الجزيرة.نت - 5/25/2026 1:53:05 PM - GMT (+3 )
في مواجهة الزحف المتسارع للذكاء الاصطناعي على المحتوى الإخباري، لم تعد المؤسسات الصحفية تكتفي بخيارين تقليديين: إما توقيع اتفاقيات ترخيص مع شركات التقنية الكبرى، أو مقاضاتها بتهمة انتهاك حقوق النشر.
إذ بدأت صناعة الأخبار، تدريجيا، في اختبار مسار ثالث يقوم على العمل الجماعي والتفاوض الموحد، في محاولة لإعادة التوازن إلى علاقة غير متكافئة مع شركات الذكاء الاصطناعي التي باتت تستهلك المحتوى الصحفي وتعيد إنتاجه بطرق تهدد نموذج العمل الإعلامي نفسه.
في هذا التقرير تقدم الجزيرة نت تلخيصا لأهم ما استعرضته الصحفية مارينا أدامي في تقريرها الذي نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة بعنوان: "داخل جهود صناعة الأخبار لتوحيد الصفوف دفاعا عن الصحافة في مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي".
وتتبع فيه أدامي التحولات الجارية داخل المؤسسات الإعلامية العالمية، ومحاولات بناء تحالفات جماعية لحماية المحتوى الصحفي من الاستغلال غير المنظم في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويشير التقرير إلى أن كثيرا من الناشرين باتوا مقتنعين بأن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل "تشات جي بي تي" و"غيميني"، تدربت على كميات ضخمة من المواد الصحفية دون إذن مباشر أو تعويض مالي واضح.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من أن تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث، بعدما أصبح المستخدم يحصل على الإجابة مباشرة داخل روبوت المحادثة أو عبر الملخصات الذكية، دون الحاجة إلى الدخول إلى المواقع الإخبارية الأصلية.
وتستند هذه المخاوف إلى مؤشرات عملية بدأت تظهر بالفعل، فبعد إطلاق غوغل خدمة "نظرة عامة بالذكاء الاصطناعي" (AI Overviews) في مايو/أيار 2024، ارتفعت نسبة نتائج البحث التي لا تؤدي إلى أي نقرات على المواقع، فيما تراجعت الزيارات العضوية إلى المؤسسات الإخبارية، بحسب بيانات نقلها التقرير عن شركة "سيميلار ويب" (Similarweb).
إعلان
كما أظهرت أبحاث معهد رويترز أن ثلث المستخدمين فقط يضغطون باستمرار على روابط المصادر داخل الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما نادرا ما يفعل ذلك نحو 28% من المستخدمين أو لا يفعلونه إطلاقا.
ويرى التقرير أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بحقوق النشر، بل بإعادة صياغة العلاقة الأساسية التي حكمت الإنترنت لعقود، فمحركات البحث التقليدية، رغم استخدامها أجزاء من المحتوى الصحفي، كانت تعيد توجيه الجمهور إلى المواقع الأصلية، بما يسمح للمؤسسات الإعلامية بتحقيق الإيرادات عبر الإعلانات أو الاشتراكات.
لكن أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة باتت تقدم الإجابات النهائية مباشرة للمستخدم، دون المرور بالمصدر الأصلي.
وفي هذا السياق، ينقل التقرير عن دوغ ليدز، الشريك المؤسس لمنظمة "ريلي سيمبل لايسنسينغ" (Really Simple Licensing)، قوله إن "العقد الضمني للإنترنت" لم يعد قائما في عصر الذكاء الاصطناعي، بينما وصف المستشار التقني مادهاف تشينابا رد فعل المؤسسات الإعلامية بأنه يشبه "استجابة الخوف البشرية: القتال أو الهروب أو الجمود".
ويبرز التقرير محاولات بعض المؤسسات الإعلامية التعلم من تجربة صناعة الموسيقى، التي واجهت بدورها تحديات القرصنة الرقمية قبل عقدين، إذ نجحت شركات الموسيقى لاحقا في بناء أنظمة ترخيص جماعية أجبرت المنصات الرقمية على الدفع مقابل استخدام المحتوى.
ويرى خبراء تحدثوا لمعهد رويترز أن المؤسسات الصحفية لا تزال متأخرة في هذا المجال، وأن عليها الانتقال من نموذج "الوصول المفتوح" (Open Access) إلى نموذج أكثر صرامة في حماية الملكية الفكرية.
لكن المشكلة، وفق التقرير، تكمن في اختلال موازين القوى، فالمؤسسات الإعلامية تعمل بصورة متفرقة ومجزأة، بينما تواجه عددا محدودا من شركات التقنية العملاقة ذات الموارد الهائلة، ولهذا بدأت بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى في التفكير ببناء جبهات تفاوضية مشتركة.
