الجزيرة.نت - 5/25/2026 4:08:00 PM - GMT (+3 )
أثار الاتفاق المتشكل بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإيران موجة واسعة من القلق والانتقادات في الإعلام الإسرائيلي، فاعتبره عدد من المعلقين والجنرالات السابقين "اتفاقا سيئا"، يمنح طهران فرصة لإعادة ترميم قوتها السياسية والعسكرية، ويقيّد إسرائيل في نفس الوقت، ويضعف قدرتها على فرض شروطها الأمنية.
وبينما ركز بعض المعلقين على "تراجع النفوذ الإسرائيلي" داخل الولايات المتحدة، رأى آخرون أن إسرائيل تواجه لحظة إستراتيجية خطيرة قد تنتهي باتفاق لا يعالج جوهر المشروع النووي الإيراني ولا برنامج الصواريخ الباليستية.
ووصف اللواء احتياط عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، ورئيس منظمة "مايند إسرائيل"، الاتفاق في مقال نشرته القناة 12 بأنه "خطوة دبلوماسية مقلقة".
وفي مقاله المنشور بتاريخ 24 مايو/أيار 2026 بعنوان "فخ التفاهم"، قال إن "الولايات المتحدة تسير بسرعة نحو صفقة سيئة، لن تستغل الإنجازات العسكرية الاستثنائية لإسرائيل والولايات المتحدة فحسب، بل ستترك الشرق الأوسط أيضا مع نظام إيراني أكثر جرأة وثقة بالنفس".
وأضاف يادلين أن ما يجري "ليس اتفاقا بل تفاهمات"، موضحا أن الصيغة المطروحة تشبه بشكل مرعب أسلوب غزة، الذي يعني شراء الهدوء بالوعد بإنهاء الحرب، ولذلك فإن إيران -حسب رأيه- ستنجح عبر هذه الصيغة، في وقف الضغط العسكري ورفع "الحصار المزدوج" عنها، مقابل تنازلات غامضة وغير ملزمة.
وحذر يادلين من أن السيناريو الأخطر يتمثل في "اتفاق سيئ" يسمح لإيران بالاحتفاظ ببرنامجها النووي عمليا، مع رفع العقوبات ومنح النظام "صورة زائفة للنصر وفرصة للبقاء في ظل إدارة ترمب".
كارثة إسرائيليةأما الكاتب والمعلق السياسي في صحيفة يديعوت أحرونوت بن درور يمني، فاعتبر أن ما يبدو "فشلا أمريكيا" هو في الحقيقة "كارثة إسرائيلية"، وقال –في مقاله "بين التمييز والإذلال" المنشور في 24 مايو/أيار 2026- إن "الحرب بلا إستراتيجية تفضي إلى ما بين الهزيمة والإذلال"، مضيفا أن "60 يوما من وقف إطلاق النار تعني 60 يوما من إعادة تأهيل إيران وتعزيز قدراتها".
إعلان
ورأى يمني، المعروف بدفاعه عن الخطاب الأمني اليميني الإسرائيلي، أن إيران ستكون المستفيد الوحيد من الاتفاق، لأن الأموال التي ستتدفق عليها "لن تُوجَّه إلى التعليم أو الرعاية الاجتماعية، بل إلى الهوس العنصري بتدمير إسرائيل".
وأضاف الكاتب أن إسرائيل تجد نفسها "عالقة في مواجهة ثلاث جبهات، هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله وإيران، دون حسم"، كما أطلق تحذيرا لافتا بقوله إن إسرائيل "قد تدخل أسوأ وضع إستراتيجي في تاريخها، بثلاث جبهات نشطة وأيدٍ مكبلة".
من جانبها، ركزت المعلقة السياسية في صحيفة معاريف أنا بارسكي على المأزق الذي يواجهه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام ترمب.
وقالت الكاتبة –في مقالها "ترمب يتجه نحو اتفاق مع إيران ونتنياهو يجد صعوبة في تسويق هذا النصر"، المنشور في 24 مايو/أيار 2026- إن ترمب "استثمر مكانته الرئاسية" في الاتفاق، وهو بحاجة الآن إلى "نتيجة يمكنه تقديمها كإنجاز".
وترى بارسكي أن إسرائيل كانت تفضل استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري على إيران بدلا من منحها "الوقت والمال والدعم الإستراتيجي"، لكنها أشارت إلى أن الاتفاق المتوقع سيكون "غامضا عمدا"، بحيث يقدم كل طرف تفسيره الخاص لبنوده، واعتبرت أن هذا الغموض "يناسب واشنطن وطهران ويضر بإسرائيل".
