الجزيرة.نت - 6/2/2026 5:00:57 PM - GMT (+3 )
بعد مواسم وصفت بالكارثية، خلفت حرائق مدمرة وخسائر واسعة في الغطاء الغابوي بعدد من دول المغرب العربي، تعود المخاوف مجددا مع اقتراب صيف 2026، في ظل مؤشرات مناخية تنذر بارتفاع درجات الحرارة ووفرة غطاء نباتي سريع الاشتعال.
وبين خطط الوقاية وتعزيز أنظمة المراقبة والتدخل الجوي، تدخل دول المنطقة سباقا مع الزمن لتفادي تكرار سيناريوهات السنوات الماضية التي حولت آلاف الهكتارات من الغابات إلى رماد.
في المغرب والجزائر وتونس، لم تعد حرائق الغابات أحداثا موسمية معزولة، بل تحولت إلى خطر بيئي مركب يهدد المنظومات الغابوية والتنوع البيولوجي، ويضغط على الساكنة القريبة من المجالات الغابوية، في ظل تصاعد آثار التغيرات المناخية.
ويزيد من تعقيد المشهد أن المؤشرات المناخية الراهنة تجمع بين ارتفاع درجات الحرارة وتوالي فترات الجفاف وعودة الغطاء النباتي بكثافة بعد التساقطات، ما يخلق وقودا طبيعيا قابلا للاشتعال بسرعة وانتشار أوسع للحرائق عند اندلاعها.
يرى خبراء البيئة أن حرائق الغابات لم تعد مجرد أحداث موسمية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بتغير المناخ، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وتوالي موجات الجفاف وتغير طبيعة الغطاء النباتي.
وفي ظل هذا الواقع، تتجه دول المغرب العربي نحو مقاربة أكثر شمولا واستباقية، تربط بين مكافحة الحرائق والتكيف مع التغيرات المناخية، وحماية النظم البيئية، وإعادة تأهيل الغابات المتضررة، في محاولة لتفادي سيناريوهات أكثر قسوة خلال صيف 2026.
في السياق الإقليمي، يقول المتخصص في التنمية والتصرف في الموارد بتونس حسين الرحيلي إن دول المغرب الكبير، المغرب والجزائر وتونس تواجه ضغطا مناخيا متصاعدا، في ظل سنوات جفاف متتالية امتدت لست أو سبع سنوات، باستثناء الموسم الحالي الذي عرف تساقطات مطرية مهمة.
إعلان
ويؤكد في تصريح للجزيرة نت أن حرائق الغابات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة خلفت خسائر كبيرة في المساحات الغابوية، مشيرا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بشكل قياسي، إضافة إلى الرياح، ساهم في توسع رقعة الحرائق وتعقيد عمليات السيطرة عليها.
ويرى الخبير ذاته أن المعطيات الميدانية تكشف أن الإستراتيجيات المعتمدة حاليا، رغم تطورها النسبي، لم تعد قادرة وحدها على مجابهة حجم المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية المتسارعة.
ويشدد على أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال إلى مقاربات استباقية أكثر صرامة تقوم على تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وصيانة المسالك المؤدية إلى الغابات لتسهيل تدخل فرق الإطفاء، والحد من توسع النيران.
كما يدعو إلى إحداث أحواض مائية داخل الغابات لضمان توفر مصادر قريبة للمياه أثناء عمليات الإخماد، إلى جانب توظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في رصد بؤر الحرائق بشكل مبكر قبل خروجها عن السيطرة.
جاهزية الدول
ويعتبر حسين أن إدماج سكان الغابات في مشاريع تنموية مندمجة يشكل أحد المفاتيح الأساسية لأي إستراتيجية ناجعة، بالنظر إلى قربهم من هذه الفضاءات وقدرتهم على لعب دور إنذار مبكر، سواء في الرصد أو الإبلاغ أو الحد من المخاطر.
ورغم تعدد الخطط الوطنية في دول المغرب العربي، من تعزيز المراقبة الجوية إلى تحديث وسائل التدخل السريع، فإن الخبراء يحذرون من أن التغيرات المناخية المتسارعة قد تجعل من صيف 2026 اختبارا حقيقيا لمدى جاهزية هذه المنظومات.
في الجزائر، تم تعزيز قدرات الحماية المدنية عبر رفع مستوى المراقبة الجوية والبرية، وتكثيف التدخل السريع في المناطق الغابوية ذات الخطورة العالية، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية.
أما في تونس، فقد تم التركيز على حملات التوعية وتعزيز المراقبة الميدانية في الغابات الشمالية والمناطق الجبلية، التي تُعد الأكثر هشاشة أمام الحرائق خلال فصل الصيف.
وفي المغرب، تتجه السلطات إلى تعزيز استعداداتها لموسم حرائق الغابات، من خلال برنامج وقائي ورقمي ولوجستي يروم تقوية آليات التدخل والحد من انتشار النيران.
وفي هذا السياق، أوضح المدير العام للوكالة الوطنية للمياه والغابات، عبد الرحيم هومي للجزيرة نت أن موسم 2026 يتميز بوفرة غطاء نباتي كثيف وسريع الاشتعال، بفعل التساقطات المطرية الأخيرة، وهو ما يرفع من مستوى المخاطر خلال فصل الصيف.
وأضاف هومي أن البرنامج المرصود، والمقدر بـ 150 مليون درهم (نحو 15 مليون دولار)، يرتكز على تعزيز البنية التحتية الغابوية عبر فتح وصيانة المسالك، وتهيئة نقط الماء وتقوية أبراج المراقبة، إلى جانب دعم الموارد البشرية والوسائل اللوجستية للتدخل السريع.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن المقاربة المعتمدة تقوم على تعزيز الوقاية قبل التدخل وتحسين تدبير الكتلة الحيوية وتقوية التنسيق بين مختلف المتدخلين، استناداً إلى تجربة تراكمت خلال السنوات الماضية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو حرائق الغابات في المنطقة أقل فأقل كحادث موسمي، وأكثر كأحد تجليات أزمة مناخية ممتدة، تعيد طرح سؤال الجاهزية وحدود قدرة السياسات الحالية على الصمود أمام صيف يزداد سخونة سنة بعد أخرى.
إعلان
إقرأ المزيد


