شاهد.. كيف يعيش أطفال غزة العيد وسط الركام
الجزيرة.نت -

غزة – في وقت يتبارى فيه أطفال العالم في صياغة أمنيات تحلق صوب الفضاء أو تحلم بامتلاك أحدث الألعاب، تبدو خارطة الأحلام لدى أطفال قطاع غزة مغايرة تماما، ومثقلة بتفاصيل لا تشبه براءتهم.

هناك خلف الركام وفي زوايا خيام النزوح، تولد الأمنيات مصحوبة بصوت الطائرات، فتتحول من رغبات في الترفيه إلى تطلعات أساسية للبقاء كالنوم دون خوف، وتناول وجبة مشبعة، أو حتى العودة إلى غرفهم القديمة التي سوّتها الصواريخ بالأرض.

في هذا التقرير التقت الجزيرة نت بأطفال في غزة واستمعت إلى أحلامهم الصامتة والمؤجلة، واقتربت من عالمهم الذي شوّهته الحرب لكنه ما زال ينبض بالأمل.

ياسمين أحمد تمنت التقاء إخوتها الشهداء الذين كانوا يحبونها كثيرا ويفرحونها بالعيد (الجزيرة)
"لقاء إخوتي الشهداء"

وقبل أن تشتعل إضاءة الكاميرا كانت دموع ياسمين أحمد قد سبقت كلماتها، لترسم على وجنتيها الصغيرتين حكاية عيد سُرقت بهجته، عينان تلمعان بالدمع والشوق، فقد سبقت تلك العَبَرات شارةَ البدء، معلنة وجعا ممتدا يفوق سنوات عمرها الغض.

لم تكن أمنية ياسمين تشبه أمنيات أطفال العالم في العيد، وحين سألناها عن ذلك، لم تلتفت إلى أثواب العيد المعروضة في الأسواق الشحيحة، ولم تفكر في ألعاب باتت ترفا بعيد المنال في القطاع المحاصر، وانهمرت دموعها عفوية وهي تصيغ أمنية مغايرة لكل أطفال العالم.

أمنية ترتبط بالسماء أكثر من الأرض، صمتت لبرهة قبل أن تقول بصوت مخنوق بالشوق "أتمنى لقاء إخوتي الشهداء. كانوا دائما يعيدوني ويحبوني كثيرا، أريدهم يرجعوا، ويلتئم شملنا معهم ثانية. قصفتهم الطائرة الإسرائيلية وهم ذاهبون لجمع الحطب، فلم يكن لدينا غاز".

جبريل ظاهر: كل ما أتمناه في هذا العيد هو عكازات جديدة ومناسبة تساعدني على المشي (الجزيرة)
بين "لمة العيلة" والعكازات

وليس بعيدا عن خيمة ياسمين، يخط الطفل جبريل ظاهر حكايته مع العيد على رمال النزوح، مستندا على عكازين خشبيين باتا رفيقيه الإجباريين بعد أن خلّفت الحرب في جسده الصغير إصابة بالغة، وسلبت منه بعض أفراد عائلته التي كانت تمسك بيده نحو الفرح.

إعلان

ويقول جبريل بنبرة تمتزج فيها حرقة الإصابة ببراءة الطفولة: "اشتقت للركض واللعب مع أصحابي في الحارة. العيد اليوم حزين لأنني لا أستطيع الحركة كما كنت قبل الحرب". ويكمل "كل ما أتمناه في هذا العيد هو عكازات جديدة ومناسبة تساعدني على المشي، لأستعيد ولو جزءا بسيطا من حياتي التي كانت".

أما الطفل كريم أبو العوف فقد حملت ذاكرته الغضة تفاصيل أعياد مضت، كان الفرح فيها يُقاس بلمة العائلة وطقوس التكافل، ويستذكر بملامح حزينة كيف كان يرافق والده في صباحات العيد الأولى، يشاركه بهجة الأضاحي، ويحمل معه حصص اللحوم ليوزعها على الأقارب والأصدقاء والجيران، في حارة غيّبت الحرب اليوم معظم معالمها وسكانها، يقول كريم.

وأضاف بنبرة استحضر فيها تفاصيل ما قبل الحرب "كان العيد يبدأ حين أذهب مع أبي لنوزع لحوم الأضاحي على أقاربنا وأصحابنا، أما اليوم فلا أضاحي ولا أقارب يجمعنا بهم المكان، أمنيتي أن يعود هذا العيد كما كان، وأن أرجع إلى مدرستي الحقيقية، فأنا تعبت من الدراسة داخل الخيمة، وأريد فصلا دراسيا فيه سبورة ومقاعد".

