صندوق النقد يوصي بتعزيز استقلالية البنوك المركزية بالشرق الأوسط
الجزيرة.نت -

Published On 2/6/2026

دعا صندوق النقد الدولي إلى إجراء إصلاحات متدرجة لتعزيز استقلالية البنوك المركزية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى، تبدأ بمراجعة قوانين البنوك المركزية، وترسيخ أولوية استقرار الأسعار، وتحديد صلاحيات واضحة في رسم السياسة النقدية وتنفيذها.

وأشار الصندوق، في تقرير نشره اليوم الثلاثاء، إلى ضرورة وضع قواعد صريحة تمنع أو تقيد تمويل الحكومات عبر البنوك المركزية، خصوصا الشراء المباشر لأدوات الدين أو تقديم قروض مفتوحة للخزانة، بما يحد من تحول البنك المركزي إلى ذراع تمويلية للحكومة عند اشتداد الضغوط المالية.

وشدد التقرير على ضرورة تعزيز الاستقلال المالي للبنوك المركزية، من خلال منحها القدرة على اعتماد موازناتها، ووضع قواعد واضحة لتوزيع الأرباح وتغطية الخسائر وإعادة الرسملة، بما يدعم قدرتها على أداء مهامها بعيدا عن احتياجات المالية العامة قصيرة الأجل.

وتشمل الإصلاحات المقترحة:

  • تحسين الحوكمة عبر اختيار المحافظين وأعضاء مجالس الإدارة على أساس الكفاءة والخبرة.
  • اعتماد مدد ولاية متداخلة وأطول من دورات المناصب السياسية.
  • تقليل مشاركة ممثلي الحكومة داخل مجالس البنوك المركزية، بما يحد من تضارب المصالح ويقوي الرقابة المستقلة.

ويوصي الصندوق بنشر تقارير السياسة النقدية والبيانات المالية المدققة ومحاضر الاجتماعات عند الإمكان، وشرح القرارات للجمهور والمستثمرين، لأن مصداقية البنك المركزي لا تقوم على الاستقلال وحده، بل على المساءلة وقدرته على توضيح قراراته وأهدافه.

وخلص تقرير صندوق النقد إلى أن استقلالية البنوك المركزية ارتبطت بقدرة أفضل على خفض التضخم واحتواء صدمات الأسعار، خصوصا في الدول التي تمتلك أطر سياسة نقدية واضحة وتمنح بنوكها المركزية صلاحيات أوسع بعيدا عن الضغوط السياسية والمالية قصيرة الأجل.

إعلان

ويسلط التقرير الضوء على استقلال البنوك المركزية، في وقت تواجه فيه دول عدة ضغوطا متزامنة من ارتفاع كلفة الدين، واتساع احتياجات التمويل الحكومي، وتقلبات أسعار الغذاء والطاقة، وضعف العملات المحلية في بعض الاقتصادات المستوردة للسلع الأساسية.

شعار صندوق النقد الدولي على واجهة مقره  (رويترز)

وحسب التقرير، تراجع متوسط التضخم في دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى من نحو 9% بين عامي 1981 و1999 إلى 5% في الفترة اللاحقة حتى عام 2019، بالتزامن مع تحسن تدريجي في استقلالية البنوك المركزية، خاصة منذ عام 2000.

ويشير الصندوق إلى أن هذا التحسن لم يكن متساويا بين الدول، إذ حققت الدول التي تربط عملاتها، وبينها معظم دول الخليج، نتائج أفضل في استقرار الأسعار بفضل وجود مرساة اسمية واضحة، بينما واجهت دول ذات أطر نقدية أقل وضوحا أو خاضعة لما يسميه التقرير "الهيمنة المالية" صعوبة أكبر في السيطرة على التضخم.

ويركز مفهوم الهيمنة المالية على الضغوط التي تدفع البنك المركزي إلى تمويل الحكومة أو إبقاء معدلات الفائدة عند مستويات لا تعكس الحاجة الفعلية لكبح التضخم، وهي ضغوط ظهرت بوضوح في اقتصادات ذات ديون محلية مرتفعة أو عجز مالي مزمن أو اعتماد واسع على الدعم والأسعار الإدارية.

اختبار التضخم

اختبر التضخم الذي أعقب جائحة كورونا استقلال البنوك المركزية في المنطقة، حسب التقرير، فقد ارتفعت الأسعار عالميا بفعل اضطراب سلاسل الإمداد وصعود الغذاء والطاقة، ثم زادت الضغوط بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ما دفع البنوك المركزية إلى الموازنة بين كبح التضخم وحماية التعافي الاقتصادي.

ويقول الصندوق إن الدول التي تمتلك تفويضا أوضح لاستقرار الأسعار وأطرا نقدية أكثر شفافية تعاملت بصورة أفضل مع موجة التضخم، وفي الدول المرتبطة بربط سعر الصرف، ساعدت المصداقية الناتجة عن الربط في تثبيت توقعات التضخم، خصوصا عندما دعمتها احتياطيات أجنبية كبيرة وقدرة على امتصاص الصدمات.

أما الدول التي تعمل بأطر نقدية أخرى، فقد انخفض التضخم فيها لاحقا لكنه ظل أعلى من مستوياته قبل الجائحة في عدد من الحالات، بسبب ضعف انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد، وارتفاع الدولرة، وضعف أسواق رأس المال، واعتماد الحكومات على البنوك المحلية في التمويل.

