الجزيرة.نت - 6/2/2026 4:31:01 PM - GMT (+3 )
Published On 2/6/2026
بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب والتصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، تبدو المنطقة أمام مفارقة لافتة مفادها أن جميع الأطراف الرئيسية لديها رؤيتها حول ما يعنيه وقف الحرب.
فبحسب قراءات نشرتها صحف تلغراف وآي بيبر وغارديان البريطانية، تريد الولايات المتحدة اتفاقا يوقف الحرب ويعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة، فيما تسعى إيران إلى ضمانات سياسية وأمنية تشمل لبنان ورفع العقوبات، أما إسرائيل، فتريد مواصلة القتال لتوسيع نفوذها وإسقاط الحكومة الإيرانية، وهي تسعى لتقويض اتفاقات السلام حتى الآن لضمان ذلك.
وتأتي التحليلات بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق لوقف جزئي لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله.
ما هي رؤية ترمب؟من جهته، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأكثر استعجالا لإغلاق هذا الملف، فبعد أشهر من الضربات العسكرية والعقوبات والتهديدات، بات تركيزه منصبا على تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام اتفاق مع طهران.
الرئيس الأمريكي دخل الحرب من دون خطة بديلة، ثم عاد في النهاية إلى التفاوض حول شروط تشبه التي كانت مطروحة قبل اندلاع الحرب
بواسطة كينيث روث
ويرى كاتبا صحيفة تلغراف أختر ماكويي وبول نوكي، أن العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دخلت مرحلة توتر متزايد بسبب الخلاف حول كيفية إنهاء الحرب مع إيران.
فبحسب الكاتبين، كان نتنياهو من أبرز الدافعين نحو المواجهة العسكرية مع طهران، لكنه يقف الآن عقبة أمام الجهود الأمريكية للتوصل إلى تسوية تنهي الصراع.
ويشير الكاتبان إلى أن إيران أعلنت تعليق المفاوضات مع الولايات المتحدة سابقا بعد الغارات الإسرائيلية على لبنان، وهو ما يراه المقال دليلا على أن التصعيد حقق جزئيا الهدف الذي سعى إليه نتنياهو.
يتهم مقال تلغراف نتنياهو بمحاولة دفع إيران إلى الانسحاب من المفاوضات بعد الفشل في إقناع ترمب برفض الاتفاق
لكن الكاتبين يلفتان إلى أن الرئيس ترمب تدخل سريعا وأجرى اتصالا هاتفيا مع نتنياهو، انتهى بإلغاء مزيد من الضربات، في خطوة عكست حدود قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي على فرض أجندته على الإدارة الأمريكية.
إعلان
وبحسب ما أعلنته السفارة اللبنانية في واشنطن، ينص الاتفاق على امتناع إسرائيل عن تنفيذ غارات على بيروت وضاحيتها الجنوبية، مقابل وقف حزب الله هجماته على إسرائيل، طبقا لصحيفة آي بيبر.
لكن هذا الاختراق لم يحسم السؤال الأهم: هل تلتزم إسرائيل بالاتفاق؟ فنتنياهو أعلن بوضوح أن العمليات العسكرية ستستمر في جنوب لبنان، حيث تواصل القوات الإسرائيلية التقدم نحو نهر الزهراني، في أعمق توغل داخل الأراضي اللبنانية منذ ربع قرن.
واختلفت قراءات الصحف لتقييم خطوة ترمب، فمن جهته قال كاتب العمود في غارديان كينيث روث إن ترمب قدّم درسا في "فشل الإدارة والتفاوض"، حيث أدت قراراته "الساذجة" -وفق تعبير المقال- إلى تقوية موقف المتشددين في الحكومة الإيرانية، وتحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط اقتصادية.
وحمل الكاتب ترمب نفسه مسؤولية المأزق الحالي، مشيرا إلى أن الرئيس دخل الحرب من دون خطة بديلة، ثم عاد في النهاية إلى التفاوض حول شروط تشبه التي كانت مطروحة قبل اندلاع الحرب.
أما صحيفة آي بيبر، فقد وصفت الاتفاق بأنه "غير مسبوق"، إذ لم يدخل رئيس أمريكي في مناقشات مع الحزب مباشرة، نظرا إلى تصنيف واشنطن إياه بأنه منظمة إرهابية.