كريم أبو العوف يشتاق إلى لمة العائلة وذبح الأضحية وتوزيع لحومها كما كانوا يفعلون قبل الحرب (الجزيرة)
فدية.. حكاية أخرى

وفي حكاية أخرى من الفقد، تعيش الطفلة فدية أبو ضرابي عيدا مبتورا تشتتت فيه عائلتها الصغيرة بين الثرى وأسِرة المستشفيات؛ فقد غيَّب الموت والدها شهيدا في هذه الحرب، في حين ترابط والدتها في المستشفى برفقة شقيقها الصغير الذي يصارع المرض والإصابة، لتجد فدية نفسها وحيدة تواجه قسوة العيد بلا حضن أم أو سند أب.

وتقول فدية بصوت مرتجف يخفي خلفه شوقا كبيرا: "أبي استشهد، وأمي في المستشفى مع أخي المريض، العيد ليس عيدا وأنا وحدي هنا، وكل ما أتمناه أن يشفى أخي وتعود أمي إليّ، ونلعب معا، اشتقت للألعاب ولأيام زمان عندما كنا جميعا في بيتنا".

ولعل أشد تفاصيل وجع فدية مرارة، هو تلك المسؤولية التي حُملت إياها لرعاية شقيقتها الصغرى؛ الطفلة التي لم تكد تنطق حروفها الأولى حتى حرمتها الحرب أبسط حقوقها.

وتروي فدية بقلب يعتصره الألم كيف تنادي الصغيرة "بابا.. بابا" بحثا عن طيف أبيها الغائب، فلا تجد فدية أمامها من حيلة سوى إخراج صورة والدهما الشهيد وعرضها عليها، لتنقلب حيرة الصغيرة إلى ضحكة بريئة لا تدري أن صاحب الصورة صار تحت الثرى، وأن ملامحه المطبوعة على الورق هي كل ما تبقى لها منه في هذا العالم.

فدية أبو ضرابي استشهد والدها فتحملت المسؤولية مع أمها متناسية طفولتها (الجزيرة)
جيل "الصدمات المركبة"

وأمام هذا الواقع المرير ترى الأخصائية النفسية آية المقيد أن الاحتلال يمارس سياسة "المنع والحرمان الممنهج" بحق أطفال غزة، متعمدا اغتيال طفولتهم عبر حرمانهم أبسط حقوقهم الإنسانية، وفي مقدمتها الألعاب والشعور بالأمان.

تضيف أن ذلك يخلف جيلا كاملا يعيش تحت وطأة الصدمات المركبة، لا سيما مع الارتفاع الهائل وغير المسبوق في أعداد الأيتام الذين يواجهون ظروفا نفسية ومعيشية غاية في التعقيد بعد أن فقدوا الدفء و"لمة العائلة" التي تشكل حائط الصد النفسي الأول للأطفال".

إعلان

وتؤكد في حديثها -للجزيرة نت- أن "إدارة الحياة الكامنة لدى أطفال غزة كبيرة" وتقول: "الصغار يستقبلون العيد بملابسهم الجديدة المتاحة، ويتعطرون، ويحرصون على ترتيب وتزيين خيامهم البسيطة".

وهذا السلوك بحسب التحليل النفسي -تتابع المقيد- "ليس مجرد مظاهر احتفالية، بل هو آلية دفاعية واعية يواجه بها الأطفال محاولات سحق إنسانيتهم، ويؤكدون تمسكهم بالحياة والفرح رغم أنف الحصار والدمار".

وتضيف "الاحتلال يسعى لخنق الطفولة في القطاع، حيث أصبح الشارع والممرات الضيقة بين الخيام هي "المتنفس الوحيد" والملاذ الأخير لهؤلاء الأطفال في ظل غياب تام ومدمر للمتنزهات والملاهي والحدائق العامة التي سحقتها آلة الحرب، وحُرم الصغار من ألعابها التي تصنع في المعتاد بهجة الأعياد".

آية المقيد: الاحتلال تعمّد اغتيال طفولتهم عبر حرمانهم أبسط حقوقهم الإنسانية (الجزيرة)
اليتم وغياب الأمان

ولم تتوقف المأساة عند حدود الحرمان من مظاهر الحياة الطبيعية، بل امتدت لتطال الأمان الأسري، حيث أشارت الأخصائية المقيد بمرارة إلى الأعداد الهائلة وغير المسبوقة للأيتام في القطاع الذين فقدوا المعيل والسند في آن واحد.

وحذرت من أن هذا الفقدان المركب بين غياب (الألعاب) وفقدان الحضن الدافئ (الوالدين) يضع مئات الآلاف من أطفال غزة أمام معركة نفسية معقدة وممتدة الأثر، تتطلب تدخلا دوليا عاجلا لإنقاذ ما تبقى من صحتهم النفسية.

وبحسب معطيات وزارة الصحة في غزة فقد بلغت أعداد الأطفال الشهداء أكثر من 21 ألفا من بداية الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى أبريل/نيسان 2026.



إقرأ المزيد