الجزيرة.نت - 5/15/2026 2:12:03 AM - GMT (+3 )
إن زيارة الرئيس دونالد ترمب لبكين تمثل ما هو أكثر بكثير من مجرد لقاء دبلوماسي روتيني؛ فهي تشكل جهدا مدروسا من جانب أكبر قوتين في العالم لتوجيه علاقاتهما بعيدا عن التنافس العصيّ عن السيطرة، نحو ما أسماه الرئيس شي جين بينغ: "الاستقرار الإستراتيجي البناء".
ويتجذر هذا المفهوم في الواقعية البراغماتية؛ فهو لا ينكر واقع التنافس، ولا يستسلم له، بل يسعى بدلا من ذلك إلى كبح جماح التنافس، وإدارة الخلافات، وحماية مسارات التعاون ذات المنفعة المتبادلة.
ويكتسب توقيت هذه القمة أهمية خاصة. ففي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الصينية الأمريكية واحدة من أكثر مراحلها صعوبة منذ إقامة علاقاتهما الدبلوماسية في عام 1979. فقد اختبرت الضغوط المتراكمة- التي تراوحت بين الاحتكاكات التجارية، والقيود التكنولوجية، والتوترات العسكرية، وقضية تايوان، والخلافات الأيديولوجية، والرؤى المتنافسة للنظام العالمي- مرونة الإطار الثنائي.
ولم يكن الخطر الأشد يكمن في وجود الخلافات بحد ذاتها، بل في ميل كل طرف إلى تفسير تصرفات الطرف الآخر من خلال المنظور الأكثر عدائية، مما يغذي حلقة مفرغة من الشك والتصعيد تعزز نفسها بنفسها.
وفي ظل هذه الخلفية، كانت رسالة الرئيس شي في بكين قاطعة لا لبس فيها، ومفادها ما إذا كان بمقدور الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يسمى "فخ ثوسيديديس"، وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى.
هذا ليس مجرد طرح نظري؛ بل إنه يمس مباشرة قضايا الحرب والسلام والتنمية والاستقرار الدولي.
إن صياغة "علاقة صينية أمريكية بناءة ذات استقرار إستراتيجي" تقدم طريقا وسطا حيويا بين تطرفين لا يمكن الصمود فيهما: تفاؤل ساذج يتجاهل التنافس الهيكلي، وتشاؤم حتمي يفترض صداما لا مفر منه بين قوة صاعدة وهيمنة قائمة.
وترفض مقاربة بكين كلا الأمرين؛ فهي تتصور استقرارا إيجابيا يكون التعاون حجر الأساس فيه؛ ومستقرا يستوعب التنافس المعتدل؛ ومرنا من خلال إدارة الخلافات؛ ودائما تدعمه توقعات موثوقة بالسلام.
إعلان
رسم مسار يتجاوز التنافس
تستطيع هذه القمة أن تصبح نقطة تحول ذات مغزى، ليس من خلال حل جميع النزاعات بطريقة سحرية- وهو أمر غير واقعي- بل من خلال وضع حواجز حماية سياسية أساسية.
وغالبا ما تبدأ نقطة التحول المحورية في العلاقات بين القوى الكبرى بمأسسة التوجيه الإستراتيجي بدلا من القضاء على الصراع.
وإذا التزم الجانبان بتقديم توجيه طويل الأجل للعلاقة، فإنه يمكن تنشيط وتعزيز آليات الحوار رفيع المستوى، ومنع الأزمات، والتنسيق الاقتصادي، وخفض التصعيد العسكري. وقد أرست قمة بكين الأساس لمثل هذه البنية التحتية تحديدا.
ومع ذلك، لا تزال الأجواء العامة متأثرة بسنوات من الاحتكاك المتراكم. فخلال ولايته الأولى، تحول الرئيس ترمب بحسم نحو استخدام أوراق الضغط التجاري والتنافس الإستراتيجي. وجاءت إدارة بايدن اللاحقة لترسخ بصورة أكبر النظرة إلى الصين باعتبارها المنافس النظير الوحيد القادر على إعادة تشكيل النظام الدولي.