"المفاوض الفاشل"ومع ذلك، لم يحقق ترمب أهدافه حتى الآن، وفي هذا الصدد، ينصح روث الرئيس بالابتعاد عن نتنياهو، فرؤيته تقوم على إدارة الصراعات بالقوة العسكرية، وتفضيل الحروب المتكررة على التسويات السياسية طويلة الأمد.
ويطالب روث -وهو المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش- ترمب بوضع مصالح العالم فوق كبريائه، وعدم طرح شروط تعجيزية على إيران وقبول الاتفاق المتاح، حتى لو أظهره ذلك "مفاوضا فاشلا" بدلا من "صانع صفقات ماهر".
ما هي رؤية نتنياهو؟
ويتهم مقال تلغراف نتنياهو بمحاولة دفع إيران إلى الانسحاب من المفاوضات بعد الفشل في إقناع ترمب برفض الاتفاق، إذ يرى الكاتبان أن الضربات على لبنان جاءت بهدف استفزاز طهران وإفشال المسار الدبلوماسي.
ويقول المقال إن نتنياهو بنى جزءا كبيرا من حياته السياسية على مواجهة إيران، وإنه كان يأمل أن تقود الحرب إلى تغيير جذري في طهران أو حتى إلى انهيار النظام الإيراني.
وبعد الضربات التي استهدفت قيادات إيرانية ومنشآت عسكرية واقتصادية في بداية الحرب، كان الاعتقاد السائد في إسرائيل هو أن "اللحظة الحاسمة" أصبحت قريبة للإطاحة بالحكومة الإيرانية، والتخلص من خصم رئيسي في المنطقة.
غير أن هذه النتيجة لم تتحقق، لأن النظام الإيراني ما زال قائما، والمفاوضات عادت إلى الواجهة، وهو ما يضع نتنياهو أمام معضلة داخلية كبيرة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
أما إيران، فهي الأخرى تريد إنهاء الحرب ولكن وفق شروط مختلفة، فهي -حسب روث- تسعى إلى الحصول على ضمانات سياسية واقتصادية قبل الدخول في أي اتفاق نهائي، كما تطالب بالإفراج عن أصول مالية مجمدة وتخفيف بعض العقوبات.
إعلان
أما في ما يتعلق بلبنان، فيرى روث أن الملف اللبناني أصبح جزءا أساسيا من المفاوضات الجارية، إذ تشترط طهران أن يشمل أي تمديد لوقف إطلاق النار وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أيضا.
إسرائيل صعّدت عملياتها العسكرية بالتزامن مع الحديث عن الاتفاق الجديد، مما يشير إلى أن الملف اللبناني سيبقى ورقة شائكة في أي مفاوضات مستقبلية
ويقول الكاتب إن هذا المطلب مفهوم في ضوء ما خلفته الحرب من دمار ونزوح واسع، حيث أجبرت العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو مليون شخص على مغادرة منازلهم في جنوب لبنان.
ويضيف المقال أن إسرائيل صعّدت عملياتها العسكرية بالتزامن مع الحديث عن الاتفاق الجديد، وتقدمت قواتها إلى ما بعد نهر الليطاني للمرة الأولى منذ عقدين، مما يشير إلى أن الملف اللبناني سيبقى ورقة شائكة في أي مفاوضات مستقبلية.
وهكذا تبدو صورة المشهد الحالي معقدة، إذ يريد ترمب اتفاقا يعلن من خلاله أنه أنهى الحرب وأعاد الاستقرار إلى المنطقة، ويريد نتنياهو نهاية تضمن عدم عودة إيران قوة إقليمية قادرة على تهديد إسرائيل، أما إيران فتسعى إلى وقف الحرب مع الحفاظ على النظام السياسي القائم وضمان مكاسب اقتصادية وأمنية من المفاوضات.
وبين هذه الأهداف المتعارضة، يقف لبنان في قلب الصراع، بعد أن تحول إلى ساحة اختبار حقيقية لأي اتفاق مقبل، فنجاح التهدئة أو فشلها هناك قد يحدد مصير المفاوضات الأمريكية الإيرانية ومستقبل العلاقة بين ترمب ونتنياهو، بل وربما شكل الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.
إقرأ المزيد


