الجزيرة.نت - 5/26/2026 12:54:04 PM - GMT (+3 )
غزة – داخل خيمة قماشية مهترئة نُصبت فوق أرض تفتقد أبسط مقومات الحياة، بدأ أحمد سالم (28 عاما) حياته الزوجية مع عروسه في "بيت" بلا أبواب ولا جدران ولا أثاث؛ مجرد فرشات تُفرش ليلا للنوم، ثم تُكدس نهارا لتتحول إلى غرفة جلوس ومعيشة.
العروس لم ترتدِ الفستان الأبيض الذي حلمت به، ولم تشهد قاعة مضاءة بالموسيقى والزغاريد؛ اكتفت بثوب تراثي أبيض مطرز مستعار من إحدى النساء في مركز الإيواء، بعدما عجزت عائلتها عن استئجار فستان زفاف.
يقول أحمد "فرحة؟ ما فيش فرحة"، موضحا أنه انتظر ثلاث سنوات منذ خطوبته على أمل العودة إلى شقته في مخيم جباليا، لكن الحرب دمرت المنزل وقتلت عددا من أشقائه وأقاربه، لينتهي به الحال زوجا داخل خيمة حصل عليها "هدية" من أحد أقاربه.
الخيمة -كما يصفها أحمد- لا تحمي من حر الصيف ولا برد الشتاء. "طقم النوم" مجرد فرشات قديمة مهترئة بلا سرير أو خزانة أو تسريحة، المرآة الوحيدة مكسورة وملابس العروس القليلة موضوعة في أكياس نايلون بعد أن غاب "جهاز العروس" الذي كان طقسا أساسيا من طقوس الزواج في غزة.
تقول والدته "والله ما لقينا حق البدلة، شحدنا ثوب أبيض، ثوب فلاحي، ولبسناها إياه يوم العرس".
الذهب -الذي كان جزءا ثابتا من مراسم الزواج- اختفى بدوره، لا "شبكة" ولا أطقم، فقط دبلة بسيطة، بينما بقي جزء كبير من المهر دينا مؤجلا بسبب البطالة والنزوح. أما العرس فاقتصر على تجمع صغير داخل مركز الإيواء، بلا قاعة أفراح ولا موائد ولا زفة، لتتحول "ليلة العمر" إلى فرحة مؤجلة وسط الخراب.
بعد الزفاف، بدأت معاناة يومية جديدة، الحر الشديد يحول الخيمة إلى ما يشبه الفرن، يجذب الذباب نهارا والبعوض والفئران والجرذان ليلا.
إعلان
زوجة أحمد لا تحصل حتى على الحد الأدنى من الخصوصية أو الراحة، تبقى أحيانا مستيقظة حتى الفجر خوفا من الجرذان أو بسبب الحر الخانق، بينما تتحول الفرشات المهترئة إلى عبء إضافي على الجسد.
يقول بأسى "بدل ما أوفر لها بيت ترتاح فيه، جبتها على خيمة"، في تلخيص لتحول أبسط أحلام الزواج إلى أمنيات بعيدة المنال.
يبدو العريس إبراهيم جراد -للوهلة الأولى- في وضع أفضل نسبيا، خيمته من نوع أكثر تماسكا يطلق عليه "القبة"، وخارجها ركن صغير يستعمل كمطبخ: رف خشبي مكشوف في الهواء الطلق وُضعت عليه أدوات الطهي.
عروسه استطاعت استئجار فستان أبيض، لكنها حُرمت من عرس حقيقي، فاقتصر الأمر على حفلة صغيرة داخل مركز الإيواء.
ورغم هذه التفاصيل، تتكرر الصورة ذاتها: لا أثاث، ونوم على فرشات إسفنجية رقيقة على الأرض تُطوى نهارا لتتحول إلى "غرفة جلوس"، بينما الحمام غرفة صغيرة لا تتجاوز مترين، جدرانها من النايلون السميك.