ومن أبرز هذه المبادرات تحالف "سبير" (SPUR)، الذي يضم مؤسسات مثل "بي بي سي" و"فايننشال تايمز" و"الغارديان"، إضافة إلى مجموعة "ميدياهاوس" الأوروبية.
ويهدف التحالف إلى تطوير معايير تقنية وإطار موحد للتعامل مع شركات الذكاء الاصطناعي، بما يسمح للناشرين بالحصول على تقييم أكثر عدالة لمحتواهم الصحفي.
وفي موازاة ذلك، ظهرت مشاريع أكثر طموحا تسعى إلى إنشاء كيانات إدارة جماعية لحقوق النشر على غرار ما هو معمول به في الصناعات الفنية والموسيقية.
ومن بين هذه المشاريع مبادرة "آر إس إل كوليكتيف" (RSL Collective)، التي تحاول بناء هيئة عالمية تمنح شركات الذكاء الاصطناعي تراخيص موحدة للوصول إلى محتوى آلاف الناشرين مقابل رسوم جماعية.
وتقوم الفكرة على تطوير معيار تقني يسمح للمواقع الإخبارية بتحديد شروط استخدام محتواها آليا أمام روبوتات جمع البيانات، بدلا من الاكتفاء بخيار المنع الكامل أو السماح الكامل.
إعلان
ووفقا للتقرير، يضم المشروع حاليا نحو 1500 عضو من مؤسسات إعلامية ومنصات رقمية، بينها "الغارديان" و"أسوشيتد برس" و"ريديت" و"ويكيبيديا".
ويخصص التقرير مساحة واسعة للتجربة الدنماركية، التي تعد من أكثر النماذج تقدما في التفاوض الجماعي مع شركات التكنولوجيا، فقد أسست المؤسسات الإعلامية في الدنمارك هيئة موحدة باسم "دي بي سي إم أو" (DPCMO)، تمثل تقريبا كامل قطاع الأخبار في البلاد، بما في ذلك الإعلام الحكومي والخاص.
وبحسب التقرير، تتفاوض هذه الهيئة باسم جميع الناشرين مع محركات البحث وشركات الذكاء الاصطناعي، وقد أبرمت بالفعل اتفاقات مؤقتة مع محركات بحث مثل غوغل وبينغ.
لكنها دخلت أيضا in مواجهات قانونية مع شركات مثل "أوبن إيه آي" و"لينكد إن"، بعدما اتهمتها باستخدام المحتوى الصحفي الدنماركي لتدريب النماذج دون موافقة مسبقة.
وتقول كارين رونده، المديرة التنفيذية للهيئة، إن القضية تتجاوز مسألة "الأجر العادل" إلى حماية الديمقراطية وضمان وصول المعلومات الموثوقة إلى الجمهور، والحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي داخل الفضاء الرقمي.
وفي المقابل، يستعرض التقرير نماذج لشركات ذكاء اصطناعي تحاول تقديم مقاربة مختلفة للعلاقة مع المؤسسات الإعلامية، مثل شركة "برو راتا" (Pro Rata)، التي تطور أدوات بحث ذكية مدمجة داخل المواقع الإخبارية نفسها، وتعتمد بالكامل على محتوى مرخص ومدفوع.
وتقوم آلية الشركة على توزيع الإيرادات الإعلانية تلقائيا بين الناشرين بحسب نسبة مساهمة كل مؤسسة في إنتاج الإجابة التي يقدمها النظام للمستخدم.
وترى الشركة أن هذا النموذج يسمح بالحفاظ على المستخدم داخل المنصة الإعلامية بدلا من خسارته لصالح روبوتات المحادثة الخارجية.
ورغم هذه المحاولات، يخلص التقرير إلى أن مستقبل الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي لا يزال مفتوحا على أسئلة وجودية تتعلق بنموذج العمل الإعلامي نفسه.
فمع تضخم المحتوى المولد آليا، تصبح "الانتباه البشري" المورد الأكثر ندرة وقيمة، وهو ما يدفع بعض الخبراء إلى الاعتقاد بأن المؤسسات الصحفية ستضطر إلى التركيز أكثر على المحتوى التحليلي والإنساني والمتعدد الوسائط، بدلا من الاكتفاء بالأخبار المباشرة القابلة للأتمتة.
وفي استعارة لافتة، يقارن التقرير الوضع الحالي بمنصة "نابستر" (Napster) التي هزت صناعة الموسيقى مطلع الألفية، حين قدمت تجربة استخدام جذابة لكنها هددت بقتل الصناعة نفسها لأنها لم تكن توفر دخلا للمبدعين.
واليوم، تبدو صناعة الأخبار وكأنها تواجه السؤال ذاته: كيف يمكن الاستفادة من الثورة التقنية الجديدة دون أن تتحول إلى قوة تلتهم الصحافة التي تغذيها؟
المصدر: معهد رويترز للصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)
إقرأ المزيد


