موقع سي ان ان بالعربية - 5/14/2026 6:00:19 AM - GMT (+3 )
تحليل بقلم ديفيد غولدمان من شبكة CNN
(CNN) -- كلما طال أمد الحرب مع إيران، وازدادت حدة تداعياتها الاقتصادية المدمرة، تحسنت ،ربما، أوضاع الاقتصاد العالمي على المدى الطويل.
إنها احتمالية يصعب استساغتها أو التوفيق بينها وبين الواقع، لا سيما في ظل الأعداد الهائلة من الضحايا البشرية التي تخلفها الحرب.
فالحرب قبيحة، وقاسية، ومؤلمة للغاية؛ وألحقت أضرارها الاقتصادية بمليارات البشر حول العالم، وكان وقع هذه الأضرار مدمراً على الكثير منهم.
ومع ذلك، قد يشهد العالم تغييرات جوهرية وضرورية نتيجةً للدمار الذي تخلفه هذه الحرب.
فمن شبه المؤكد أن العالم سيعمل، نتيجةً لذلك، على تعزيز سلاسل إمداد الطاقة وتنويعها؛ مما يحول دون تحول ممر مائي واحد ،لا يتجاوز عرضه 23 ميلاً، إلى "عنق زجاجة" يخنق الاقتصاد العالمي، ويمنح إيران القدرة على قطع إمدادات سوق النفط العالمية.
وكلما اشتدت وطأة الأزمة الاقتصادية، تعاظم الحافز لإجراء تلك التغييرات الضرورية.
كما قد تتقلص منظمة "أوبك" حجماً، أو قد يتم تفكيكها بالكامل، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى انخفاض أسعار النفط والغاز.
قد يهمك أيضاً
وقد تصبح سلاسل إمداد الطاقة أكثر متانة وقوة، بفضل إنشاء خطوط أنابيب تلتف كلياً حول مضيق هرمز.
وقد يسارع العالم أيضاً من وتيرة تحوله نحو مصادر الطاقة المتجددة، مما يقلل من اعتماده على الوقود الأحفوري.
وليس من الواضح على الإطلاق نوع الاتفاق الذي يمكن التوصل إليه لإنهاء هذه الحرب ،إن أمكن التوصل إلى أي اتفاق من الأساس.
فربما لا تخرج إيران من هذه الحرب في حالة من الضعف بالقدر الذي تأمله الولايات المتحدة أو إسرائيل؛ إذ قد تواصل تمويل الإرهاب، وتهديد أرواح أعدائها ومصادر رزقهم.
ومع ذلك، يتفق الاقتصاديون والخبراء العسكريون على أن هذه الحرب ،التي تحظى بشعبية متدنية للغاية، قد تثمر بعض النتائج الإيجابية على المدى الطويل.
تعزيز سلاسل إمداد الطاقة
لقد كشفت الحرب عن عيوب هيكلية جوهرية في سلاسل إمداد الطاقة العالمية؛ وهي منظومة معقدة ومتشابكة تسعى للموازنة بين مبدأ "الاحتياط والوفرة" ومبدأ "الكفاءة".
إن حقيقة أن إيران باتت قادرة ،بكل هذه السهولة، على حرمان العالم من الوصول إلى خُمس إمدادات النفط العالمية، مستخدمةً في ذلك مجرد ألغام بحرية، وطائرات مسيرة بدائية الصنع، وزوارق سريعة، تفرض علينا ضرورة إجراء مراجعة جادة وشاملة للحسابات، وتتطلب إحداث تغييرات دائمة وجذرية.
ويتمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً في أن تقوم دول الشرق الأوسط بإنشاء خطوط أنابيب للنفط والغاز تمر عبر أراضي السعودية والإمارات، وذلك بهدف الالتفاف كلياً حول المضيق وتجنبه.
وفي هذا السياق، يقول جاي هاتفيلد، من شركة إنفراستراكتشر كابيتال أدفيزورز إن "الدول ليست غبية؛ فهي عازمة بالتأكيد على تطوير خطوط الأنابيب وزيادة قدراتها الاستيعابية بشكل هائل، ولن يراهن أحدٌ بعد الآن بمستقبله بالكامل على مضيق هرمز، ويُعد هذا تحولاً إيجابياً هائلاً."
وهذا يعني أن إمدادات الطاقة قد تصبح أكثر أماناً ، وأقل تكلفة ، على المدى الطويل؛ إذ دأب العالم على تحمل تكاليف تأمين باهظة تُضاف إلى نفقات العبور عبر الممرات المائية المتنازع عليها.
ويقول روس مايفيلد، استراتيجي الاستثمار لدى شركة "بيرد" :"ربما لم يكن لهذا التحول أن يحدث لولا هذه الحرب. ففي كثير من الأحيان، يتطلب الأمر وقوع صدمات أو أحداث خارجية غير متوقعة لترسيخ القناعة بضرورة إحداث تغيير ما".
وشهدنا تحولات كهذه عدة مرات خلال هذا العقد وحده؛ فبعد تفشي الجائحة، تعطلت سلاسل التوريد التصنيعية العالمية، ثم عاودت نهوضها لتصبح أكثر قوة ومتانة بشكل ملحوظ، كما غيرت الحرب الروسية على أوكرانيا مسار حصول أوروبا على احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وأدت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إحداث تحولات هائلة في مصادر توريد المواد الخام.
