الجزيرة.نت - 5/30/2026 10:44:03 AM - GMT (+3 )
Published On 30/5/2026
شهدت الساحة الإعلامية الأمريكية مؤخرا تحولات عاصفة ومفاجئة عكست صراعا عميقا بين الرؤى التحريرية الجديدة ومتطلبات السوق القائمة على البيانات، فضلاً عن استمرار الدور الرقابي الحاسم للصحافة المحلية في توثيق التجاوزات الحقوقية، وذلك وفقا لتقرير موسع نشرته مجلة "كولومبيا للصحافة" (Columbia Journalism Review) بقلم الكاتبة سوزي بانيكاريم.
زلزال إداري بأعرق البرامجفقد فجرت باري فايس رئيسة التحرير التنفيذية لشبكة سي بي إس نيوز CBS News – وهي واحدة من كبرى شبكات التلفزيون والإذاعة التجارية في الولايات المتحدة – مفاجأة مدوية في الأوساط الصحفية بإقالتها لعدد من أبرز قيادات وصحفيي برنامج "60 دقيقة" (60 Minutes)، الذي يعد أعرق البرامج الاستقصائية وأكثرها مشاهدة في تاريخ التلفزيون الأمريكي.
وشملت الإقالات المراسلة المخضرمة شارين ألفونسي، والمنتجة التنفيذية تانيا سيمون، ومدير تحرير البرنامج دراغان ميهائيلوفيتش، بالإضافة إلى سيسيليا فيغا، أول مراسلة من أصول لاتينية في البرنامج، والمنتجين غاي كامبانيلي وماتيو بوليفوي.
وفي تعليقها على القرار، وصفت المراسلة المقالة شارين ألفونسي الخطوة في تصريح لمجلة "كولومبيا للصحافة" قائلة: "إن حجم الغطرسة والقسوة وانعدام الكفاءة في هذا القرار يبدو مذهلا". ويعود أصل الخلاف إلى ديسمبر/كانون الأول الماضي، عندما سحبت رئيسة التحرير باري فايس فجأة تقريرا أعدته ألفونسي حول السجون في السلفادور، وهو ما انتقدته ألفونسي آنذاك في مذكرة داخلية لزملائها معتبرة أن القرار "سياسي وليس تحريريا".
وأضافت ألفونسي لاحقا في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز أن فصلها يعد "خيارا متعمدا لمعاقبة صحفي رفض تجميل تقارير دقيقة"، مؤكدة أنها كانت تؤدي عملها المهني فقط رغم اتهام الإدارة لها بأنها "شخصية يصعب التعامل معها".
وتأتي هذه الإقالات في وقت حقق فيه برنامج "60 دقيقة" موسما استثنائيا قويا، حيث بلغ متوسط مشاهدات الحلقة الواحدة 9.1 ملايين مشاهد، وحصدت مقاطعه 2.5 مليار مشاهدة على منصات التواصل الاجتماعي، محققا زيادة في نسب المشاهدة بلغت 9% مقارنة بالعام الماضي، وذلك وفقا لما ورد في رسالة الوداع التي وجهتها المنتجة التنفيذية المقالة تانيا سيمون لفريق عملها، والتي أكدت فيها أن البرنامج "مؤسسة بنيت على الاستقلالية والبحث الصارم عن الحقيقة".
وفي خطوة أثارت دهشة المراقبين، تقرر تعيين الصحفي التكنولوجي وصانع الأفلام نيك بيلتون بديلاً لسيمون، وهو اختيار واجه انتقادات حادة لافتقار بيلتون إلى الخبرة في العمل التلفزيوني أو الصحافة الاستقصائية المعمقة. وفي هذا السياق، صرحت كايرا دارنتون، وهي منتجة سابقة لفترة طويلة في البرنامج، بأن خسارة القيادة الاستثنائية لتانيا سيمون وخبرتها التي تمتد لثلاثة عقود تمثل "ضربة حقيقية للمهنة بأكملها ولنوعية الصحافة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى".
معادلة الأرقام مقابل المحتوىوعلى جبهة أخرى من المشهد الإعلامي الأمريكي، دافع الملياردير جيف بيزوس، مالك صحيفة واشنطن بوست عن قرارات التسريح الأخيرة التي شهدتها المؤسسة. وفي مقابلة له مع الصحفي أندرو روس سوركين على شبكة سي إن بي سي CNBC، أكد بيزوس أن الصحيفة "يجب أن تكون مؤسسة مربحة تقف على قدميها"، داعيا قيادة غرفة الأخبار إلى اتباع البيانات التي تمنح الإدارة خارطة طريق واضحة لما يفضله القراء.
