الجزيرة.نت - 5/12/2026 1:37:08 AM - GMT (+3 )
مع انطلاق أولى الجلسات العلنية لمحاكمة رموز النظام السوري السابق في أبريل/نيسان 2026، يجد السوريون أنفسهم أمام “لحظة الحقيقة” التي انتظرها الملايين ممن اكتووا بنيران القمع والتهجير.
وبدءا من محاكمة الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب، تبرز العدالة الانتقالية كخيار لا بديل عنه لتضميد جراح 14 عاما من "سنوات الجمر"، وسط تعقيدات تجعل من هذا المسار واحدا من أصعب الاختبارات القانونية والأخلاقية في التاريخ الحديث.
وفي ضوء ذلك، يواجه السوريون استحقاقا تاريخيا يوازن بين إنصاف الضحايا وإرساء سلم أهلي مستدام، وسط تحديات أمنية وتشريعية ولوجستية جسيمة.
رمزية المحاسبةوفي هذا السياق، لم تكن محاكمة نجيب مجرد إجراء جنائي، بل هي -كما وصفها نائب وزير الداخلية السوري اللواء عبد القادر الطحان- خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية بالغة، كون نجيب كان يمثل "نموذج القمع" الذي أطلق شرارة الثورة.
ويؤكد الطحان -خلال حديثه لبرنامج "للقصة بقية"- أن الدولة انتقلت فعليا من مرحلة إدارة الصراع إلى "بناء المسار القانوني والمؤسساتي" القائم على كشف الحقيقة وجبر الضرر.
ويشير إلى أن القائمة تطول لتشمل مجرمين مثل أمجد يوسف مرتكب مجزرة التضامن، وضباطا طيارين كاللواء ميزر صوان والعميد حمزة الياسين المتورط بأكثر من ألف طلعة جوية.
وقضى مرسوم رئاسي بإنشاء "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، ويرتكز عملها على 6 مسارات تشمل تقصي الحقائق والمساءلة القضائية وتخليد الذاكرة الوطنية، لضمان عدم تكرار مآسي الماضي بغض النظر عن نظام الحكم.
ويؤكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن هذا المسار هو الغاية الكبرى لتضميد الجراح وتعزيز العيش المشترك، مشددا على قاعدة "نصر لا ثأر فيه".
أرقام مرعبة وأرشيف "مهول"ويقف السوريون اليوم أمام إرث ثقيل، إذ تشير الإحصائيات إلى مقتل نحو 500 ألف شخص، ونحو 180 ألف مختفٍ قسريا (ما يعادل 1% من الشعب السوري)، فضلا عن 14 مليون نازح ولاجئ.
ويقول النائب العام السوري حسان التربة، إن ضمان عدم الإفلات من العقاب يعتمد على منظومة متكاملة.
وكشف التربة -خلال حديثه لـ"للقصة بقية"- عن تحريك دعاوى الحق العام وإصدار مذكرات توقيف غيابية بحق الفارين، وعلى رأسهم رأس النظام المخلوع بشار الأسد، مع مطالبات رسمية لروسيا بتسليمه، رغم تعثر ذلك حتى الآن.
وفي سباق مع الزمن للحفاظ على الأدلة، كشف اللواء الطحان عن نجاح الوزارة في التحريز على ما يقارب 95% من أرشيف النظام البائد، واصفا حجم الوثائق المكتشفة في مستودعات الأجهزة الأمنية بأنه "مذهل ومهول لا يتخيله عقل بشري"، وهو الأرشيف الذي سيُشكل العمود الفقري لإدانة المتورطين وتوثيق الحقبة السوداء.
وكذلك، يواجه مسار العدالة "عقبة تشريعية"، فقانون العقوبات لعام 1949 لا يستوعب توصيف الجرائم الجسيمة كالإبادة الجماعية واستخدام الغازات السامة والتهجير القسري.
ويوضح النائب العام أن السلطات القضائية لجأت إلى "التكامل القانوني"، مستندة إلى اتفاقيات جنيف وقانون روما الأساسي لتوصيف هذه الأفعال كجرائم حرب ضد الإنسانية.
وأكد التربة أن المادة 49 من الإعلان الدستوري استثنت رموز النظام من مبدأ "عدم رجعية القوانين"، كما صدر مرسوم العفو رقم 39 لعام 2026 الذي استثنى المتورطين بالدماء.
وأشار إلى ملاحقة أكثر من 16 ألف مطلوب جنائي، وتجميد أموالهم ومنعهم من السفر بالتنسيق مع الإنتربول الدولي، ودعم المسار عبر ورشات عمل دولية في جنيف وباريس ولاهاي.
داخليا، تشرع وزارة الداخلية في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتكون "تحت سلطة القانون"، مع استحداث دوائر للشكاوى وتطبيقات إلكترونية لمحاسبة أي تجاوزات مسلكية جديدة.
لكن التحدي المادي يظل الأكبر، إذ يتطلب إرساء العدالة في بلد يعاني من "ركام دولة" مئات الملايين من الدولارات لتأهيل القضاة وتمويل "صندوق جبر الضرر"، وهو ما دفع وزارة العدل للتنسيق مع منظمات دولية في جنيف وباريس ولاهاي لدعم المسار تقنيا وقضائيا.
وبينما يطالب ذوو الضحايا، كأبناء المختفين قسريا، بتحويل السجون إلى "متاحف وطنية" للذاكرة، يشدد المسؤولون على أن المسامحة مستحيلة دون محاسبة.
ويخلص اللواء الطحان إلى أن عام 2030 قد يمثل "بداية التعافي الوطني الحقيقي"، شريطة أن يظل المسار وطنيا وشاملا، ينصف الضحايا ويبني عقدا اجتماعيا جديدا ينهي عصور "الإفلات من العقاب".
Published On 12/5/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


