"نساء غير كاملات".. دراما نفسية حول صداقة نسائية على حافة الجريمة
الجزيرة.نت -

في موسم تتكاثر فيه التحقيقات الجنائية على منصات البث العالمية حتى كادت تصبح نوعا مبتذلا لفرط تكراره، يصعب على أي عمل جديد إثبات أنه يحمل شيئا لم يُقل من قبل. ومع ذلك، أقدمت منصة "أبل تي في بلس" مؤخرا على عرض مسلسل "نساء غير كاملات" (Imperfect Women) بكل الثقة التي يوحيها اسم من 3 بطلات في ذروة مسيرتهن المهنية.

ومنذ الحلقة الأولى، يحاول العمل أن يقدم نفسه بوصفه أكثر من مجرد حكاية جريمة تقليدية. فالموت هنا ليس سوى بوابة لفتح ملفات قديمة تخص مجموعة نساء جمعت بينهن صداقة طويلة، لكنها بدت مع الوقت هشة ومليئة بالمجاملات المؤجلة أكثر من كونها علاقة حقيقية متماسكة.

كذلك حاول المسلسل استثمار النجاح المتكرر لأعمال الغموض النفسي النسائية مثل "أكاذيب كبيرة صغيرة" و"الأخوات السيئات" و"نيران صغيرة في كل مكان"، لكن النتيجة جاءت مثيرة للانقسام أكثر من كونها تجربة متفقا على جودتها، ومع ذلك نجح العمل في فرض حضوره بسبب نهايته المثيرة وتغييره الجذري لأحداث الرواية الأصلية.

3 نساء وجريمة واحدة

يحكي المسلسل عن 3 صديقات: ماري (إليزابيث موس)، إليانور (كيري واشنطن)، ونانسي (كيت مارا)، اللواتي تبدو حياتهن مستقرة من الخارج، بينما تخفي كل واحدة منهن طبقات عميقة من الخوف والغيرة والندم، ما يجعل حياتهن أشبه بمحاكمة يومية صامتة.

تبدأ القصة مع العثور على نانسي -الثرية الجميلة ذات العالم المنمق- مقتولة في حادث غامض، لتتحول الجريمة إلى مرآة تكشف العلاقات المتصدعة بين الجميع، حيث تحاول كل حلقة الاقتراب من شخصية مختلفة واستعراض العالم من منظورها، ليس بهدف معرفة القاتل فقط، بل لفهم كيف يمكن للصداقة الطويلة أن تتحول إلى مساحة للكذب والتلاعب العاطفي.

وهو ما يمنح العمل قدرا من التعقيد النفسي أحيانا، لكنه أحيانا أخرى يُصيب المشاهد بالتشتت. ومع تصاعد التحقيقات، تبدأ الأسرار القديمة والأكثر قبحا بالخروج إلى النور تدريجيا، خصوصا بعد الكشف عن العلاقة المعقدة بين نانسي وهوارد، زوج ماري.

إعلان

وإن كان المسلسل لا يعتمد على التشويق المباشر وإنما يراهن على التوتر النفسي، فالجريمة ليست الحدث الأهم بقدر ما تمثله من انهيار داخلي للشخصيات، ولهذا جاءت الحلقات متخمة بالحوار الطويل ومشاهد الفلاش باك وسط محاولات تفسير دوافع الشخصيات.

حين يسبق الكتاب الشاشة

"نساء غير كاملات" مسلسل درامي قصير من 8 حلقات، مقتبس من رواية بالاسم نفسه للكاتبة البريطانية أرامينتا هول، التي صدرت عام 2020 وحققت حضورا ملحوظا لدى قراء الإثارة النفسية.

وتماما مثل المسلسل، دارت الرواية حول ثلاثة أصوات سردية لثلاث نساء، وجريمة قتل محورية، وإن انصب التركيز في الأساس على تشريح الصداقة والزواج والخيانة. غير أن المؤلفة آني وايزمان -صاحبة تجربة مسلسل "فيزيكال" الناجحة على المنصة ذاتها- هي من تولت تحويل الرواية إلى شاشة التلفزيون.

خلافات الجغرافيا والنهايات

تحويل الرواية إلى مسلسل لم يكن نقلا حرفيا، بل أعادت وايزمان هندسة العمل داخليا مع الاحتفاظ بالهيكل الأساسي. فالرواية تجري في إنجلترا، أما المسلسل فنُقل إلى جنوب كاليفورنيا، وهو تغيير أتاح توظيف بيئة أمريكية أكثر انسجاما مع طبيعة الإنتاج التلفزيوني هناك.

وبسبب الفارق الثقافي بين المجتمع البريطاني وبيئة باسادينا وسانتا مونيكا، شهدنا في المسلسل نسيجا اجتماعيا مختلفا يخدم السياق الأمريكي، لكنه يفتقد بعض الأبعاد الطبقية الدقيقة التي تضمنتها الرواية الأصلية. كما أضافت وايزمان شخصية دونوفان، شقيق إليانور، بهدف منح العلاقات العاطفية مساحة أعمق، كذلك شهدت علاقة ماري بزوجها هوارد توسعا يتجاوز ما أوردته الرواية.

