"فيرون" لديه الإجابة عن سبب فشل المفاوضات بين أمريكا وإيران
الجزيرة.نت -

‏لا تزال المفاوضات الأمريكية الإيرانية تراوح مكانها بين الشد والجذب، والوعد والوعيد، تتخللها بين الحين والآخر بارقة أمل بإنهاء الصراع وفتح مضيق هرمز مجددا أمام حركة التجارة والملاحة الدولية.

لقد نجحت الوساطة الدبلوماسية الباكستانية في إقناع الطرفين؛ الأمريكي والإيراني- حتى الآن- بالموافقة على تمديد وقف إطلاق النار، في انتظار أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق دائم بين الجانبين.

وعلى الرغم من ذلك، فإن احتمالات عودة الحرب لا تزال قائمة، حتى مع رغبة الطرفين في تجنبها. وهنا يبرز سؤال أساسي: لماذا تفشل مثل هذه المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، رغم إدراك الطرفين للتكاليف الباهظة لاحتمال اندلاع حرب جديدة؟

لا يقتصر هذا السؤال على الحالة الأمريكية الإيرانية، بل يمتد إلى العديد من الصراعات المسلحة حول العالم، وقد حاول عدد من منظري العلاقات الدولية الإجابة عنه ‏مثل البروفيسور جيمس فيرون، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ستانفورد.

تساعدنا أطروحة فيرون، المعروفة "بنظرية الحرب بوصفها فشلا في المساومة" على فهم تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية حتى هذه اللحظة.

فوفقا لهذه المقاربة، فإن الحرب لا تنشأ لأن الأطراف تفضلها ‏وتختارها كخيار إستراتيجي أولي، بل ‏تشتعل نيران الحروب؛ لأن ‏الأطراف المتنازعة تفشل في التوصل إلى تسوية تفاوضية كان يمكن تحقيقها سلميا.

وتنتمي هذه المقاربة إلى ما يعرف بـ"المدرسة العقلانية في العلاقات الدولية"، التي ترى أن الخطأ في تفسير النزاعات يكمن في افتراض أن الدول تتصرف ‏تصرفا اعتباطيا غير عقلاني ‏حينما تحارب بعضها البعض في صراع يمكن تجنبه بقليل من التنازلات والمساهمات.

فالدول- في هذا الإطار- تعد فاعلا عقلانيا يسعى إلى تجنب الحرب بوصفها الخيار الأكثر كلفة، ولا تلجأ إليها إلا عندما تفشل أدوات الدبلوماسية والضغط الاقتصادي في تحقيق الأهداف المرجوة.

إعلان

‏ مشكلات المعلومات والالتزام

يرى فيرون أن أسباب فشل المساومة ‏أو المفاوضات بين الأطراف المتنازعة ترجع أساسا إلى ثلاث مشكلات رئيسية تعاني منها هذه الدول خلال مسيرة التفاوض، مما يجعل خيار الحرب عقلانيا بالنسبة لها.

أولى ‏هذه المشكلات الثلاث، هي مشكلة المعلومات ومعرفة النيات الحقيقية لكل طرف، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى احتمالات سوء تقدير مواقف البعض، أو رفع سقف المطالب، أو تضاؤل فرص التنازل.

في هذا السياق، يمكن قراءة سلوك الأطراف المتنازعة من منظور عقلاني ينسجم مع أطروحة فيرون حول فشل المساومة.

فقد أدركت إيران- بعد إقدامها على إغلاق مضيق هرمز- أن عامل الزمن قد يصبح ورقة ضغط إستراتيجية في صالحها، إذ ترى أن إطالة أمد الصراع، وتعطيل أحد أهم الممرات البحرية الدولية قد يدفعان الولايات المتحدة لاحقا إلى تقليل سقف مطالبها، والقبول بتنازلات سياسية أو أمنية.

كما تراهن طهران على أن كلفة الحرب المتزايدة على الرأي العام الأمريكي- إلى جانب استنزاف المخزون الإستراتيجي من الذخائر والصواريخ ‏الأمريكية- قد يحد من قدرة واشنطن على الاستمرار ‏في حرب شاملة ضدها.

‏لقد أشارت بعض التقارير الصحفية مؤخرا إلى نقص الذخيرة الأمريكية الإستراتيجية، خاصة في ظل الاعتماد على سلاسل توريد معقدة تشمل مواد إستراتيجية نادرة ‏تسيطر عليها الصين.

‏لذلك تكتسب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين أهمية إستراتيجية قصوى سيكون أحد محاورها الأساسية الحرب في إيران، وكذلك استمرار تدفق معادن ‏الأرض النادرة الصينية ذات الأهمية الكبيرة في عملية إنتاج الأسلحة الأمريكية المتطورة.

في المقابل، ينطلق التصور الأمريكي- خصوصا في إدارة ترمب- من فرضية أن الضربات العسكرية الدقيقة، وعمليات استهداف القيادات ‏الإيرانية العليا، إلى جانب الضغط الاقتصادي الخانق، ‏سيدفع كل ذلك إيران إلى القبول بشروط أمريكية صارمة، وعلى رأسها التخلي الكامل عن برنامجها النووي.

وقد بُني هذا التصور على تقدير يفترض هشاشة داخلية في النظام الإيراني، وإمكانية أن تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى إضعافه، أو حتى دفعه نحو تغيير سياسي داخلي ‏جوهري أشبه ما يكون بتغيير النظام الإيراني ‏بما يخدم المصالح الأمريكية.