إعلان
ورغم توجيهات بيزوس بتركيز قسم الرأي في الصحيفة على قضايا "الحريات الشخصية والأسواق الحرة"، إلا أن المؤشرات الرقمية للمشاريع الجديدة جاءت مخيبة للآمال؛ حيث أطلق القسم مشروعا للمرئيات والبودكاست بعنوان "اجعله منطقيا" (Make It Make Sense)، لكن قناته المخصصة على منصة يوتيوب لم تحصد سوى 670 مشتركا بمتوسط مشاهدات لا يتجاوز 844 مشاهدة لكل فيديو، في حين يحظى الحساب الرئيسي للصحيفة بنحو ثلاثة ملايين مشترك.
ونقل تقرير لمجلة "كولومبيا للصحافة" عن قيادي سابق في فريق الفيديو بواشنطن بوست قوله إن الإدارة لم تكن تتبع البيانات بل كانت تنفذ أوامر جيف بيزوس، مشيراً إلى أن فريق الفيديو جرى تقليصه من 75 موظفا في أوج عطائه إلى 3 فقط حاليا، وهو ما تسبب في تراجع معدل النشر من 10 فيديوهات يوميا إلى فيديوين فقط هذا الشهر، وقد رفض متحدث باسم الصحيفة التعليق على هذه الأرقام.
وفي ذات السياق، أشار تقرير لمنصة "ستاتوس" (Status) الإعلامية إلى أن التجهيزات الفاخرة للاستوديو الجديد لبرامج الرأي كبّدت الصحيفة مبالغ طائلة بلغت 80 ألف دولار للمعدات فقط، في الوقت الذي رُفضت فيه طلبات متكررة لدعم بودكاست الصحيفة اليومي السابق "بوست ريبورتس" Post Reports – الذي كان يحقق 3 ملايين تحميل شهريا – حيث أبلغ رئيس التحرير التنفيذي مات ماري فريق العمل آنذاك بأن "تلك الموارد لن تأتي أبداً".
وانتقد الصحفي جيسون كويبلر من منصة "404 ميديا" (404 Media) الإستراتيجية المتبعة، مؤكداً أن البودكاست الجديد يفتقر لأبسط الممارسات المهنية الناجحة على منصات البث الرقمي.
حرب توثيق التجاوزات الحقوقيةوفي مقابل أزمات المؤسسات الكبرى، برز دور الصحافة المحلية المستقلة في تقديم تغطيات ميدانية حاسمة، حيث نشرت الصحفية ديلاني نولان تقريرا استقصائيا عبر موقع "ذا لينز" (The Lens) – وهي مؤسسة صحفية غير ربحية متخصصة في التحقيقات الاستقصائية بمدينة نيو أورليانز – كشفت فيه عن احتجاز مواطنة أمريكية من قبل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).
ووفقا للتحقيق، جرى توقيف السيدة، وهي أم لأربعة أطفال تتحدث الإسبانية، عند نقطة تفتيش روتينية برفقة طفلتها الرضيعة، حيث زعم الضباط أن هويتها الصادرة عن الولاية وبطاقتها الشخصية مزورتان، وتم تصفيدها واقتيادها إلى مركز احتجاز مع ترك طفلتها خلفها. وتمكن موقع "ذا لينز" من إثبات زيف ادعاءات الوكالة الحكومية عبر استخدام التطبيق الرقمي الرسمي لولاية لويزيانا للتحقق من الهويات، وهو تطبيق متاح للضباط أنفسهم، فضلا عن تقديم السيدة لوثائق ضريبية رسمية من هاتفها.
ورغم إطلاق سراح المواطنة بعد 18 ساعة من الاحتجاز إثر تدخل محامٍ حقوقي، إلا أن السلطات المحلية رفضت الاعتذار؛ حيث صرح كريس كورمير، الرقيب في مكتب شريف مقاطعة لافاييت، لموقع "ذا لينز" دفاعاً عن الإجراءات: "إنها تقدمت نحو نوابنا بهوية مزيفة"، زاعماً أنه جرى ترحيلها في وقت سابق، وهو ما فنده التقرير مباشرة بالتأكيد على عدم قانونية ترحيل المواطنين الأمريكيين، ليظل هذا التقرير نموذجا حيا لمدى حاجة المجتمع الأمريكي إلى صحافة استقصائية محلية تدقق في روايات السلطة الرسمية.
إعلان
إقرأ المزيد


