الصبر الإستراتيجي.. ما الذي كشفته قمة ترمب وشي عن "أهم علاقة في العالم"؟
الجزيرة.نت -

ما تنسفه السياسة قد تصلحه التجارة، وزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين لم تخرج عن هذا المسار. فقد نجحت أول زيارة لرئيس أمريكي في منصبه منذ عام 2017، في أن تتفادى بما فيه الكفاية الملفات الساخنة، بعد أشهر من نزاع تجاري محتدم وحرب كلامية مستعرة، بينما مهدت لعقد صفقات كبرى شملت النفط والمنتجات الزراعية والطائرات.

لكن الأهم من ذلك هو نجاح اليوم الأول للزيارة في ضبط ملامح العلاقة بين البلدين على مدى السنوات الثلاث المقبلة، بعد حالة الشد والجذب على مدى الأشهر الأخيرة.

الرئيس الصيني (الثالث من اليسار) أشار إلى "علاقات جديدة ومنضبطة"مع واشنطن  (الجزيرة)

وقد أشاد الرئيس الصيني شي جين بينغ بما قال ‌إنها "صيغة جديدة" للعلاقات مع الولايات المتحدة تقوم على التعاون مع "منافسة منضبطة"، بعد اجتماع القمة بين الرئيسين.

وتهدف هذه الصيغة الجديدة كما تراها الصين إلى "استقرار طبيعي تبقى فيه الخلافات ‌في نطاق السيطرة واستقرار دائم يمكن فيه توقع السلام".

ونقلت وكالة رويترز عن محللين أن الإشارة إلى "الاستقرار الإستراتيجي البناء" تعكس تبني الصين نهجا تدريجيا في إدارة العلاقات يوفر إطارا دبلوماسيا يمكنها من التعامل مع علاقاتها المتعددة الأوجه مع الولايات المتحدة.

"نقاط جيوسياسية"

كما هو الحال مع هذه القمة، لطالما قامت السياسة الخارجية للصين على الهدوء و"الصبر الإستراتيجي"، على حد وصف الخبراء، من أجل حماية مصالحها الاقتصادية وتعزيز مكانتها دوليا كقوة عالمية موثوق بها، حتى في علاقاتها المتأرجحة بالقوة العظمى الأولى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي تقرير لـ"مجلس العلاقات الخارجية" وهو مركز بحثي أمريكي يعمل منذ عام 1921، فإن استقبال الصين لرئيس أمريكي بعد غياب دام أكثر من 8 سنوات وفي ظل تدهور العلاقات، يمثل بحد ذاته قيمة داخلية وجيوسياسية.

إعلان

والسبب في ذلك وفق التقرير، أن الزيارة تتزامن مع ترنح الاقتصاد وضعف الطلب الاستهلاكي بالإضافة إلى ضغوط انكماشية مستمرة، وفائض في الطاقة الإنتاجية الصناعية، ما يفسر أولوية بكين في سياق الزيارة نفسها، الإبقاء على الاستقرار والصبر الإستراتيجي، بدلا من الدفع بإصلاحات كبرى في غير وقتها.

وينطلق هذا التحليل من اعتقاد راسخ لدى صناع السياسة الصينيين، بأن المنافسة مع واشنطن مرشحة لأن تشتد مجددا بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أو بمجرد مغادرة ترمب منصبه. ومن هذا المنظور كما يرى محللو المجلس، فإن هدف بكين لا يكمن في المصالحة بقدر ما يكمن في كسب الوقت: أي الحفاظ على الاستقرار الخارجي مع مواصلة تعزيز مكانة الصين على المدى البعيد، مع الاستعانة بالعوامل التالية:

  • التمديد للهدنة التجارية والتخفيف من الضغوطات على مراقبة الصادرات
  • توسيع المشتريات الصينية للسلع الأمريكية وحوكمة الأزمة المرتبطة بمنتجات الذكاء الصناعي
  • دعم الخطاب المألوف حول "المنافسة المسؤولة"

وفي كل الحالات يقول معهد "بروكينغز" الأمريكي، إن التواصل على المستوى الرئاسي حاليا يعد الوسيلة الوحيدة لضمان استقرار العلاقات الأمريكية الصينية، ومنع أي سوء تقدير من أن يؤدي إلى صراع. وقد صرح الطرفان بالفعل بأنهما قد يلتقيان 4 مرات هذا العام، وهو رقم قياسي.

لاعب دولي بضوابط

يردد الخبراء في العالم أن الصين لاعب أساسي في استقرار النظام العالمي، وهي تعرف كيف توازن بين دورها في الساحة الدولية وحماية مصالحها من جهة، والالتزام بسياستها المعلنة في احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها من جهة أخرى.

