الجزيرة.نت - 6/5/2026 4:46:15 PM - GMT (+3 )
تظهر فحوص علمية جديدة أن ما يقرب من نصف أنواع الأسماك في البحر الأبيض المتوسط قد غيّرت نطاق انتشارها على مدى العشرين عاما الماضية، بسبب تغير المناخ.
وشملت هذه التغيرات في الموائل، هجرة بعض الأنواع البحرية من مواطنها الأصلية في اتجاهات غير متوقعة، مما سيكون له تأثير بالغ على التنوع البيولوجي والنظم البيئية في المستقبل.
يشهد البحر الأبيض المتوسط شبه المغلق ارتفاعا في درجة حرارته بمعدل يتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف سرعة ارتفاعها في محيطات العالم. وفي مواجهة هذه الأزمة المناخية، توقع العلماء هجرة جماعية ومنظمة للكائنات البحرية شمالا أو نحو الأعماق بحثا عن مياه أكثر برودة.
غير أن الواقع المرصود أثبت أن هذه الهجرة كانت أكثر تعقيدا وإثارة للدهشة، وفق دراستين رائدتين أجراهما المعهد الإسباني لعلوم المحيطات (IEO-CSIC) ومركز المحيطات في جزر البليار (COB-IEO).
الدراستان استندتا إلى بيانات طويلة الأمد تم استقاؤها من مشاريع بحثية ممولة من المفوضية الأوروبية وهيئات حكومية إسبانية.
الدراسة الأولى نشرت مؤخرا في دورية "بروجرس إن أوشنوغرافي" (Progress in Oceanography)، وحللت كيف تعمل التحولات البيئية المرتبطة بتغير المناخ على تعديل موطن تكاثر سمك أبو سيف المعروف علمياً باسم (سيفياس غلادياس) في غرب البحر الأبيض المتوسط.
هذا النوع يتخذ من المناطق المحيطة بجزر البليار منطقة تكاثر رئيسية له في مياه تبلغ ملوحتها 37.5 ودرجة حرارتها أكثر من 24 درجة مئوية، وهو مصنف ضمن فئة الكائنات المهددة بالانقراض في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، ويشهد تعدادها في البحر الأبيض المتوسط انخفاضا تاريخيا.
الدراسة كشفت أن ارتفاع درجة حرارة المياه أدى إلى تسريع نضج يرقات سمك أبو سيف، مقدما بدء التكاثر بمقدار نصف يوم سنويا بين عامي 2004 و2022، مما وسّع المنطقة التي يمكن أن تتطور فيها المراحل المبكرة من عمر اليرقات.
إعلان
غير أن الباحثين ينبهون إلى أن هذا التوسع في الموائل لا يدل في الحقيقة على أن المحيط البيئي أصبح أكثر ملاءمة لازدهار الحياة؛ فبالتزامن مع ارتفاع درجة الحرارة، انخفض تركيز الكلوروفيل انخفاضا حادا في الحوض الغربي منذ عام 1998، وهو مؤشر رئيسي لحالة العوالق النباتية والإنتاجية البحرية في قاعدة السلسلة الغذائية. وباتت اليرقات تجد مساحة أكبر للتفقيس، لكنها تجد غذاء أقل بكثير للبقاء على قيد الحياة.
سمكة أبو سيف لم تكن الوحيدة من بين الكائنات البحرية التي تأثرت موائلها بالتغير المناخي غرب المتوسط. فقد كشفت الدراسة المنشورة في دورية "إيكولوجيكال إنديكيتورز" (Ecological Indicators) العلمية، من خلال دراسة 102 من أنواع الأسماك واللافقاريات القاعية على مدى 25 عاما (1994-2019) على طول الساحل الإسباني، أن ما يقرب من نصفها (42 نوعا ) قد غيّرت توزيعها الجغرافي بشكل ملحوظ. والأكثر إثارة للدهشة، أن نسبة كبيرة من هذه الأنواع هاجرت نحو الجنوب والجنوب الغربي، متجهة، على عكس ما توقعه العلماء سابقا، نحو مناطق تشهد معدلات تغير مناخي أشد ودرجات حرارة أعلى.
تشرح مارينا سانز-مارتين، الباحثة ما بعد الدكتوراه في مركز المحيطات في جزر البليار، هذه الظاهرة المحيرة قائلة في تصريح للجزيرة نت: "وجدنا أن ما يقرب من نصف الأنواع ذات القيمة التجارية في البحر الأبيض المتوسط قد غيّرت توزيعها خلال العقدين الماضيين، وعلى الرغم من أن هذه التغيرات تختلف من نوع لآخر، فإنها تتسم في الغالب بالاتجاه نحو الجنوب والجنوب الغربي من المتوسط."
وأوضحت المؤلفة الرئيسية للدراسة أنه "يمكن تفسير هذه التحولات في الأنواع من خلال مؤشر سرعة تغير المناخ المحلي، ويقيس هذا المؤشر الاتجاه والسرعة التي ينبغي أن تتحرك بها الأنواع للحفاظ على ظروف درجة الحرارة الأولية أو المفضلة لموائلها".
تظهر النتائج أيضا أن أكبر التحولات في التوزيع الجغرافي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمناطق التي تشهد أسرع ارتفاع في درجات الحرارة. ونتيجة لذلك، نقلت العديد من الأنواع مراكز تجمعاتها نحو الجنوب الغربي.
على سبيل المثال، بينما يلجأ سمك الصياد (لوفيوس بوديغاسا)، الذي يفضل المياه الباردة، إلى الغوص عموديا نحو أعماق المحيط، يتجه نجم البحر (راجا أسترياس)، الذي يفضل درجات الحرارة الدافئة نسبيا، نحو جنوب المتوسط.
شدد مؤلفو الدراستين على الحاجة إلى إصلاح شامل لسياسات إدارة الموارد البحرية، من خلال وضع إستراتيجيات لإدارة تكيفية قادرة على الاستجابة للتغيرات الملحوظة في التوزيع الجغرافي للكائنات البحرية وللتجمعات السمكية المُستغلة في البحر الأبيض المتوسط، المتأثرة بالتغير المناخي.
وأكد الباحثون كذلك على أن الحفاظ على المصايد السمكية والتنوع البيولوجي البحري، يتطلب دمج مسارات سرعة تغير المناخ الإقليمية الفرعية والتحولات الغذائية هذه في الخطط المستقبلية لإنعاش مصايد الأسماك وحماية الإمدادات الغذائية البحرية.
إعلان
إقرأ المزيد