فقد إبراهيم شقته في بلدة بيت حانون، ويقول إن الحرب دمرت عادات الزواج، وإن التكاليف الهائلة وانعدام الدخل دفعا الشباب إلى الاستغناء عن أغلب مظاهر الفرح، من منزل الزوجية والأثاث إلى الذهب وصالونات التجميل.
في منجرة صغيرة بحي الزيتون شرقي غزة، تحول خشب "المشاطيح" من نفايات كانت تلقى جانبا إلى مادة أساسية لصناعة أثاث منخفض الكلفة نسبيا للعرسان.
يقول الحرفي محمد ياسين إن الأثاث التقليدي أصبح شبه مستحيل، "طقم النوم" الجديد قد يتجاوز 10 آلاف دولار، وهو رقم خارج قدرة أغلب الشباب النازحين. حتى الأثاث المصنوع من "المشاطيح" والمكون من سرير وخزانة وتسريحة، يصل سعره إلى نحو 5500 شيكل (1800 دولار تقريبا)، لكنه يبقى أقل بكثير من الأطقم الكلاسيكية.
ارتفاع أسعار الأخشاب وشحها زاد كلفة هذا البديل أيضا. يختصر ياسين الوضع بعبارة "كل شيء ارتفع سعره، الطاق عشرة".
في محل مجوهرات صغير بمخيم الشاطئ شمالي غزة، يعكس ضعف الإقبال على الذهب تحولات عميقة في عادات الزواج.
مالك المحل أنيس الأشقر يوضح أن "الشبكة" فقدت كثيرا من رمزيتها القديمة، قبل الحرب كان الذهب يُشترى بوصفه "زينة وخزينة"، وكانت عائلات كثيرة تجهز العروس بما بين 25 و40 غراما. اليوم يكتفي كثيرون بدبلة واحدة، أو يشترون كميات صغيرة لا تتجاوز 16 غراما، أو يؤجلون الشراء إلى ما بعد الحرب.
حتى وزن الدبلة تقلص من 4-5 غرامات إلى غرام أو غرامين، بينما اختفت "الشبكة" تقريبا من عادات الزواج الحالية.
المفارقة أن الذهب القليل الذي يُشترى لا يبقى طويلا، "كثير من العرسان يعودون بعد أسبوع أو أقل لبيع نفس الذهب من أجل تسديد الديون أو تغطية الاحتياجات الأساسية"، يقول الأشقر، مشيرا إلى أن الاتجاه الغالب منذ بداية الحرب هو بيع الذهب لا شراؤه.
في أحد متاجر تجهيز العرائس في غزة، يروي التاجر مؤمن صرصور كيف تبدلت "بوصلة الزواج" من التركيز على طقوس الاحتفال إلى محاولة تأمين متطلبات المعيشة الأساسية.
إعلان
قبل الحرب، كانت ميزانية ملابس العروس تتراوح عادة بين 2000 و5000 شيكل، وتشمل ملابس داخلية وخارجية وفساتين وبدلات متنوعة، لتشكل ما يعرف بـ"جهاز العروس".
اليوم، تكتفي كثير من العرائس بشراء بضع قطع أساسية، "العروس تشتري أحيانا قطعتين صيفيتين وقطعتين شتويتين وبعض الملابس الضرورية وقطعة منزلية بسيطة"، يقول صرصور، مؤكدا أن المهر وحده لم يعد كافيا، وأن الوالدين والأشقاء يسدون الجزء المتبقي قدر استطاعتهم.
تغيّر طبيعة السكن لعب دورا حاسما، معظم العرائس يعشن اليوم في خيام ومراكز نزوح، لا في شقق إسمنتية. لذلك باتت اختيارات الملابس أكثر عملية، تراعي حياة يومية داخل خيام مزدحمة، بين غبار وحر ونقص في الخصوصية، في مشهد يلخص كيف غيرت الحرب في غزة ليس فقط تفاصيل الزواج، بل صورة "بيت الزوجية" نفسه.
إقرأ المزيد


