أوروبا مستنفرة.. صفارات إنذار في بولندا ورومانيا تحت القصف
الجزيرة.نت -

Published On 30/5/2026

لم يعد دوي الانفجارات وطنين المسيّرات حكراً على مدن الداخل الأوكراني، ففي ليلة الثامن والعشرين مايو/أيار 2026، استيقظت مدينة غالاتس الرومانية القابعة على ضفاف نهر الدانوب على واقع ميداني جديد، خطّته شظايا مسيرة روسية من طراز "غيران-2" انفجرت فوق سطح مبنى سكني.

ويعني هذا التطور أن الحرب الأوكرانية لم تعد شأنا يقتصر على خطوط الجبهة داخل أوكرانيا، بل باتت تداعياتها تصل، بصورة متزايدة، إلى أراضي الدول الأوروبية المجاورة، وسط مخاوف متنامية من أن تتحول حوادث المسيّرات إلى اختبار مباشر لقدرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وفاعلية منظوماته الدفاعية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وتتفق صحف ناطقة بالفرنسية على أن سقوط هذه المسيّرة الروسية على المبنى السكني وما نجم عن ذلك من إصابة مدنيين للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، يمثل محطة فارقة في مسار التصعيد، بل منعطفاً خطيراً يتجاوز مجرد "الخطأ الفني" ليدخل في سياق اختبار روسي متعمد لخطوط الناتو الحمراء.

كما تجمع لوموند ، ولوفيغارو ، ولوتان ، ولوبوان على أن هذا الحادث كشف هشاشة الدفاعات الأوروبية أمام التهديد المتنامي للمسيّرات منخفضة التكلفة، في وقت تتزايد فيه الهجمات الروسية على المناطق الحدودية مع رومانيا وبولندا ودول البلطيق.

وفيما سارعت بوخارست إلى تحميل موسكو مسؤولية الحادث، أكدت القيادة الرومانية أن المسيّرة اخترقت المجال الجوي قبل أن تسقط فوق مبنى سكني، بينما شدد الأمين العام للناتو مارك روته على أن "السلوك الروسي غير المسؤول يشكل خطراً علينا جميعاً"، مؤكداً أن الحلف "مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضيه".

وترى الصحف أن المشكلة لا تكمن في حادث منفرد، بل في نمط متكرر من الاختراقات الجوية. فمنذ بدء الهجمات الروسية على موانئ الدانوب الأوكرانية عام 2023، سجلت رومانيا عشرات التوغلات الجوية، فيما شهدت بولندا ودول البلطيق حوادث مشابهة خلال الأشهر الماضية.

إعلان

وتنقل الصحف عن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قولها إن "حداً جديداً قد تم تجاوزه"، معلنة العمل على حزمة عقوبات جديدة ضد موسكو، بينما وصفت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس ما جرى بأنه "انتهاك صارخ وخطير للسيادة الرومانية وللمجال الجوي الأوروبي".

وتشير الصحف الأربع إلى معضلة اقتصادية وعسكرية باتت تؤرق قادة الحلف، وهي مفارقة إسقاط مسيرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف الدولارات باستخدام صواريخ دفاع جوي أو طائرات مطاردة تكلف ملايين الدولارات، وفي هذا السياق، ينقل تقرير صحيفة لوموند تحذيراً شديد اللهجة من مسؤول رفيع في حلف شمال الأطلسي، حيث يقول:

"التحدي ليس فقط في رصد التكنولوجيا الحالية، بل في مجاراة التحور السريع للمهددات، فمنذ سبتمبر/أيلول 2025، جرى تعديل برمجيات المسيّرات الروسية أربع إلى خمس مرّات، العدو لا يكف عن التكيف، ونحن نركض دائماً خلف التهديد".

مسؤول بالناتو: التحدي ليس فقط في رصد التكنولوجيا الحالية، بل في مجاراة التحور السريع للمهددات، فمنذ سبتمبر/أيلول 2025، جرى تعديل برمجيات المسيّرات الروسية أربع إلى خمس مرّات، العدو لا يكف عن التكيف، ونحن نركض دائماً خلف التهديد

كما التقت الصحف عند نقطة "الشلل الإستراتيجي" الذي يكبّل اتخاذ القرار العسكري الفوري خوفاً من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع موسكو؛ حيث أوضحت تقارير لوموند ولوتان امتناع المقاتلات الرومانية من طراز "إف-16" عن إسقاط المسيّرة بسبب ضيق الوقت والمخاطرة بتصعيد غير محسوب.

غير أن الجنرال الروماني غيورغي ماكسيم أوضح، وفقًا للوموند، أن الجيش اصطدم بقيود تشغيلية وقانونية، مضيفاً أن "أوكرانيا في حالة حرب، أما رومانيا فهي في حالة سلم"، في إشارة إلى الحساسية المرتبطة باستخدام القوة فوق مناطق مأهولة أو بالقرب من الحدود الأوكرانية.

