصاد الإسرائيلي، لا مجرد ترتيب تجاري عابر.
وتتركز صادرات إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي في قطاعات ذات وزن نوعي داخل الاقتصاد الإسرائيلي، خصوصا الآلات ومعدات النقل، والمواد الكيميائية، والمعدات البصرية والعلمية، والدوائر الإلكترونية والمكونات التكنولوجية. وتظهر بيانات المفوضية الأوروبية أن الآلات ومعدات النقل شكلت 43.9% من واردات الاتحاد من إسرائيل في عام 2024، تلتها المواد الكيميائية بنسبة 18%، ثم السلع المصنعة الأخرى بنسبة 12.1%.
ويرى عطياني أن قطاعات الخدمات والبرمجيات والتقنية العالية تعد من أكثر القطاعات الإسرائيلية استفادة من العلاقة مع أوروبا، مضيفا أن التعاون العلمي والتقني في مجالات الابتكار والعلوم والتكنولوجيا وإدارة المياه يمثل أحد الأعمدة غير المباشرة لهذه الشراكة.
إعلان
ما العائد على أوروبا من الاتفاقية؟
رغم أن إسرائيل تعتمد على أوروبا أكثر مما تعتمد أوروبا على إسرائيل من حيث الوزن النسبي للتجارة، فإن الاتحاد الأوروبي يحقق مكاسب واضحة من الاتفاقية، أبرزها الفائض التجاري الكبير في السلع، والوصول إلى سوق إسرائيلية مرتفعة الدخل، إضافة إلى التعاون في قطاعات التكنولوجيا والأمن السيبراني والطاقة والدواء والبحث العلمي.
وتوضح بيانات المفوضية أن صادرات الاتحاد الأوروبي إلى إسرائيل بلغت 26.7 مليار يورو (نحو 30.3 مليار دولار) في عام 2024، مقابل واردات بقيمة 15.9 مليار يورو (نحو 18.1 مليار دولار)، ما يعني أن الميزان التجاري يميل لصالح أوروبا، وبلغت صادرات الاتحاد إلى إسرائيل الآلات ومعدات النقل بقيمة 11.5 مليار يورو (نحو 13 مليار دولار)، ثم المواد الكيميائية بنحو 4.8 مليارات يورو (نحو 5.4 مليارات دولار)، ثم السلع المصنعة بنحو 3.1 مليارات يورو (نحو 3.5 مليارات دولار).
في هذا السياق، يقول عطياني إن بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، تعد من مصدري السيارات إلى إسرائيل، ما يعني أن أي تعليق واسع للعلاقات التجارية قد ينعكس على شركات أوروبية، خاصة تلك المرتبطة بالسيارات، والمعدات، والأدوية، والتكنولوجيا.
أما مدير المنتدى الاقتصادي العربي عمر فندي، فيرى في حديثه للجزيرة نت، أن أوروبا ستتضرر من أي تعليق في مجالات محددة مثل الأمن السيبراني والطاقة والأدوية، لكنه يصف حجم الضرر الأوروبي بأنه متوسط مقارنة بالضرر الإسرائيلي، لأن أوروبا تمتلك بدائل أوسع وأسواقا أكبر، وقدرة أعلى على إعادة توجيه تجارتها.
من المستفيد الأكبر؟من حيث الأرقام المطلقة في تجارة السلع، يبدو الاتحاد الأوروبي مستفيدا من الفائض التجاري، إذ يبيع لإسرائيل أكثر مما يشتري منها، لكن من حيث الوزن النسبي والأثر الإستراتيجي، تبدو إسرائيل أكثر اعتمادا على اتفاقية الشراكة.
ويعتبر عطياني أن الاتحاد يستفيد تجاريا، لكنه لا يعتمد بنيويا على إسرائيل، مشيرا إلى حاجة إسرائيل إلى أوروبا كسوق تصدير، ومصدر واردات صناعية وتكنولوجية، وقناة تمويل واستثمار وتعاون علمي، بينما يستطيع الاتحاد الأوروبي، نظريا، تعويض جزء أكبر من علاقته التجارية مع إسرائيل عبر شركاء آخرين.
ويشير أمين سر الاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين إلى أن الاتفاقيات الاقتصادية بين الطرفين لا تقتصر على التجارة فقط، بل تشمل أيضا جوانب مرتبطة بتسهيل الاستثمار والأعمال، من بينها الحد من الازدواج الضريبي، وهو ما يمنح الشركات والمستثمرين الإسرائيليين بيئة أكثر سهولة في التعامل مع السوق الأوروبية، ويعزز جاذبية النشاط الاقتصادي بين الطرفين.
ويقول فندي إن التأثير على إسرائيل إذا تم إلغاء الاتفاقية سيكون أكبر من التأثير على أوروبا، لأن السوق الأوروبية بالنسبة لتل أبيب سوق قريبة وسهلة ومتاحة، بخلاف أسواق أخرى قد تتطلب ترتيبات تجارية وسياسية ولوجستية أكثر تعقيدا، مشيرا إلى أن الاستفادة لا تقاس فقط بحجم التجارة، بل بموقع الاتفاقية داخل نموذج الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة في قطاعات التقنية العالية، وجمع الأموال، والتصنيف الائتماني، وجاذبية الشركات الإسرائيلية للمستثمرين الأجانب.
ماذا سيحدث إذا أوقفت الاتفاقية؟يرى عطياني أن أي قرار أوروبي بتجميد أو فك العلاقة التجارية سيؤثر سلبا على الاقتصاد الإسرائيلي، خصوصا إذا جاء ضمن مسار تراكمي يشمل قرارات من دول أوروبية أو صناديق استثمارية ومؤسسات مالية عالمية لتقليص انكشافها على إسرائيل أو شركاتها.
وأشار إلى أن تعليق الاتفاقية جزئيا أو كليا سيحمل آثارا اقتصادية مباشرة وأخرى غير مباشرة، والأثر المباشر قد يظهر في تراجع الامتيازات الجمركية، وارتفاع كلفة دخول بعض الصادرات الإسرائيلية إلى السوق الأوروبية، وتعقيد قواعد المنشأ، وإبطاء حركة بعض السلع والخدمات.
إعلان
وأضاف أن الأثر غير المباشر قد يكون أعمق، كونه يمس صورة إسرائيل كشريك اقتصادي طبيعي لأوروبا، وقد يرفع علاوة المخاطر على الشركات الإسرائيلية، ويضغط على قدرتها على جذب التمويل والاستثمار، خصوصا في قطاعات التكنولوجيا والبرمجيات والبحث العلمي.
ويرى مدير المنتدى الاقتصادي العربي أن التعليق سيكون له "تأثير نفسي" كبير على المجتمع والشركات في إسرائيل، يتجاوز الأرقام التجارية نفسها، لأنه سيبعث برسالة إلى المستثمرين والأسواق بأن علاقة إسرائيل بأكبر شركائها التجاريين لم تعد مستقرة، وقد ينعكس ذلك، وفق تقديره، على جمع الأموال، والتصنيف الائتماني، وقدرة الاقتصاد الإسرائيلي على النمو.
إقرأ المزيد