ويورد التقرير لبنان مثالا على التدهور الشديد مع "تآكل الثقة في السياسة النقدية والمالية"، وفق وصفه، إذ أدت الأزمة الاقتصادية والمالية إلى تضخم مفرط، وانخفاض سريع في قيمة العملة، وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي، بعد سنوات من سياسات مالية ونقدية غير قابلة للاستمرار.

وفي مصر، أشار التقرير إلى أن ارتفاع الدين المحلي والضغوط على العملة وسحب بعض إجراءات الدعم لاحقا أسهمت في إضعاف انتقال السياسة النقدية وزيادة التضخم، رغم إقرار قانون جديد للبنك المركزي والقطاع المصرفي عام 2020 بهدف تحديث الإطار التشريعي وتعزيز الدور الرقابي.

نماذج إصلاح

يسجل التقرير تقدما في عدد من الدول العربية؛ فالمغرب والجزائر طبقا منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام 2010 إصلاحات قانونية ومؤسسية ركزت على استقرار الأسعار، وتعزيز الاستقلال الشخصي والمالي للبنوك المركزية، ووضع قيود على تمويل العجز.

إعلان

وحقق الأردن تقدما في الاستقلال القانوني، خصوصا بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، عبر تحسين القيود على الإقراض المباشر للحكومة، في حين أقر العراق إصلاحات رفعت درجة استقلالية البنك المركزي ضمن مسار أوسع لبناء المؤسسات النقدية بعد سنوات من عدم الاستقرار.

البنك المركزي المصري (رويترز)

وأقرت تونس قانونا جديدا للبنك المركزي عام 2016 عزز دوره في صياغة السياسة النقدية، بينما منحت السعودية البنك المركزي، بموجب نظام صدر عام 2020، صلاحيات أوسع لتنظيم القطاع المالي وتحقيق أهدافه، مع استمرار العمل على تعزيز الاستقلال التشغيلي والمساءلة والشفافية والحماية القانونية.

ولا يرى الصندوق أن الاستقلال القانوني يكفي وحده؛ فالفصل بين النص القانوني والممارسة الفعلية يبقى عاملا حاسما، لأن البنك المركزي قد يتمتع باستقلال منصوص عليه في القانون لكنه يتعرض في الواقع لضغوط سياسية أو مالية تحد من قدرته على رفع معدلات الفائدة أو تشديد الائتمان عندما تتطلب ظروف التضخم ذلك.

وحسب التقرير، فإن أثر إصلاح استقلالية البنوك المركزية يحتاج إلى وقت كي يظهر، وتشير النماذج المستخدمة إلى أن ارتفاع مؤشر الاستقلالية يرتبط بانخفاض التضخم بنحو 0.5 إلى 0.6 نقطة مئوية بعد عام، ويبلغ الأثر ذروته في السنة الرابعة، حين يبقى التضخم أقل بنحو 0.5 إلى 0.8 نقطة مئوية مقارنة بالمسار الأساسي.

فجوة عربية

يرى الصندوق أن دول المنطقة قطعت شوطا "مهما" في تعزيز الاستقلال القانوني للبنوك المركزية، خصوصا في مجالات الاستقلال المالي والإفصاح والتقارير، لكنه يشير إلى استمرار نقاط ضعف مؤسسية تمس قدرة هذه البنوك على التصرف باستقلال كامل عند مواجهة صدمات الأسعار.

وحسب التقرير، تظهر الفجوة الأبرز في حوكمة البنوك المركزية، وتحديدا في طريقة تعيين المحافظين وأعضاء مجالس الإدارة، ومدة ولاياتهم، وإمكانية تأثر قرارات التعيين أو الإقالة بالسلطة التنفيذية.

وفي المجمل، لا تزال دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الخليج متأخرة عن الاقتصادات المتقدمة في استقلال مجالس البنوك المركزية ومحافظيها، وفق التقرير.

وتبرز كذلك مشكلة إقراض الحكومات، ويقول الصندوق إن السماح للبنوك المركزية بتمويل القطاع العام، أو غياب قيود قانونية واضحة على هذا التمويل، قد يخلط بين هدف استقرار الأسعار واحتياجات الخزانة العامة، ويضعف فاعلية السياسة النقدية.

وثمة تباين بين دول المنطقة العربية، فدول الخليج حافظت عموما على تضخم منخفض ومستقر، مدعومة بربط عملاتها بالدولار وامتلاكها هوامش مالية وااحتياطيات كبيرة، بينما واجهت دول أخرى مثل مصر ولبنان وتونس ضغوطا أكبر نتيجة تداخل الصدمات الخارجية مع اختلالات داخلية في المالية العامة وسعر الصرف.

ويشير التقرير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي بدأت منذ أواخر العقد الماضي تحسين الاستقلال القانوني لبنوكها المركزية، مع تطوير الأطر الرقابية والمالية ضمن مسارات تنويع الاقتصاد، لكنه يلفت إلى أن بعض القيود المتعلقة بالإقراض الحكومي والمهام المتعددة للبنوك المركزية تحتاج إلى ضبط قانوني أوضح.



إقرأ المزيد