الجزيرة.نت - 5/22/2026 12:09:14 PM - GMT (+3 )
Published On 22/5/2026
|آخر تحديث: 11:38 (توقيت مكة)
صعّدت الولايات المتحدة من ضغوطها على كوبا عبر سلسلة خطوات متزامنة شملت إجراءات أمنية وسياسية، أبرزها إعلان احتجاز شقيقة مسؤولة كوبية بارزة، وتأكيد واشنطن عزمها تغيير النظام في هافانا غداة اتهامات جنائية إلى الرئيس السابق راؤول كاسترو، في سياق تصعيد غير مسبوق منذ سنوات في توتر العلاقات بين البلدين.
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن السلطات احتجزت أديس لاستريس موريرا بعد إلغاء وزارة الخارجية وضعها القانوني كمقيمة دائمة، موضحا أنها "مرتبطة بالنظام الشيوعي في هافانا". وأصبحت موريرا رهن احتجاز سلطات الهجرة الأمريكية، في خطوة تحمل دلالة سياسية تتجاوز بعدها القانوني.
وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، فإن موريرا هي الشقيقة الكبرى لأنيا غييرمينا لاستريس موريرا، وهي مسؤولة عسكرية كوبية بارزة خضعت مؤخرا لعقوبات أمريكية بصفتها رئيسة تنفيذية لتكتل شركات "غايسا" الذي يسيطر عليه الجيش الكوبي.
وتتهم واشنطن هذا التكتل بإدارة شبكة واسعة من الموارد المالية، والسماح لنخبة محدودة داخل النظام بنهب الموارد الاقتصادية وتحويل ما يصل إلى 20 مليار دولار إلى حسابات خارجية سرية.
جاءت هذه الخطوة بالتزامن مع تصعيد أمريكي، إذ أكدت واشنطن تصميمها على تغيير النظام في كوبا، وذلك غداة توجيه اتهامات جنائية إلى الرئيس السابق راؤول كاسترو -الشقيق الأصغر لفيدل كاسترو الذي قاد الثورة الشيوعية في كوبا- على خلفية حادث إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996، لتثير هذه الاتهامات غضبا واسعا في هافانا التي وصفتها بأنها "مشينة" ودعت إلى تنظيم احتجاجات.
فقد اعتبر وزير الخارجية الأمريكي أن النظام الاقتصادي الكوبي "معطّل ولا يمكن إصلاحه في ظل النظام السياسي الحالي"، متهما السلطات الكوبية بالاعتماد على كسب الوقت لسنوات. وأضاف أن هذه الإستراتيجية لم تعد مجدية، مؤكدا أن الولايات المتحدة "جادة للغاية ومصممة للغاية" على المضي في نهجها الحالي.
إعلان
كما أشار روبيو إلى أن كوبا تمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي، متحدثا عن وجود تعاون استخباراتي وعسكري مع روسيا والصين داخل الجزيرة، وهي نقطة تستخدمها واشنطن لتعزيز مبررات تشديد الضغوط السياسية والاقتصادية.
وسبق ذلك تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه يمكنه تغيير النظام في كوبا ولكنه "يريد تقديم المساعدة للشعب لأنه ليس لديه كهرباء أو غذاء"، حسب تعبيره.
رسائل عسكريةوفي موازاة هذا التصعيد السياسي، أعلن الجيش الأمريكي نشر حاملة الطائرات "يو إس إس نيميتز" ومجموعتها الضاربة في منطقة البحر الكاريبي، في خطوة تعزز رسائل الردع الأمريكية في محيط كوبا.
ورغم هذا الانتشار العسكري، نفى الرئيس دونالد ترمب أن يكون الهدف ترهيب هافانا، مؤكدا أن التحرك لا يستهدفها مباشرة، على الرغم من تلميحه قبل أسبوعين، بأن كوبا "هي التالية بعد إيران" قائلا إنها ستعلن استسلامها فور وصول حاملة طائرات إلى سواحلها.