وتتضح ملامح هذه السياسة حتى في ذروة النزاعات الحالية بمنطقة الشرق الأوسط.

وفي حين تتطلع واشنطن مثلا إلى استخدام بكين لنفوذها الاقتصادي من أجل الضغط على طهران في أزمة مضيق هرمز بما يخدم مصالح البلدين في حرية تدفق الطاقة عبر الممر الحيوي، يدرك الإيرانيون على الجانب الآخر أن الصين -على الأرجح- لن تؤثر كثيرا على المفاوضات المعقدة مع طهران والتي ترتبط في النهاية بالملف النووي.

ويشير مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير، في تحليله، أنه ومن وجهة النظر الإيرانية، يمكن للصين "لعب دور في تثبيت الأوضاع بمضيق هرمز، وذلك من خلال النقاط الأربع التي قدمتها لضمان الهدوء بين ضفتي الخليج، والتي تشمل إنشاء منظومة أمنية شاملة، وعدم اتخاذ إجراءات أحادية وعدم استهداف المؤسسات واحترام سيادة الدول وبحث التنمية المشتركة والمستدامة".

وعلى هذا، يرى الدغير أن إيران "مرتاحة لعلاقتها مع الصين التي تجاهلت العقوبات الأمريكية وكانت تستورد 1.5 مليون برميل نفط إيراني يوميا قبل الحرب"، لافتا إلى أن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبكين "كانت بطلب صيني وليس إيرانيا".

أهم علاقة ثنائية في العالم

رغم الضوابط التي تقيد أدوار بكين وحدود تدخلها في الساحة الدولية، إلا أن الرئيس الصيني شي جين بينغ ينظر إلى العلاقات مع الولايات المتحدة كأهم علاقة ثنائية في العالم، وهي علاقة تواجه في تقديره، تحديا بحتمية النجاح بدل الفشل.

إعلان

ويعتقد الرئيس الصيني بأن "تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية وجعل أمريكا عظيمة مجددا يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب"، مؤكدا أن التعاون يفيد الطرفين بينما تؤدي المواجهة إلى خسارتهما معا، وأهمية أن يكونا شريكين لا منافسين.

لكن ماذا عن الشراكات الموازية وما تطلعات دول المنطقة إلى هذه العلاقة الثنائية؟

تأمل الحكومات في أنحاء المنطقة في علاقة متوازنة بين الولايات المتحدة والصين، بحيث تكون جيدة بما يكفي لتجنب الصراع والضغوط للانحياز لأحد الطرفين، ولكن ليست جيدة لدرجة أن توحي بشراكة على غرار مجموعة الدول الكبرى (جي 2) حيث تتخذ القرارات المصيرية لمصالحها في واشنطن وبكين فقط، وهو ما نبه إليه "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" في تقرير له.

وعلى هذا الأساس تتشارك دول المنطقة في إيجاد صيغة تعايش تخفف التوتر وعدم اليقين، لا سيما فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية وسلاسل إمداد المعادن الحيوية.

كما يأمل معظم الفاعلين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وفق مركز الدراسات، في الحصول على مؤشرات لحل الأزمة الإيرانية، على الرغم من أن اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان تشعر بقلق بالغ إزاء احتمال أن يقدم الرئيس ترمب، سعيا منه لكسب دعم الصين بشأن إيران، تنازلات في قضايا يعتبرونها حيوية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستعد لزيارة بكين بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (رويترز)
وماذا عن الشراكة مع روسيا؟

من دون شك، تلقي العلاقة الثنائية مع واشنطن الضوء على الشراكة الموازية للصين مع حليفها الإستراتيجي موسكو. فقد تحدث الكرملين بموازاة زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الى بكين، عن زيارة مرتقبة أيضا للرئيس فلاديمير بوتين إلى الصين.

ويرى خبراء في معهد "بروكينغز" الأمريكي، أنه بينما تشترك بكين وموسكو في هدف تقويض النفوذ العالمي لواشنطن وشبكات تحالفاتها، إلا أن لدى الدولتين رؤى إستراتيجية مختلفة جوهريا.

ويعتقد المعهد أن الصين، وباعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر دولة تجارية، فإن لها مصلحة أكبر بكثير من روسيا في الاستقرار الإقليمي والعالمي.

ويخلص خبراء المعهد في تحليلهم، إلى أن بكين تستفيد من علاقاتها الثنائية مع روسيا وكوريا الشمالية وإيران، لكنها لا ترغب في الانضمام إلى "محور" رباعي أو تأييده.



إقرأ المزيد