ولم يكن ظهور هذه المرونة في سلاسل إمداد الطاقة ليأتي في وقت أنسب من هذا الوقت؛ فقد أصبح الطلب العالمي على الطاقة نهماً ولا يشبع.
وإذ تتسابق شركات التكنولوجيا بخطى متسارعة لبناء مراكز بيانات تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتستهلك كميات هائلة من الطاقة.
وإذا ما نجح العالم في فطم نفسه عن الاعتماد على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة ستكون في وضع مثالي لتقديم العون؛ فالغاز الطبيعي لا يزال يشكل المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء، وتمتلك أمريكا منه مخزونات وفيرة للغاية، فضلاً عن امتلاكها قدرات تصديرية متنامية.
يقول جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين لشؤون الولايات المتحدة لدى شركة "آر إس إم يو إس": "قد يتحول هذا الوضع في نهاية المطاف إلى أمر إيجابي رغم ما يسببه من اضطراب اقتصادي مؤقت شريطة أن يتم، بمجرد انقشاع غبار هذه الأزمة، استعادة حرية الملاحة، وضمان التدفق الحر للنفط والغاز الطبيعي والمشتقات النفطية، وانهيار التكتلات الاحتكارية. فهذه نتائج لا يتسنى للمرء رؤيتها عادةً إلا بعد مرور 10 إلى 20 عاماً؛ أما في خضم ضباب الحرب، فغالباً ما تبدو الرؤية ضبابية وغير واضحة".
التغيير يحدث بالفعل
لقد بدأت بعض التغييرات الاقتصادية تترسخ وتأخذ طابعاً راسخاً بالفعل.
فمنظمة "أوبك" التي تُعد المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في مجال الوقود الأحفوري بدأت تشهد تصدعات وتفككاً في صفوفها، وأعلنت الإمارات ثاني أكبر عضو منتج للنفط داخل المنظمة عزمها الانسحاب من هذا التكتل، مما من شأنه أن يضعف قدرة "أوبك" على تحديد حصص الإنتاج التي تهدف إلى إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة.
ويقول روب ثوميل، كبير مديري المحافظ الاستثمارية لدى شركة "تورتويس كابيتال ": "إن تنويع مصادر الإنتاج بعيداً عن منظمة أوبك والاتجاه نحو موردين أكثر موثوقية ولا سيما الولايات المتحدة من شأنه أن يعزز أمن الطاقة العالمي ويساعد على استقرار الأسعار بمرور الوقت".
كما أن التحول نحو الطاقة الشمسية يسير بخطى حثيثة في أجزاء عديدة من العالم، وذلك بفعل صدمة أسعار النفط. فوفقاً لمركز الأبحاث المعني بالطاقة "إمبر"، سجلت الصادرات الصينية من تكنولوجيا الطاقة الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية مستويات قياسية غير مسبوقة خلال شهر مارس/ آذار.
وفي هذا الصدد، قال مايفيلد: "إن امتلاك اقتصاد أقل اعتماداً على نوع واحد أو نوعين فقط من مصادر الطاقة يُعد أمراً إيجابياً للغاية".
ليس كل تغيير "إيجابياً"
غير أن تلك النتائج المتفائلة لا تُعد أمراً مضمون التحقق؛ إذ قد يكون النظام الإيراني الجديد القائم حالياً أكثر تشددا وعزماً راسخاً على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما.
وقال هاتفيلد: "لقد قتلنا جميع قادتهم. ولا أظن أنهم أصبحوا الآن أعز أصدقائنا".
وخلال الحرب، وضعت إيران مخططاً لفرض نفوذ اقتصادي عالمي؛ وإذا ما تضاءلت الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، فقد تلجأ إيران وأدواتها الوكيلة إلى تهديد قنوات وخطوط أنابيب أخرى في المستقبل، حسبما أشارت هيذر لونغ، كبيرة الاقتصاديين في "اتحاد الائتمان الفيدرالي للبحرية".
وقد يبدو تفكيك منظمة "أوبك" أمراً محموداً للوهلة الأولى؛ غير أن "أوبك" كانت تنتج كميات أكبر من النفط في الأشهر الأخيرة، كما أن التخلص من هذه الكارتل يقلص احتمالية أن يتمكن العالم من العمل بشكل منسق وموحد في حال اندلاع أزمة طاقة عالمية مستقبلاً.
وقد تكون التغييرات الناجمة عن تداعيات الحرب مع إيران أكثر رفقاً ببعض الأطراف مقارنة بأطراف أخرى.
فعلى سبيل المثال، قد يأتي التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة ،لا سيما في آسيا وأوروبا، على حساب "حوض بيرميان" في ولاية تكساس، الذي وضع الولايات المتحدة لعقود طويلة في موقع يُحسد عليه بفضل ثورة النفط الصخري وتقنية التكسير الهيدروليكي.
وإذا ما انخفض الطلب على النفط على المدى الطويل، فقد تهوي أسعار النفط إلى ما دون مستوياتها التي كانت عليها قبل الحرب، مما سيلحق ضرراً بالغاً بهذه الصناعة.
وقال بروسويلاس: "إن الكثير من هذه الأمور يتوقف على ما هو دائم وما هو مؤقت".
إقرأ المزيد