لكن هذا التطور يعكس، في قراءة تحليلية، مزيجا من الضغط النفسي والعسكري، ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف النظام الكوبي وإرسال إشارات واضحة بشأن استعداد الولايات المتحدة لاستخدام أدوات متعددة، من العقوبات إلى الاستعراض العسكري.
وترى تقارير أن توجيه الاتهام إلى كاسترو يحمل دلالات تتجاوز الملف القضائي، إذ يشير إلى إمكانية تكرار سيناريوهات سابقة، مثل استخدام واشنطن لوائح اتهام ضد قادة في أمريكا اللاتينية لتبرير تحركات سياسية أو عسكرية، كما حدث مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ويقول محللون إن هذه الخطوات قد تهدف إلى خلق بيئة ضغط شاملة على النظام الكوبي، تجمع بين العزل السياسي والحرمان الاقتصادي والتشكيك في الشرعية، بما يفتح المجال أمام تغييرات داخلية أو ضغوط خارجية أكبر.
وسبق أن دعا رئيس كوبا ميغيل دياز كانيل شعبه إلى الاستعداد لأي هجوم أمريكي محتمل، مؤكدا أن بلاده لا تريد الحرب لكنها مستعدة لها إذا فُرضت عليها واتهم الولايات المتحدة باتباع سياسة عدوانية ضد كوبا، محملا إياها مسؤولية الأوضاع الاقتصادية الصعبة بسبب الحصار المفروض على البلاد.
يتزامن التصعيد الأمريكي مع أوضاع داخلية صعبة في كوبا، حيث تعاني البلاد من أزمة اقتصادية عميقة تشمل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يوميا، ونقص الوقود والمياه، وارتفاعا حادا في الأسعار. كما أدى تقييد إمدادات النفط، خاصة بعد تراجع الدعم الفنزويلي، إلى تفاقم الأزمة المعيشية.
وتتهم هافانا واشنطن بتعميق معاناة الشعب الكوبي عبر العقوبات والحصار، بينما يرى مواطنون أن الإجراءات الأمريكية تضيف ضغطا مباشرا على الحياة اليومية. ويعكس ذلك بيئة داخلية مرهقة قد تزيد من تأثير الضغوط الخارجية، لكنها في الوقت نفسه قد تعزز التماسك الداخلي في مواجهة أي تهديد خارجي.
وسبق أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وكالة الاستخبارات الرئيسية في كوبا وعدد من كبار القادة والوزراء، في إطار تصعيد واشنطن ضغوطها على الجزيرة الواقعة في البحر الكاريبي منذ يناير/كانون الثاني الماضي.
إعلان
كما قطعت الولايات المتحدة إمدادات كوبا من نفط فنزويلا التي كانت توفر للجزيرة نحو نصف احتياجاتها من الوقود، كما تفرض واشنطن -منذ يناير/كانون الثاني- حصارا نفطيا تُعلله بأن كوبا تشكّل "تهديدا استثنائيا" للأمن القومي الأمريكي.
وبدأ ترمب اتخاذ إجراءات مشددة لمنع وصول النفط إلى الجزيرة الكاريبية، وذلك في أعقاب الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير/كانون الثاني الماضي إثر عملية عسكرية أمريكية داخل فنزويلا انتهت باعتقال مادورو وزوجته وترحيلهما جوا خارج البلاد.
في المقابل، تؤكد كوبا أن إسقاط الطائرات عام 1996 كان "دفاعا مشروعا عن النفس"، بينما تحذر من أن أي تدخل عسكري قد يؤدي إلى مواجهة واسعة. ويشير خبراء إلى أن الجيش الكوبي، رغم تراجعه مقارنة بفترة الحرب الباردة، لا يزال قادرا على خوض مواجهة دفاعية طويلة باستخدام تكتيكات غير تقليدية.
وفي المجمل، تعكس التطورات الحالية مرحلة جديدة من التوتر بين واشنطن وهافانا، حيث تتقاطع الأدوات القانونية والسياسية والعسكرية ضمن إستراتيجية ضغط متكاملة، وسط تساؤلات حول حدود التصعيد وإمكانية تحوله إلى مواجهة أوسع إذا لم تكن هناك مسارات دبلوماسية.
إقرأ المزيد