وأضافت الكاتبة أن نتنياهو بات مقيدا أمام ترمب، موضحة أنه "لن يهاجم إيران بمفرده، ولن يتمكن من إدارة أزمة مفتوحة مع الرئيس الأمريكي"، كما حذرت من أن أي تحرك إسرائيلي مستقل بعد التوقيع "سينظر إليه في واشنطن على أنه تقويض لإنجاز رئاسي".
تراجع النفوذويرى المعلق العسكري في صحيفة معاريف آفي أشكينازي أن الولايات المتحدة لا تفهم "العقلية الإيرانية"، وأوضح -في مقاله "ترامب يخطئ الهدف وآيات الله يسخرون منه"، أن الإيرانيين يعتبرون المشروع النووي "رمزا قوميا"، ولذلك "لا ينوون التخلي عن البرنامج النووي، ولا عن مشروع الصواريخ، ولا عن الثورة الشيعية بالوكالة".
وأضاف أشكينازي أن الإيرانيين "يستهزئون بالرئيس ترمب ويتحكمون فيه ببراعة"، لأنهم بارعون في استنزاف خصومهم بالمفاوضات الطويلة والتفاصيل الصغيرة، كما انتقد الطريقة التي أُديرت بها المفاوضات، قائلا إن "الطرف الأكبر طلب من الطرف الأصغر الانتظار في الردهة وهو يجري المفاوضات وحده" في إشارة إلى تهميش إسرائيل.
وأشار أشكينازي إلى أن إسرائيل دفعت "ثمنا باهظا" خلال المواجهة مع إيران، لكنها وجدت نفسها في النهاية أمام وقف إطلاق نار يقيّد حركتها، خاصة في لبنان، حيث "أصبحت أيدي الجنود مكبلة بسبب تعليمات ترمب".
قلق أمنيوبدورها نقلت صحيفة هآرتس عن مسؤولين أمنيين كبار حالة قلق متزايدة من تجاهل المصالح الإسرائيلية خلال المفاوضات، وأكد مسؤولون أن "موقف المؤسسة الأمنية لم يؤخذ بعين الاعتبار بشكل كافٍ من قبل الأمريكيين"، وذلك في تقرير للصحفي العسكري يانيف كوبوفيتش نُشر في 24 مايو/أيار 2026.
إعلان
وأضاف التقرير أن إسرائيل تخشى أن يقود الاتفاق لاحقا إلى "تفاهمات أمريكية في الساحة الفلسطينية وقطاع غزة" تتعارض مع المواقف الإسرائيلية، كما أن الجيش الإسرائيلي يشعر بحرج متزايد تجاه سكان الشمال في ظل الغموض المحيط بمستقبل المواجهة مع حزب الله.
إذلال بالشمالأما المعلق السياسي للقناة 12 يارون أبراهام، فركز على ما وصفه بالإذلال في الشمال، وقال -في مقاله "ست ملاحظات مهمة حول الاتفاق الناشئ"- إن حزب الله "ليس فقط صامدا، بل يثبت صموده في أسابيع من القتال الشرس"، في حين "أجبرت إسرائيل على حالة من العجز التام بسبب تعليمات الرئيس ترامب".
كما اعتبر الكاتب أن الاتفاق الحالي "لا يتضمن التزاما إيرانيا بنقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى دولة ثالثة"، معتبرا ذلك "انتهاكا صريحا لالتزام ترمب، مشيرا إلى أن إيران "تدفع بالدين، بينما تدفع الولايات المتحدة نقدا”.
وفي تقرير للقناة 13، كشف المعلق العسكري ألون بن دافيد أن نتنياهو اعترف في محادثات مغلقة بأن إسرائيل "ليست لديها أي مناورة للتأثير على الرئيس الآن".
وأشار التقرير إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تخشى أن يمنح الاتفاق "حصانة للنظام الإيراني"، فيما يتزايد الإحباط داخل إسرائيل من استمرار ترمب فيما تسميه "المماطلة الدبلوماسية الإيرانية".
كما نقل بن دافيد عن مصادر إسرائيلية أن القلق تصاعد بعد مكالمة متوترة بين ترمب ونتنياهو، أصر فيها الأخير على أن الانتظار يخدم الإيرانيين، بينما فضل ترمب "منح المزيد من الوقت للدبلوماسية لإنقاذ الأرواح".
وتكشف تعليقات المعلقين الإسرائيليين عن إجماع شبه كامل على أن الاتفاق المتشكل بين ترمب وإيران لا يلبي المطالب الأمنية الإسرائيلية، ولكن يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها واستعادة قوتها.
كما تعكس هذه التعليقات قلقا متزايدا من تراجع النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن، وعجز نتنياهو عن فرض شروطه على إدارة ترمب.
وفي المحصلة، يبدو الاتفاق في نظر كثير من الإسرائيليين تسوية أمريكية تخدم مصالح واشنطن الإقليمية أكثر مما تحقق الأمن الإسرائيلي.
إقرأ المزيد