أما الاختلاف الجوهري فيتعلق بالنهاية، فمن جهة أُغلقت الرواية بشكل أكثر إشباعا وقدر من السكينة، حيث تتصالح إليانور وماري مع عيوبهما وتتقبلان هويتهما المعطوبة، فيما اختار المسلسل ترك الأبواب مفتوحة، ربما على أمل تجديد العمل لموسم آخر.

ومن جهة أخرى، تغيرت هوية القاتل بالكامل، وهو ما برره صناع العمل برغبتهم في مفاجأة قراء الرواية، وتجنب تشابه النهاية مع أعمال أخرى استخدمت فكرة "القاتل الطفل". وبالمقارنة بين العملين، انحاز كثير من القراء للرواية التي اعتبروها أكثر تماسكا، خصوصا على مستوى البناء النفسي والدوافع الداخلية، بينما فضل محبو النهايات الدرامية ذات البعد العاطفي ختام المسلسل.

الأرقام لا تكذب، والنقاد أيضا

حقق العمل حضورا لافتا على المنصة، وظهر ضمن قوائم الأعمال الأكثر مشاهدة في عدد من الدول، كما حافظ على وجوده في قوائم المشاهدة الأمريكية لأسابيع متتالية، إلا أنه على المستوى الفني لم يقدم ما يؤهله إلى كل هذه الصدارة.

فهو أقرب إلى عمل مقبول، خاصة أنه شارك في إخراجه عدة مخرجين، وإن كانت الأفضل بينهم ليسلي لينكا غلاتر، وهي واحدة من أكثر المخرجات نجاحا في التلفزيون الأمريكي؛ إذ تضم مسيرتها أعمالا مثل "هوم لاند" و"رجال ماديسون" و"الجناح الغربي" و"البرنامج الصباحي".

وكعادة أسلوبها، اعتمدت هنا أيضا على التركيز العاطفي، وتحييد الزحام البصري لصالح وجوه الممثلين. أما التصوير الخارجي، فحاول الاستثمار في مفارقات لوس أنجلوس، بين أحياء سانتا مونيكا الأنيقة وإيكو بارك بمياهه الساكنة، وهو ما خلق حالة من التوتر الجمالي، حيث تحدث الجرائم تحت الضوء الكامل لا في الظلام.

إعلان

وعلى عكس الإخراج، جاءت الكتابة متواضعة، بداية من بطء الحلقات الأولى وكثرة المشاهد الاسترجاعية والحوارات الطويلة التي لا تضيف جديدا، مرورا بتعمد إخفاء المعلومات لإطالة الغموض، ووصولا إلى عدم منح الشخصيات ما يكفي من الخصوصية، فجاءت أقرب إلى نماذج مكررة من أعمال تلفزيونية سابقة.

إليزابيث موس الأفضل، ولكن!

أما التمثيل، فتفاوتت الآراء حوله، بين كيري واشنطن التي قدمت شخصية إليانور بأداء رصين ومدروس، لكنه بدا مقيدا، خاصة في مراحل انتكاسات الشخصية والمشاهد العاطفية الثقيلة، وجزء من هذا الخلل يمكن إرجاعه إلى عدم تطور الشخصية على مستوى الكتابة.

في المقابل، كانت إليزابيث موس الأكثر إقناعا، بما قدمته من تجسيد قوي في تفاصيله، اعتمد على التعبير الداخلي الصامت أكثر من الانفعالات المباشرة، كما يليق بشخصية امرأة تتداعى بشكل شبه مستمر، وهو ما منح شخصية ماري ثقلا عاطفيا واضحا. لكنها في الوقت نفسه لم تخرج كثيرا عن أدائها التمثيلي المألوف، مما جعل بعض محبيها يجدونها مكررة ومتوقعة.

أما كيت مارا، فقدمت الأداء الأكثر إثارة للجدل، فبينما وجد البعض في تجسيدها لشخصية نانسي عمقا تجلى في ثقل نظراتها وهشاشتها المتعمدة في المساحات المرتبطة بالخوف، رأى آخرون أنها قدمت الدور ببرود أفقدهم القدرة على التعاطف معها.

ومن الرجال، جاءت المفاجأة الحقيقية من طرف كوري ستول في دور هوارد، وهي الشخصية التي جمعت بين الجاذبية والتهديد النفسي في الوقت نفسه.

دراما نفسية ممتعة أفسدتها المبالغة

"نساء غير كاملات" دراما للكبار عن العلاقات الهشة والخيانة والعنف الأسري والذكوري، تمتلك لحظات تمثيلية قوية وصورة بصرية أنيقة، لكنها تعاني من أزمة ثقة واضحة في النص، وكأنها تخشى البساطة فتلجأ باستمرار إلى المبالغة والتشعب.

الأمر الذي يجعل أزمة العمل تتجلى في معادلة تحويله من الأدب إلى الشاشة، والسقوط في فخ منح الأولوية لأسماء صانعيه على حساب الكتابة. فعلى عكس الرواية التي كانت مكثفة وثقيلة نفسيا، جاء المسلسل مخففا حتى كاد يضيع في منظومة السرد البوليسي المألوف.

ومع ذلك، لا يزال العمل جديرا بالمشاهدة، خاصة لمحبي الدراما التي تجمع بين الصداقة النسائية والتشويق الجنائي والنقد الاجتماعي.

تقييم العمل:

  • القصة: 3
  • التمثيل: 4
  • الإخراج: 3.5
  • المؤثرات البصرية: 3.5
  • صديق العائلة: 3


إقرأ المزيد