وفي ولاية ترمب الثانية، ورغم تطور الفروق الدقيقة في الخطاب، فإن الأولويات الأساسية- المتمثلة في المعاملة بالمثل، والمرونة الصناعية، والتعريفات الجمركية، وأمن سلاسل التوريد، والردع في منطقة المحيطين؛ الهندي، والهادئ- لا تزال قائمة.
وتؤكد إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 على هدف واشنطن المتمثل في إعادة توازن العلاقات الاقتصادية مع الصين من خلال العدالة والمعاملة بالمثل، حتى مع استمرارها في الردع؛ لتجنب الصراع في منطقة المحيطين؛ الهندي، والهادئ.
إن هذا السياق يسلط الضوء على التحديات الجسيمة والضرورة الملحة للانخراط مع بكين في آن واحد. فالبلدان لن يعودا إلى عهد من الانخراط غير المشروط، ولن ينزلقا بشكل حتمي نحو حرب باردة جديدة، بل تكمن الضرورة، عوضا عن ذلك، في صياغة شكل أكثر نضجا للتعايش: شكل يتم فيه الاعتراف بالخلافات كأمر طبيعي، على عكس الأزمات؛ ويُقبل فيه التنافس كجزء متأصل، دون أن تكون الحرب حتمية؛ ويظل فيه التعاون، وإن كان انتقائيا، جوهريا وذا قيمة.
القضايا الجوهرية على جدول الأعمال الثنائي
ثلاثة مجالات رئيسية تقتضي الانتباه في المناقشات الحالية:
- أولا، العلاقات التجارية والاقتصادية: شدد الرئيس شي على أن الطابع الأساسي للعلاقات الاقتصادية الصينية الأمريكية يقوم على المنفعة المتبادلة والنتائج التي تحقق الربح للجميع.
ويتجاوز هذا التأكيد مجرد اللغة الدبلوماسية؛ فالاقتصادان متشابكان بعمق عبر الأسواق، والتدفقات الاستثمارية، وسلاسل التوريد، والزراعة، والتكنولوجيا، والتمويل، وطلب المستهلكين.
ورغم أن تصعيد التعريفات الجمركية، ومبادرات فك الارتباط، قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، فإنه يفرض تكاليف باهظة طويلة الأجل على الشركات والعمال والمستهلكين والاقتصاد العالمي.
ومن ثم، فإن ما ورد بشأن تحقيق "نتيجة متوازنة وإيجابية عموما" من مشاورات الفريقين الاقتصاديين يعد أمرا جديرا بالاهتمام؛ لأنه يساعد في استعادة ثقة السوق واستقرار التوقعات للشركات وأصحاب المصلحة من كلا الجانبين.
- ثانيا، يقع المجال التكنولوجي في بؤرة التنافس الإستراتيجي: وتتطلب القضايا التي تشمل القيود على أشباه الموصلات، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وأنظمة البيانات، وضوابط التصدير، ومراجعات الاستثمار، والسياسات الصناعية، توجيها حذرا.
إعلان
تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على المزايا التي ترى أنها تمتلكها في التقنيات الحيوية، بينما تدافع الصين بحق عن متطلباتها التنموية ضد الاحتواء.
ولا يزال التوصل إلى حل شامل أمرا بعيد المنال، ومع ذلك يمكن للطرفين تحديد متطلبات الأمن القومي الحقيقية بوضوح وتمييزها عن القمع الاقتصادي العشوائي.
إن الإفراط في إضفاء الطابع الأمني على التقنيات المتقدمة يهدد بخنق التجارة المشروعة، والابتكار، والتقدم التكنولوجي العالمي.
- ثالثا، تمثل المخاوف الأمنية، ولا سيما قضية تايوان، العنصر الأكثر حساسية في العلاقة: وقد أكد الرئيس شي أن تايوان تشكل القضية الأبرز في العلاقات الثنائية، محذرا من أن سوء الإدارة قد يؤدي إلى مسار محفوف بالمخاطر الشديدة.
فبالنسبة للصين، يتعلق الأمر بالسيادة الجوهرية وسلامة أراضيها. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإنه يتقاطع مع الإستراتيجية الإقليمية والاعتبارات السياسية المحلية.
ويتطلب مسار المسؤولية التحلي بالحكمة، والامتناع عن الأعمال الاستفزازية، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة، وضمان ألا تصبح تايوان محفزا للمواجهة المباشرة.
التداعيات العالمية والتوقعات الإستراتيجية
إن منطقة الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، لديها مصلحة أصيلة في نتائج هذه القمة. فالمنطقة، البعيدة كل البعد عن كونها مراقبا هامشيا، تقع في ملتقى أمن الطاقة، والتجارة البحرية، وتطوير البنية التحتية، والتكامل المالي، والانتشارات العسكرية، والمبادرات الدبلوماسية.
ويمكن أن يؤدي التدهور الحاد في العلاقات الصينية الأمريكية إلى تكثيف الضغوط على دول الشرق الأوسط للانحياز في مجالات مثل المعايير التكنولوجية، وعمليات الموانئ، والبنية التحتية للطاقة، والأنظمة الرقمية، والترتيبات الأمنية.
وعلى العكس من ذلك، فإن تحقيق استقرار ثنائي أكبر من شأنه أن يمنح المنطقة مرونة دبلوماسية أوسع، وبيئة دولية أكثر قابلية للتنبؤ بها.
وقد وسعت الصين حضورها الإقليمي من خلال التوسع التجاري، وشراكات الطاقة، ومشاريع البنية التحتية، والحوار السياسي. وتواصل الولايات المتحدة لعب دور أمني محوري.
ولا تستطيع أي من القوتين حل تحديات الشرق الأوسط المعقدة بمفردها؛ بيد أن الإدارة الفعالة لتنافسهما يمكن أن تمنع المنطقة من الانزلاق لتصبح ساحة أخرى لصراع صفري. كما أن تبادل وجهات النظر بين الزعيمين بشأن الشرق الأوسط، والأزمة الأوكرانية، وشبه الجزيرة الكورية، يؤكد بشكل أكبر على التداعيات العالمية لعلاقتهما الثنائية.
ومن المنظور الأمريكي، تبدو أهداف الرئيس ترمب ثلاثية الأبعاد: تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة للناخبين الأمريكيين، وتأمين التعاون الصيني- أو الحد الأدنى من ضبط النفس- بشأن القضايا الإقليمية والعالمية الملحة، واستقرار علاقة قد تطغى- لولا ذلك- على أولوياته المحلية.
ورغم طابعها القائم على أساس المصالح التبادلية (الصفقات)، فإن هذه المقاربة يمكن أن تسهل تقديم تنازلات براغماتية في مجالات التجارة والاستثمار والزراعة والطاقة والمجالات التجارية.
أما الصين، من جانبها، فتسعى إلى القدرة على التنبؤ الإستراتيجي، واحترام مصالحها الجوهرية (لا سيما فيما يتعلق بتايوان)، وبيئة أكثر استقرارا للتجارة والتكنولوجيا، وإطار ثنائي يحتوى التنافس ضمن حدود مسؤولة.
ولا تساور بكين أي أوهام بأن واشنطن ستتخلى عن التنافس تماما؛ لكنها تتوقع من الولايات المتحدة مراعاة القيود اللازمة، والامتناع عن تجاوز الخطوط الحمراء، والاعتراف بأن التعاون مع الصين لا يعد تنازلا، بل هو ركيزة أساسية للاستقرار العالمي.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح هذه الزيارة باللفتات البروتوكولية أو البيانات المشتركة، بل بالتنفيذ الصارم. ويجب أن يتطور "الاستقرار الإستراتيجي البناء" ليصبح واقعا تشغيليا من خلال الانخراط المستمر رفيع المستوى، واستعادة القنوات العسكرية المشتركة، والحوارات الاقتصادية الجوهرية، والتعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود، والإدارة المنضبطة للنزاعات.
إعلان
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى قمة بكين على أنها تسوية نهائية ولا كإعادة ضبط سطحية للعلاقات، بل تدشن مرحلة جديدة أكثر نضجا: مرحلة يواجه فيها كلا البلدين خطورة خلافاتهما مع استيعاب الثقل الأكبر لمسؤولياتهما المشتركة.
وبالنسبة للشرق الأوسط، والجنوب العالمي، والمجتمع الدولي الأوسع، فإن هذا التطور يمنح مبررا للتفاؤل الحذر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