وتلفت الصحيفة إلى أن الناتو أطلق منذ العام الماضي مهمة خاصة أطلق عليها اسم "الحارس الشرقي" لمواجهة التوغلات الجوية، كما اختبر في رومانيا أكثر من 200 نظام مضاد للمسيّرات، إلا أن التحدي ما زال قائماً بسبب التطور السريع لهذه المسيّرات، ويقول أحد مسؤولي الحلف للصحيفة إن "العدو يواصل التكيف، ونحن نركض دائماً خلف التهديد".

Rيعمل ضباط إنفاذ القانون الرومانيون في موقع انفجار في مبنى سكني عقب استهدافه بطائرة مسيرة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا (رويترز)

أما صحيفة لوتان السويسرية فتذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن أوروبا ما زالت عاجزة عن إقامة "جدار مضاد للمسيّرات" رغم الوعود المتكررة، وتنقل عن الباحث البلجيكي ألان دو نيف قوله إن مراقبة الحدود الممتدة آلاف الكيلومترات مع روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا بشكل كامل "أمر مستحيل عمليا"، مضيفاً أن موسكو قد تستغل مثل هذه الحوادث لاختبار جاهزية الدفاعات الأوروبية ومعرفة سرعة استجابتها.

وتبرز الصحيفة أيضاً البعد السياسي للأزمة، إذ يأتي التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل الردع الغربي في مواجهة روسيا.

إعلان

ومن زاوية أخرى، تنقل صحيفة لوفيغارو صورة مختلفة عن الاستنفار الأوروبي، إذ ترصد كيف بدأت بولندا إعداد مواطنيها لاحتمال التعرض لهجمات أو أزمات أمنية واسعة.

ففي إطار برنامج "دائمًا مستعدون" -تقول الصحيفة- يتلقى المدنيون تدريبات على الإخلاء والإسعافات الأولية والبقاء في الظروف الصعبة والتعامل مع الإنذارات والهجمات السيبرانية.

وتوضح لوفيغارو أن هذه الدورات شهدت إقبالاً كبيراً بعد اختراق مسيّرات روسية للمجال الجوي البولندي العام الماضي.

وخلال إحدى الحصص التدريبية، يشرح المدرب للمتدربين أن "صافرة الإنذار تستمر ثلاث دقائق"، وعند سماعها "يجب تشغيل الراديو أو التلفاز فوراً لمعرفة التعليمات"، وتقول إحدى المشاركات إن "التهديد على حدودنا الشرقية حاضر دائماً في أحاديثنا اليومية، وندرك ما قد يحدث في أسوأ السيناريوهات".

ويشارك في هذا البرنامج مواطنون مدنيون تبدأ أعمارهم من 13 عامًا لتعلم مهارات البقاء في ظروف الحرب.

وتحدث تقرير لوفيغارو عن تحول الوعي المدني في بولندا إلى حالة من التعبئة، حيث يُدرب المواطنون على قراءة الخرائط الورقية عند انقطاع الإنترنت، وتمييز دلالات صفارات الإنذار، وتجهيز "حقيبة الطوارئ" التي تحتوي على مستلزمات البقاء لثلاثة أيام، استجابة لكتيبات الأمن التي وزعتها وزارة الدفاع على بريد المواطنين.

ويركز تقرير آخر في لوفيغارو على الرد العسكري الغربي على روسيا، مشيراً إلى أن فرنسا أصبحت منتشرة على امتداد الجبهة الشرقية للناتو من فنلندا شمالاً إلى رومانيا ودول البلطيق جنوباً وشرقاً.

قوات فرنسية في رومانيا (رويترز)

وتشارك باريس بآلاف الجنود وعشرات الطائرات والسفن الحربية ضمن جهود طمأنة الحلفاء الأوروبيين في مواجهة ما تصفه الأوساط العسكرية بـ"العدوانية الروسية المتزايدة".

أوانا بوبيسكو-زامفير تعليقا على المسيرة الروسية: لم نتفاجأ، كان ذلك مجرد مسألة وقت

وفي رومانيا، حيث سقطت المسيّرة على المبنى السكني، يرى خبراء تحدثوا إلى مجلة لوبوان أن ما جرى لم يكن مفاجئاً. وتقول الباحثة أوانا بوبيسكو-زامفير: "لم نتفاجأ، كان ذلك مجرد مسألة وقت"، وتحذر من أن انتظار وصول أنظمة الدفاع الجديدة بعد عام أو عامين "لا معنى له"، لأن حوادث أكثر خطورة قد تقع خلال أسابيع أو أشهر قليلة.

وبينما تتسابق العواصم الأوروبية لتطوير وسائل رخيصة وفعالة لإسقاط المسيّرات، تتفق هذه الصحف على أن التهديد تجاوز مرحلة الحوادث العرضية.

فالحرب التي كانت تدور خلف الحدود الأوروبية باتت تُسمع أصداؤها في المدن الأوروبية نفسها، عبر صفارات الإنذار في بولندا وانفجارات المسيّرات في رومانيا، في مشهد يعكس انتقال القارة إلى مرحلة جديدة من الاستنفار الأمني لم تعرفها منذ عقود.



إقرأ المزيد