كيف كانت حياة "أحباب الله" في سجون بورقيبة؟
الجزيرة.نت -

دون أن يقترف ما يستحق ولو صفعة على الوجه، وجد الصحفي التونسي كمال الشارني نفسه محاطا بجدران السجن لأنه شارك في مظاهرات طلابية هزت تونس في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.

وفي هذه السجون التي بناها المستعمرون الفرنسيون -كما قال في بودكاست مغارب الذي يمكنكم مشاهدته على هذا الرابط– عاش الشارني أياماً يقول إنه لم يكن يتخيل أن يعيشها من هم في مثل سنه.

فقد كان الحبيب بورقيبة يقدم نفسه كأب للتونسيين ويقول إنه يغضب منهم خوفا عليهم، لكن الشارني -وهو أول طالب يعتقل في ذلك العهد- ما كان يعتقد أنه سيلقى كل هذا التنكيل والتعذيب في ظل الدولة الوطنية لا في ظل الاستعمار.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

ولم يكن الشارني وحيدا في سجون بورقيبة، فقد كان معه طلاب صغار آخرون أتوا بهم معه، ووضعوهم في السجن الذي يقول إنه ما يزال يعاني تبعاته إلى اليوم.

ففي هذا السجن الذي كان مبنيا تحت الأرض، كان السجناء -وبينهم الشارني ورفاقه- يُربطون في الجدران بحلقات حديدية دون ذنب يستحق، وحتى نسوا الحياة وكأنهم لم يولدوا أساسا.

الرئيس الحبيب بورقيبة (يمين) (مواقع التواصل الاجتماعي)
مقاومة نسيان العالم

ولمقاومة نسيان العالم له ولزملائه، استعان الشارني بالكتابة "حتى يأتي اليوم الذي يعرف فيه التونسيون أن أطفالا عذبوا ونكل بهم في سجون بورقيبة"، خاصة وأنه كان مهتما بالقراءة والتعلم منذ صغره، وكان متفوقا في دراسته حتى إن بورقيبة نفسه كرمه وهو في الثامنة من عمره خلال زياته لمدينته، الكاف.

وولد الشارني في سركونة عام 1965، وهي قرية نائية يقول إنها كانت منغلقة على نفسها، وكان أول طالب يسجن بسبب التظاهر إبان مظاهرات طلابية يقول إنها هزت البلاد.

ففي يناير/كانون الثاني 1986، كان الشارني في المرحلة الثانوية، فاعتُقل مع 39 تلميذا آخر سحبهم جنود مدججون بالسلاح وكبلوهم ونقلوهم إلى سجن الشرطة في مدينة تجروين.

وبعد أيام أُطلق 32 منهم بسبب نفوذ ذويهم، ولم يبق سوى 8 طلاب بينهم الشارني الذي اتهموه بالتحريض على أعمال الشغب التي أضرم خلالها الطلاب النار في أحد المحال التجارية. وقد تعرض للضرب المبرح طيلة 3 أيام حتى أصبح مستعدا للاعتراف بأي جريمة لكي يوقفوا تعذيبه.

الحبيب بن علي بورقيبة (يمين)، يصافح رئيس وزرائه آنذاك زين العابدين بن علي (يسار) عام 1986 (الفرنسية)
سجن وتعذيب

وخلال هذه الأيام، كان الشارني معلقا من قدميه في السقف ويتم ضربه بذيل ثور يقول إنه يجمع بين الوجع والشعور بالصعق الكهربائي. وعندما ذهب إلى المحقق حاول إثبات أنه اعترف تحت وطأة التعذيب رفض الأخير الاستماع له وهدده بإعادته مجددا إلى الشرطة.

وأمام القاضي، لم يسمح للشارني بالكلام، وتخلى عنه محاميه الذي رهنت أمُّه مصاغها لكي تدفع له أتعابه، فحوكم وحده بالسجن 5 سنوات و6 أشهر نافذة، بينما حوكم من كانوا معه بالسجن شهورا مع وقف التنفيذ.

وفي السجن، أضرب الشارني عن الطعام لكي يمكنوه من أداء امتحان البكالوريا لأنه كان من عائلة فقيرة، وكان يعول على التعليم لمساعدة أهله الذين لم يكونوا قادرين على زيارته في سجن قصرين، بسبب ضيق ذات اليد. لكن السجانين رفضوا تمكينه من الامتحان.

والغريب أن الشارني لم يكن قد شارك في أعمال الشغب التي حوكم بسببها، لأنه كان قد عاهد أهله على عدم إثارة المشاكل لحين الانتهاء من تعليمه مراعاة لظروفهم. لكنه كان المدخن الوحيد بين زملائه الذين طلبوا منه عود ثقاب، وعندما أعطاه لهم أضرموا به النار في محل تجاري.

وما لفت نظر الشارني أن بورقيبة هو الذي جعل تعليم الأطفال إجباريا في تلك السنوات ثم خرجت تلك الأجيال لتثور عليه بعدما دفعها التعليم للتفكير في السياسة.

ويصف الشارني السجن بأنه مكان شنيع جدا "لأنه مكان لا تكلم فيه أحدا غير نفسك"، ويقول إنه كان يرى صورة أمه على الجدران بسبب الهلوسة.

الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي (يمين) وصل للحكم بعد "الانقلاب الطبي" على الحبيب بورقيبة (يسار)(غيتي)
علاقة قديمة بالسياسة

ولم تكن علاقة الشارني بالسياسة والتعليم طارئة لأنها بدأت منذ طفولته، عندما ذهب للتعليم في مدرسة ملَّاك، وهي قرية بناها الفرنسيون على نمط رفيع، وبها مدارس تقوم بتدريس من كانوا يسمون "أطفال بورقيبة"، وهم مجهولو النسب أو من تخلى عنهم ذووهم.

وفي هذه القرية، يقول الشارني إن الموظفين التونسيين الكبار، كانوا يصفونه وغيره من أبناء القرى البعيدة بـ"السكان الأصليين"، وهو ما يراه "دليلا فجا على تقمص هؤلاء لشعور المستعمرين رغم أنهم تونسيون".

والأكثر من ذلك، أن هؤلاء كانوا يمنعون الشارني ومن معه من البقاء في القرية مساءً، ويحددون لهم محل بقالة محدداً يشترون منه ما يريدون دون سواه.

ففي هذه القرية كان يعيش مهندسون فرنسيون وموظفون تونسيون كبار يعيشون في بيوت فاخرة مزودة بالمياه والكهرباء، وكانوا ينظرون لأبناء القرى على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. فقرر الشارني أن العلم هو الذي سيكسر الحواجز بينه وبين هؤلاء الناس.

وبعد كل هذه السنوات، لم يغفر الشارني لمن سجنوه وعذبوه، لكنه يقول إن بورقيبة فعل الكثير من الأمور الجيدة ومنها اهتمامه بأهالي القرى وفرضه تعليم الأطفال، وإنه كان مثقفا ويحترم المثقفين، لكنه "يصبح قاتلا عندما يتعلق الأمر بالسلطة".

Published On 11/5/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد