الساعات الذكية تفقد بريقها.. لماذا بدأ المستخدمون بالاستغناء عنها؟
الجزيرة.نت -

Published On 22/5/2026

خلال السنوات الماضية، تحولت الساعات الذكية مثل "آبل ووتش" و"سامسونغ غلاكسي ووتش" إلى جزء أساسي من سوق الأجهزة القابلة للارتداء، بعدما رُوّج لها كأدوات تجمع بين الصحة والاتصال والإنتاجية. لكن رغم النمو المستمر في المبيعات، بدأت مؤشرات جديدة تكشف ظاهرة مختلفة، وهي العدد المتزايد من المستخدمين الذين يتوقفون عن استخدام هذه الأجهزة بعد أشهر قليلة من شرائها.

هذه الظاهرة لم تعد مجرد انطباعات فردية، بل أصبحت محورا لدراسات أكاديمية وتقارير تقنية حديثة تتناول ما يعرف بـ"إرهاق الأجهزة القابلة للارتداء"، وهي حالة يفقد فيها المستخدم الحماس تجاه الساعة الذكية بسبب عوامل تتعلق بالتجربة اليومية أكثر من التقنية نفسها.

قصر عمر البطارية يعد من أكثر الأسباب التي تزعج المستخدمين (رويترز)
من الحماس إلى التخلي

تشير دراسة منشورة في مجلة "إنفورميشن آند مانجمنت" الهولندية، إلى أن كثيرا من المستخدمين الذين توقفوا عن استخدام الساعات الذكية لم يفعلوا ذلك بسبب عطل تقني، بل نتيجة تجارب سلبية متراكمة مرتبطة بطريقة الاستخدام اليومي. حيث وصفت الدراسة التخلي بأنه نتيجة عوامل نفسية وسلوكية تتطور مع الوقت، مثل فقدان الفائدة أو الإزعاج المستمر.

كما أظهرت أبحاث أخرى أن نسبة كبيرة من المستخدمين تتوقف عن استخدام الأجهزة القابلة للارتداء خلال الأشهر الأولى، خاصة عندما يشعر المستخدم أن البيانات التي يحصل عليها لا تؤدي إلى قيمة عملية حقيقية.

البطارية.. المشكلة التي لم تُحل

رغم التطور الكبير في المعالجات والشاشات، ما تزال البطارية واحدة من أكثر الشكاوى انتشارا بين مستخدمي الساعات الذكية، فبينما تعمل الساعة التقليدية لأشهر أو سنوات دون شحن، تحتاج معظم الساعات الذكية إلى شحن يومي أو كل يومين باستثناء بعض أنواع الساعات لشركات مثل هواوي أو شاومي التي قد يمتد عمر بطاريتها حتى 10 أيام بدون الحاجة إلى إعادة الشحن.

إعلان

وتؤكد تقارير ومناقشات تقنية حديثة أن هذا الأمر أصبح "احتكاكا يوميا" يدفع بعض المستخدمين إلى التخلي عن الساعة بالكامل، خصوصا عندما ينسون شحنها أو يضطرون لنزعها باستمرار.

حتى المجتمعات التقنية على منصة ريديت امتلأت بشكاوى تتعلق باستنزاف البطارية بعد تحديثات الأنظمة، أو انخفاض عمر البطارية بشكل مفاجئ، وهو ما ينعكس مباشرة على ثقة المستخدم بالجهاز.

الإشعارات.. من ميزة إلى عبء

واحدة من أبرز ميزات الساعات الذكية كانت قدرتها على إبقاء المستخدم متصلا طوال الوقت، لكن هذه الميزة تحولت تدريجيا إلى أحد أسباب النفور منها.

وتشير تقارير حديثة حول تجربة المستخدم إلى أن الإشعارات المستمرة تسبب "إرهاقا معرفيا" وتشتتا دائما، خصوصا عندما تتحول الساعة إلى نسخة مصغرة من الهاتف الذكي.

وفي نقاشات المستخدمين على ريديت، وصف البعض تجربتهم مع الساعات الذكية بأنها جعلتهم يشعرون بأن "أجسادهم تحولت إلى لوحة بيانات"، حيث أصبحوا مهووسين بالأرقام والتنبيهات ومتابعة المؤشرات الصحية بشكل مبالغ فيه.

ويعكس هذا التحول مشكلة أوسع تُعرف اليوم بالإرهاق الرقمي، وهي حالة مرتبطة بكثرة التنبيهات والاتصال المستمر بالشاشات.

هل يستفيد المستخدم فعلا من كل هذه الميزات؟

ويشتري الكثير من المستخدمين الساعات الذكية بسبب الكم الكبير من الميزات الصحية والرياضية، مثل قياس نبض القلب وتتبع النوم ومراقبة النشاط البدني، لكن الدراسات تشير إلى أن الاستخدام الفعلي طويل المدى غالبا يكون محدودا.

وفي بحث منشور صدر هذا العام في مجلة "تكنولوجي إن سوسيتي" الهولندية، وجد أن استمرار استخدام الساعة يعتمد على "القيمة اليومية الحقيقية" التي يشعر بها المستخدم، وليس على عدد الميزات الموجودة فيها. حيث أوضحت الدراسة أن الحماس الأولي يتراجع عندما لا تتحول البيانات الصحية إلى تغييرات ملموسة في حياة المستخدم.

بمعنى آخر، يكتشف كثير من المستخدمين بعد فترة أنهم يستخدمون ساعتهم فقط لمعرفة الوقت أو قراءة الإشعارات، وهي أمور يستطيع الهاتف الذكي القيام بها بالفعل.

بعض المستخدمين يكتشفون أن الهاتف الذكي يغني عن معظم وظائف الساعة (رويترز)
الخصوصية.. القلق الصامت

بات معروفا أن الساعات الذكية تجمع كمية ضخمة من البيانات الحساسة، تشمل معدل نبض القلب والنوم والنشاط البدني والموقع الجغرافي، وأحيانا مؤشرات صحية متقدمة مثل تخطيط القلب، ومع تزايد اعتماد هذه الأجهزة على الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي، ارتفعت المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمان الرقمي.

فقد أظهرت العديد من الأبحاث الأكاديمية حول سلوك مستخدمي الساعات الذكية أن كثيرا من المستخدمين يهملون إعدادات الحماية رغم قلقهم من الخصوصية، وهو ما وصفه الباحثون بـ"مفارقة الخصوصية".

كما تشير تقارير تقنية حديثة إلى أن بعض المستخدمين بدأوا يفضلون الأجهزة الأقل تدخلا أو الأقل جمعا للبيانات، مثل الأساور الصحية البسيطة أو الخواتم الذكية.

تحول في السوق.. من "المزيد" إلى "الأقل"

واللافت أن سوق الأجهزة القابلة للارتداء لا ينهار، بل يتغير. فبدل السباق نحو المزيد من الشاشات والتنبيهات، بدأت الشركات تتجه نحو أجهزة أقل إزعاجا وأكثر هدوءا.

والنقاشات الحديثة في قطاع التقنية تشير إلى أن المستخدمين أصبحوا يبحثون عن بطارية أطول وإشعارات أقل وتتبع صحي صامت وتجربة أقل تشتيتا، وهو ما يفسر الصعود المتزايد لفئة "الأجهزة غير المشتتة" مثل الخواتم الذكية وأجهزة التتبع الصحية ذات الشاشات المحدودة.

دراسات حديثة تشير إلى أن الاستخدام الطويل يعتمد على القيمة اليومية الحقيقية للساعة (شترستوك)
الجانب البيئي أيضا حاضر

وبعيدا عن تجربة المستخدم، بدأت تظهر مخاوف جديدة تتعلق بالأثر البيئي للساعات الذكية. وقد أشار تقرير حديث إلى أن ملايين الأجهزة القابلة للارتداء تنتهي مهملة في الأدراج أو كنفايات إلكترونية بسبب قصر دورة حياتها وصعوبة إصلاحها.

إعلان

ومع تسارع تحديثات الأجهزة سنويا، تزداد التساؤلات حول استدامة هذا النوع من المنتجات، خصوصا أن كثيرا منها لا يعيش طويلا قبل الاستبدال.

وبحسب المراقبين، فإن الساعات الذكية لم تفشل، لكنها تمر بمرحلة إعادة تعريف، فبعد سنوات من التركيز على زيادة الميزات والإشعارات، بدأ المستخدمون يطرحون سؤالا أبسط، وهو "هل هذه الأجهزة تجعل حياتنا أسهل فعلا؟"

الإجابة تبدو مختلفة من شخص لآخر، لكن الدراسات الحديثة تشير بوضوح إلى أن النجاح المستقبلي للساعات الذكية لن يعتمد فقط على قوة المعالج أو عدد الحساسات، بل على قدرتها على تقديم قيمة حقيقية دون أن تتحول إلى مصدر جديد للإرهاق الرقمي.



إقرأ المزيد