غير أن هذه الحسابات المتبادلة تصطدم ‏أيضا بما يعرف في أدبيات ‏المدرسة العقلانية في العلاقات الدولية بمشكلة الالتزام، وهي واحدة من أبرز أسباب فشل المساومات، واندلاع الصراعات المسلحة في الساحة الدولية. ‏

والجدير بالإشارة هنا أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتنازعة، فإن الشك يظل قائما بشأن التزام كل طرف به في المستقبل.

وفي هذا السياق، تنظر إيران إلى الولايات المتحدة باعتبارها طرفا غير موثوق به؛ خاصة بعد انسحاب الأخيرة من الاتفاق النووي السابق، مما يعزز قناعة صانعي القرار الإيراني بأن أي اتفاق جديد قد لا يصمد أمام تغير الإدارات الأمريكية، أو تبدل أولوياتها.

وفي المقابل، ترى واشنطن أن طهران قد تستغل أي تسوية مرحلية لإعادة بناء قدراتها النووية، أو توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكاتها المرتبطة بحلفائها في المنطقة الممتدة من لبنان إلى اليمن.

إعلان

وهكذا، تتحول الشكوك المتبادلة حول نيات الالتزام إلى عنصر مركزي في إدامة الأزمة وإعاقة الوصول إلى تسوية مستقرة، رغم إدراك الطرفين للكلفة الباهظة لاستمرار الصراع.

عدم قابلية التنازل

وثالثها عدم قابلية التنازل عن بعض القضايا المرتبطة بتوزيع القوة أو الأمن، ما يجعل أي اتفاق محتمل غير مستقر، أو غير مقبول سياسيا.

لذا، فإن الحرب في هذا الإطار ليست خيارا أوليا، بل نتيجة مباشرة لفشل الأطراف في التوصل إلى تفاهم موثوق حول توزيع المنافع والتكاليف، رغم إدراكها العقلاني أن الصراع العسكري غالبا ما يكون أكثر كلفة من التسوية التفاوضية.

لا تقل هذه الإشكالية تعقيدا عن سابقتيها فيما يتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام وتجنب الحرب.

فإيران لا تبدو مستعدة للتخلي الكامل عن برنامجها النووي مقابل تطبيع العلاقات ورفع العقوبات الاقتصادية، كما أن الولايات المتحدة- في ظل إدارة ترمب- لا ترغب كذلك في الإبقاء على أي قدرة نووية إيرانية، خاصة بعد الضربات الجوية المكثفة التي استهدفت البرنامج النووي خلال العام الماضي، وخلال الحرب الأخيرة.

إن بقاء البرنامج النووي الإيراني، ولو جزئيا، سيعد في نظر طهران انتصارا إستراتيجيا، مما سيدفعها إلى تسخير كل إمكاناتها الاقتصادية والبشرية لتطوير برنامج نووي عسكري مستقبلي.

‏ويقوم هذا التوجه على قناعة راسخة لدى القيادة الإيرانية بأن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لردع الولايات المتحدة، ومنع تكرار أي هجمات مستقبلية، الأمر الذي قد يجعل أي قدرة نووية إيرانية مستقبلية مصدرَ تهديد دائما للاستقرار الإقليمي والدولي.

تدرك إيران اليوم نقاط الضعف في الموقف التفاوضي الأمريكي، لا سيما رغبة واشنطن في إنهاء الحرب سريعا بطريقة تضمن السيطرة الكاملة على البرنامج النووي الإيراني، أو القضاء عليه نهائيا. ويبدو أن المفاوض الإيراني قد بلغ أقصى حد في استغلال هذه الثغرات الأمريكية.

غير أنه على النظام الإيراني أن يدرك في المقابل أن صبر الإدارة الأمريكية محدود، وأن ترمب قادر على استئناف الضربات الجوية وتشديد الخناق الاقتصادي على طهران، دون اكتراث كبير بما قد يترتب على ذلك من كوارث اقتصادية وأمنية على المنطقة والعالم.

كما بدأت تلوح في الأفق ملامح تحالف أوروبي، مدعوم من بعض دول المنطقة، يهدف إلى تأمين مضيق هرمز، ومنع أي سيطرة إيرانية عليه.

ورغم أن إيران تبدو حتى الآن ناجحة نسبيا في استثمار نقاط الضعف الأمريكية، فإن خيار الحرب يحمل بدوره أخطارا جسيمة عليها.

إذ قد تؤدي ‏عودة الحرب مرة أخرى إلى تفاقم معاناة الشعب الإيراني وتصاعد الاضطرابات الداخلية. كما أن إسقاط النظام الإيراني- ‏في حالة حدوثه- لن يكون بالضرورة نتيجة الضربات الأمريكية المباشرة، بل ربما عبر انتفاضة شعبية واسعة لا يفقد فيها المتظاهرون سوى القيود التي تكبلهم.

‏ربما تتجه أنظار المراقبين في العالم مرة أخرى نحو باكستان- في ترقب بالغ الأهمية للأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية- لمعرفة مصير المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول الوصول إلى اتفاق يمنع تجدد الحرب التي لا يرغب الطرفان في استمرارها، ولكنهما سيجدان أنفسهما ‏يخوضانها مرة أخرى نتيجة لفشل المفاوضات بينهما.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد